
إعداد
د. خلف المفتاح
باحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية واليهودية
سوريا
تبرز فكرة ومفهوم التسامح عندما تعيش شعوب ودول العالم حالة من الصراع أو بُعيد انتهائه في بعده الدموي العنيف، كما حصل في بلدان عدة على مر العصور، ولاسيما الصراعات والحروب ذات الطابع الديني والعرقي، وقد تجلى بأبشع صوره في أوروبا فترة الحروب الدينية، وكذلك في إسبانيا ومحاكم التفتيش. من هنا تصبح الحاجة ماسة لوضع مفهوم وثقافة التسامح في دائرة النقاش الفكري؛ فالسلم الأهلي والاستقرار المجتمعي وتوطين ثقافة قبول المختلف دينياً وعرقياً ومذهبياً والابتعاد عن ثقافة الثأر والانتقام تصبح حاجة وضرورة لبقاء فكرة “الدولة الوطن” راسخة مستقرة ضمن عقد اجتماعي ناظم لها، فالنظر إلى المستقبل والقطيعة مع ماضي الدم وثقافته أمر حتمي.
وبالعودة للعنوان ولجهة التأصيل الفكري التاريخي للمصطلح وتعقبه، يبرز اسم مفكري الغرب في طرح المفهوم وعلى رأسهم **جون لوك** الذي عاش في القرن السابع عشر، والذي شهد حالة من الصراع الديني في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، وشهد ولادة أفكار مارتن لوثر والفصل ما بين الدين والدولة، والتصالح ما بين اليهودية والكاثوليكية. ولا شك أن ثقافة التسامح كانت قائمة بوصفها سلوكاً قبل ذلك التاريخ، والشاهد الحي الذي نفخر به عرباً ومسلمين نهج رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- مع كفار مكة بعد فتحها، حيث مقولته التاريخية: “اذهبوا فأنتم الطلقاء“، لتكون أهم رسالة تسامح في ذلك التاريخ، ولكن حديثنا هنا ينصب ويتعلق بالتسامح بوصفه مفهوماً جرى التنظير له فكرياً وقانونياً، ما يستدعي التركيز على العصور الوسطى والحديثة.
لقد عرف “معجم لالاند” التسامح أنه: “طريقة تصرف شخص يتحمل بلا اعتراض أذى مألوفاً يمس حقوقه بينما في إمكانه رد الأذية”، أي أن التسامح يفيد شيئاً من التقبل الذي قد يكون بالغصب، فالشخص المتسامح غالباً ما يجبر نفسه على تحمل الكثير من الاختلافات التي لا يطيقها بسهولة، ومع أن التسامح لا يعني التخلي عن القناعات الشخصية والتفريط بها وكتمها لصالح جهة ما، بل يفيد عدم اللجوء إلى القوة والعنف وسفك الدماء لفرض نمط معين من الأفكار والمعتقدات مهما بدت لنا صحتها؛ فالمسامحة هنا تعني مسامحة الآخرين على اختلافهم الديني والمذهبي والعرقي والسياسي وغيره، أي الصفح عنهم وعدم معاقبتهم لأنهم يختلفون عن غيرهم في الدين وغيره، إنه يعني التساهل معهم ولكن بشكل أبوي لا استعلائي أو احتقاري.
لقد شكل التسامح أبرز القواعد التي اعتمدتها مدونة حقوق الإنسان التي عرفت التسامح بالقول: “التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا، ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد، وإنه الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجباً أخلاقياً فحسب، وإنما واجب سياسي وقانوني أيضاً، والتسامح هو الفضيلة التي تيسر قيام السلام وثقافته بدل ثقافة القتل والقتال”.
