On Research

مقالات تحليلية

العرب واليهود: قراءة تاريخية في تحولات العلاقة

Email :28

إعداد

د. خلف المفتاح

باحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية واليهودية

سوريا

 

 

ابتداءً، لا يمكن لباحث موضوعي قراءة تاريخ المنطقة الممتدة من غربي مصر إلى شمالي العراق مروراً بالجزيرة العربية واليمن خلال أربعة آلاف عام وتجاوز الوجود والحضور اليهودي فيها، فاليهود وبنو إسرائيل شكلوا تاريخياً، ودينياً، وأنطولوجياً ملمحاً من ملامحها وهويتها. ومع تطور المصطلح في تسمية تلك الجماعة العرقية والدينية من بني إسرائيل إلى يهود، فآية ذلك هو ما حدث بعد السبي البابلي نسبة إلى يهوذا، وهو الابن الرابع ليعقوب (إسرائيل) من زوجته ليئة التي كان قد تزوجها هي وأختها راحيل ابنتي خاله بعد أن عمل راعياً للأغنام أربع عشرة سنة ليكون ذلك مهراً للزوجتين وفق الرواية التوراتية في سفر التكوين، وقد استبدل حرف الذال بالعربية دالاً لتكون التسمية يهوداً؛ حيث أطلق الاسم على أول مملكة لبني إسرائيل تشكلت بالقوة جنوبي فلسطين قبل ثلاثة آلاف سنة.

ومع خروج بني إسرائيل من مصر قبل حوالي ثلاثة آلاف وسبعمائة سنة تقريباً على يدي النبي موسى، وتشير التوراة إلى أن أعدادهم زادت على 600 ألف بعد سقوط الحكم الهكسوسي في مصر وعودة الفراعنة المصريين للسلطة، ويشير سفر الخروج إلى مغادرتهم أرض مصر وصولاً لجزيرة سيناء، وقصة نزول الألواح على نبي الله موسى كليم الرب يهوه في الوادي المقدس وجبل الطور، ومن ثم انقلاب بني إسرائيل عليه لجهة غيابه عنهم مدة أربعين يوماً عانوا خلالها من عطش وجوع وهم في صحراء قاحلة بعد رغد العيش والترف والبحبوحة التي عاشوها في مصر، ووصلت الأمور بهم إلى حد صناعة عجل من ذهب ليعبدوه، ما جلب لهم اللعنة والسخط من الرب يهوه، وما تلا ذلك من تيه لأربعين عاماً هائمين على وجوههم إلى أن انتقل بهم نبي الله موسى إلى حدود نهر الأردن؛ حيث وافاه الأجل قبل دخوله الأرض الموعودة، حيث تصدى لتلك المهمة يشوع بن نون الذي تمكن من الاستيلاء على أريحا وما حولها ليسكن بنو إسرائيل الأرض التي وعدوا بها من نبي الله إبراهيم حسب الرواية التوراتية. وتشير المصادر التاريخية إلى أن بني إسرائيل أقاموا مملكتين في أرض كنعان هما: إسرائيل في شمال فلسطين، ويهوذا في الجنوب، وتعاقب عليهما قضاتهم وملوكهم، ومنهم يشوع بن نون وداوود وسليمان ورحبعام وغيرهم، إلى أن دمرت المملكتان اللتان استمرتا حتى سنة 548 قبل الميلاد على أيدي الأشوريين والبابليين بقيادة كلاً من سرجون الأكادي الآشوري ونبوخذ نصر البابلي، حيث عاش اليهود حالة الشتات وشكلت بلاد العرب ملجأً وملاذاً آمناً لهم في وجه الملوك الظالمين.

وبعد ذلك وخلاله عاش بنو إسرائيل كسكان في فلسطين وما حولها في ظل سيطرة قوى خارجية على تلك البلاد من فراعنة مصريين وفرس وروم، ثم تحولوا إلى حالة الشتات الثاني في منتصف القرن الرابع الميلادي. وتشير الدراسات التاريخية إلى أنهم تنقلوا كالبدو الرحل باتجاه بلاد الحجاز واليمن لعدة أسباب؛ منها ضيق الحال في أرض فلسطين حيث سكنها أكثر من أربعة ملايين من أقوام مختلفة، إضافة إلى نزوح اليهود من بلاد الشام بسبب سيطرة الإمبراطورية البيزنطية المسيحية الكاثوليكية وتعقبها لليهود على خلفية صلب السيد المسيح، فلجأ يهود بلاد الشام إلى جزيرة العرب هرباً من بطشهم ونهبهم لأملاكهم، فاستقر اليهود في مناطق يثرب والحجاز واليمن. ولكن ثمة فرق في الأصل العرقي بين يهود يثرب الذين هم إسرائيليون من نسل يعقوب، وبين يهود اليمن حيث تشير الدراسات التاريخية إلى أن أعداداً كبيرة منهم من قبائل الأزد العربية دانوا باليهودية لعدة أسباب؛ منها أن الأحباش الذين دانوا بالمسيحية تحت مظلة الإمبراطورية البيزنطية أرادوا مد وبسط نفوذهم السياسي لبلاد اليمن ومملكة حمير تحت عنوان نشر الديانة المسيحية، ولقطع دابر تلك السياسة لجأ ملك حمير إلى نشر الديانة اليهودية لقطع الطريق على ذلك بحيث لا تكون بلاد اليمن تحت مظلة بيزنطة، إضافة إلى أن الديانة اليهودية لا يوجد لها رافع وحامل إمبراطوري مهيمن وقوي كالمسيحية التي مركزها السياسي والديني روما، إضافة إلى أن الديانة اليهودية أقرب إلى النفسية العربية والثقافة العربية عكس ما هو عليه في المسيحية التي يرون فيها بعداً فلسفياً لا ينسجم كثيراً مع ثقافة البادية، إضافة إلى أن اليهودية انتشرت في مملكتي حمير وسبأ في فترة العلاقة بين ملكة سبأ والملك سليمان، فاليهود اليمنيون ينقسمون إلى قسمين: يهود من بني إسرائيل بوصفهم قومية، ويهود عرب دانوا باليهودية وليسوا من بني إسرائيل.

أما يهود الحجاز ويثرب فهم يهود عرق من بني إسرائيل قدموا مناطق الحجاز ويثرب وما حولها وأقاموا في آطام وقلاع وعملوا بالتجارة والزراعة التي أجادها بعضهم من خلال سكنهم في أرض كنعان الخصبة، فأثروا وتملَّكوا وازدهرت سبل حياتهم في مناخ عربي وجدوا فيه كل أشكال الحرية والتسامح والاحترام بوصفهم أصحاب رسالة توحيد، آخذاً في الاعتبار أن سكان يثرب هم من الأوