On Research

وحدة الدراسات السياسية

تقدير موقف : تداعيات الحرب الأمريكية-الإيرانية على أمن الخليج وفرص تعزيز النفوذ الصيني

Email :133

إعداد 

فايزة أحمد حسن مزمل

باحثة دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية

كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية  – جامعة الإسكندرية

جمهورية مصر العربية

 

 

لم تقتصر الحرب الأمريكية-الإيرانية على كونها مواجهةً عسكريةً فحسب، بل مثَّلت اختبارًا حقيقيًا لبنية الأمن الإقليمي التي اعتمدت عليها دول الخليج على مدى عقود. وعلى الرغم من نجاح واشنطن النسبي في احتواء التصعيد والحيلولة دون انهيارٍ شاملٍ لمنظومة الأمن في المنطقة، فإنَّ هذه الأزمة كشفت حدود الاعتماد المطلق لدول الخليج على المظلة الأمنية الأمريكية.

وأعادت هذه الحرب طرح سؤالٍ جوهريٍ حول مدى قدرة واشنطن على الاستمرار في أداء دورها كحليفٍ أمنيٍ رئيسيٍ في دول الخليج. فبينما يرى البعض أنَّ الحرب الأمريكية-الإيرانية أعادت تأكيد مركزية الولايات المتحدة بوصفها الحليف الأمني الأول لدول الخليج، ذهب آخرون إلى أنَّ هذه الحرب قد كشفت حدود الاعتماد الحصري لدول الخليج على المظلة الأمريكية؛ الأمر الذي دفع دول الخليج إلى تبني استراتيجيات تنويعٍ لوجستي واقتصادي. وتكمن خطورة هذه الأزمة في كونها تفتح المجال أمام إعادة تشكيل توازن القوى في منطقة الشرق الأوسط دون ضوابط واضحة.

ويجادل هذا المقال بأن الحرب الأمريكية-الإيرانية لم تدفع إلى استبدال النفوذ الأمريكي بالنفوذ الصيني، بل مهدت الطريق للصين لتعزيز نفوذها الاقتصادي واللوجستي في منطقة الشرق الأوسط. وقد كشفت هذه الحرب عن عددٍ من التحولات البنيوية التي شهدها النسق الإقليمي العربي، وهي كالتالي:

أولاً: إعادة تقييم دول الخليج لخياراتها الأمنية

أظهرت الحرب خطورة الاعتماد المُطلق على المظلة الأمنية الأمريكية؛ فبدلاً من النظر إلى القواعد الأمريكية بوصفها مصدرًا للأمن، بات يُنظر إليها بوصفها أهدافًا محتملة تستدعي الهجمات إلى أراضيها. وقد دفع ذلك دول الخليج إلى بناء شبكةٍ من العلاقات القوية بهدف تنويع مصادر التسليح، بما في ذلك شراء ذخائر ومنظومات من كوريا الجنوبية وصواريخ بريطانية.

وقد صرح الأمير تركي الفيصل رئيس المخابرات السعودية عن هذا القلق عندما وصف هذه الحرب بأنَّها “حرب نتنياهو”؛ حيث تنخرط دول المنطقة في صراعات لا تخدم أولوياتها المباشرة. ويؤكد ذلك أنَّ هذه الحرب لم تُضعف الشراكة الأمنية بين واشنطن وبقية دول الخليج، بقدر ما دفعتها إلى تبني “استراتيجية تحوط” بما يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى وفي مقدمتها الصين لتعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي واللوجستي في المنطقة.

ثانيًا: قدرة إيران على بناء توازن ردع

اعتمدت إيران على استخدام استراتيجية ردعٍ غير متماثلٍ (Asymmetric Deterrence) عبر استخدام الطائرات المُسيرة، والصواريخ الباليستية، فضلاً عن محاولة تعطيل مضيق هرمز؛ بهدف رفع تكلفة أي هجومٍ عسكريٍ لواشنطن، وقد أسهمت هذه الاستراتيجية في تحويل الصراع من مواجهةٍ خاطفة إلى استنزافٍ مُمتد؛ مما أرغم خصومها على القبول بهدنةٍ هشة نجحت في خلق توازنٍ نسبيٍ.

وبناءً على ذلك، لم تفض قدرة إيران على إرساء ردعٍ مرتفع التكلفة إلى تقليص نفوذ واشنطن بصورةٍ مباشرة، بقدر ما دفعت دول المنطقة إلى إعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية، والاتجاه نحو تنويع شراكاتها مع قوى دولية أُخرى.

ثالثًا: ضعف محور المقاومة

تعرضت أدوات النفوذ الإقليمية لإيران في المنطقة وعلى رأسها حزب الله والحوثيون لضغوطٍ كبيرةٍ، مما أضعف من نفوذ إيران في لبنان واليمن. وفي المقابل، استغلت إسرائيل الحرب لتصعيد عملياتها العسكرية في لبنان وغزة. وقد أدَّى هذا التراجع النسبي في محور المقاومة، بالتوازي مع انشغال دول الخليج وإيران بالحرب، إلى مخاوفٍ عربية من ترجيح ميزان القوى الإقليمي لصالح إسرائيل.

وعززت هذه المخاوف سعي الدول العربية إلى إنشاء تحالفاتٍ وشراكاتٍ دولية أكثر تنوعًا، عبر الانفتاح على دولٍ مثل الصين وباكستان وتركيا في إطار سعيها لإعادة توازن القوى في المنطقة.