لقد اتكأت معظم تعريفات مفهوم التسامح على فلسفة جون لوك وتنظيراته وفلسفته، فقد تحدث وشخص بصراحة ووضوح عن أولئك الذين ينصبون أنفسهم من خلال سلطة الكنيسة وكأنهم وكلاء الله على عباده بالقول: “إن الذي يتعصب ويتشدد مع مخالفيه في الدين ظناً منه أنه يسعى إلى ملكوت الله وإحقاق ما أحقه وإبطال ما أبطله، في الوقت نفسه يكون ليناً ومتسامحاً مع نظرائه ومع نفسه في ارتكاب الخطايا والرذائل، إنه ينشد ملكوتاً آخر لا ملكوت الله، وإن اللجوء إلى القوة لإجبار الناس للإقبال على ديانة معينة لن يجدي نفعاً مهما بلغت حدة الأساليب، فلو شاء الله أن يهدي الناس إلى دينه بالعنف لسخر لذلك جنود السماء عوضاً عن جنود الأرض فهم أخير وأفضل وأنجع”.
ويشير جون لوك لدور الحاكم الحقيقي وهو السلم والعدل والأمن والحرية، فلا يدخل في صلاحياته رعاية النفوس وشكل العبادة وطبيعة الإيمان والدين والمذهب، وإنما السهر على تنفيذ القوانين التي تضعها سلطة شرعية منتخبة من الشعب بشكل حر لا بإرادة الحاكم وممثليه، لتضمن الاستقرار والسلم والتعايش بين الأفراد والتصدي لكل من تسول له نفسه انتهاكها. فالدولة لا تتدخل بحرية الاعتقاد حيث يمارسها الأفراد في مجالهم الخاص، فكل شأنها هو الصالح العام والمحافظة على صحة المواطنين وحريتهم وممتلكاتهم. ويرى لوك أنه لو سمحت الدولة بعدة ديانات ومذاهب لانتفت الحروب والصراعات المذهبية والطائفية من المجتمع، فالتعددية بكل أشكالها أفضل من الأحادية أو الواحدية؛ فمعظم المجتمعات البشرية مؤلفة من عدة أديان أو مذاهب، فمن الأفضل للحكومات أن تتبع سياسة التعددية والتسامح كي تتحاشى الحروب والصراعات الطائفية والقلاقل، سيما وأنه يستحيل جمع البشر كلهم على عقيدة واحدة أو مذهب واحد، فلكل إنسان الحق في اتباع الدين أو المذهب الذي يراه الأنسب إليه وبما يحسبه أحق أن يعتقده دون قسر أو إكراه، ولا يحق لأي كان الحق في تفسير الدين، وإن كان من حق أي إنسان أن يعتنق الدين الذي يرضاه وذلك بغض النظر عن صحة أو كذب أو سوء ذلك الخيار؛ فلا يحق للحاكم أن يتدخل في هذا الشأن الفردي، فكما يحق للفرد اختيار نوع طعامه ولباسه دون تدخل من أحد، فكذلك له الحق في اختيار دينه ومذهبه وعقيدته، فسلطة الحاكم لا علاقة لها بنجاة النفوس لأن ذلك ضرب من العبث والتخبط.
والخلاصة؛ يمكننا القول إن رسالة التسامح عند جون لوك تتلخص في جانب منها في تأكيده على الحقوق التي ينبغي ضمانها لذوي الديانات والمذاهب المختلفة، وعدم اعتبار الاختلاف الديني والمذهبي داعياً لهتك حرياتهم ونهب حقوقهم، فليس لشخص أو مؤسسة أن يضر بممتلكاتهم بدعوى أنهم من دين أو مذهب مختلف أو يمارسون طقوساً مخالفة لطقوس غيرهم، فالحقوق الشخصية المدنية والإنسانية حقوق مقدسة لا ينبغي أن تطالها الأيدي من لدن أية سلطة، لذلك يحذر لوك من أي سلوك أو تصرف عنيف ومتشدد اتجاه هذا المختلف، وكذلك الإحسان إليه والتسامح معه بل ومحبته عملاً بالفحوى الحقيقي لكل الأديان والرسالات السماوية.