رابعًا: تقاطع المصالح الأمريكية الصينية

كشفت هذه الحرب أنَّه على الرغم من حدة التنافس الصيني-الأمريكي، فإن ثمة تقاطعاً في المصالح بينهما، ولاسيما ما يتعلق بضمان حرية الملاحة واستقرار أمن الطاقة. وقد عكست زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا التلاقي في الخليج عبر رفضهما فرض أي رسوم عبورٍ على الشحن في مضيق هرمز. وفي المقابل، أظهرت الصين عدم رغبتها في الحلول محل واشنطن بوصفها حليفاً أمنياً، مقابل توسيع نفوذها في المجال الاقتصادي واللوجستي.

خامسًا: تعزيز التقارب العربي بين الخليج ومصر والأردن

عززت هذه الحرب التنسيق بين دول الخليج وكلٍّ من مصر والأردن، وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصالٍ مع ولي العهد السعودي أنَّ: “أمن الخليج جزءٌ لا يتجزأ من الأمن القومي المصري”. ويأتي ذلك في ظل ارتباط أمن واستقرار الخليج بمصالح مصر الاقتصادية وأمن قناة السويس.

ويكشف هذا التقارب عن إدراك عربيٍ مُتنامٍ لخطورة إخلال التوازن الإقليمي لصالح إسرائيل، بما يعزز من نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة. كما يعزز أيضاً الاتجاه العام نحو بناء تحالفات دولية وشراكات متنوعة بعيدة عن واشنطن.

وتمنح هذه التحولات الصين فرصةً لتعزيز حضورها الاقتصادي واللوجستي في المنطقة، عبر توسيع استثماراتها في مجال البنية التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق، فضلاً عن المشاركة في عمليات إعادة الإعمار في المنطقة، كما تسعى إلى ترسيخ وجودها كوسيطٍ سياسيٍ محايد، ولاسيما في أعقاب زيارة ترامب لبكين، إلى جانب تقديم بدائل تكنولوجية منخفضة التكلفة في أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المُسيرة. ومع ذلك، يبدو أنَّ الصين لا تعتزم الانخراط في أي مواجهة عسكرية مع واشنطن قد تضر بمصالحها الاقتصادية في المنطقة.

وفي المُحصلة، لن تُفضي الحرب الأمريكية-الإيرانية إلى إقصاء واشنطن من موقعها كحليفٍ أمني لدول الخليج، بقدر ما تسهم في إعادة تشكيل حدود هذا الدور وطبيعته. إذ ستظل واشنطن الحليف الأمني الرئيسي، غير أن دول الخليج ستعتمد استراتيجيةً تقوم على تعدد الخيارات الاستراتيجية، وتنويع الشراكات الأمنية.

وفي هذا السياق، من المرجح أن يستمر التواجد الأمريكي بوصفه ركيزةً أساسيةً في منظومة الأمن الإقليمي، بالتوازي مع انفتاح دول الخليج المُتزايد على قوىٍ دولية أخرى، بما يعكس تحوّلًا من نموذج “الضامن الأمني الوحيد” إلى نموذج “الشريك ضمن شبكة أوسع من الفاعلين”؛ مما يُعزز من تعقيد توازنات القوة في المنطقة، ويؤسس لمرحلةٍ جديدة تتسم بتعدد مراكز النفوذ بدلاً من الهيمنة المُطلقة لقطبٍ واحد.

الهوامش

  1. Alistair MacDonald and Summer Said, “Gulf Allies Turn Away From U.S. for Fresh Ammo,” The Wall Street Journal, 12 April 2026, https://www.wsj.com/world/gulf-allies-turn-away-from-u-s-for-fresh-ammo-9960be73
  2. Turki Al-Faisal, interview with Christiane Amanpour, CNN Arabic, 5 March 2026, https://arabic.cnn.com/middle-east/video/2026/03/05/v189991-turki-al-faisal-amanpour-sot
  3. S. Department of State, “U.S. and China Agree No Country Should Charge Shipping Tolls in Strait of Hormuz,” as summarized on X (formerly Twitter), accessed 14 May 2026, https://x.com/i/trending/2054731570037051457
  4. رئاسة جمهورية مصر العربية، “الرئيس السيسي يجري اتصالاً هاتفياً مع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي عهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس الوزراء”، 16 مارس 2026.

 https://www.presidency.eg/ar/%D9%82%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9/news1632026-3/

المراجع

  • رئاسة جمهورية مصر العربية، الرئيس السيسي يجري اتصالًا هاتفيًا مع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي عهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس الوزراء، 16 مارس 2026.

https://www.presidency.eg/ar/%D9%82%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9/news1632026-3/

  • Alistair MacDonald and Summer Said, Gulf Allies Turn Away From U.S. for Fresh Ammo, The Wall Street Journal, 12 April 2026.

https://www.wsj.com/world/gulf-allies-turn-away-from-u-s-for-fresh-ammo-9960be73

  • Turki Al-Faisal, interview with Christiane Amanpour, CNN Arabic, 5 March 2026.

https://arabic.cnn.com/middle-east/video/2026/03/05/v189991-turki-al-faisal-amanpour-sot

  • S. Department of State, U.S. and China Agree No Country Should Charge Shipping Tolls in Strait of Hormuz, as summarized on X (formerly Twitter), accessed 14 May 2026.

https://x.com/I/trending/2054731570037051457

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts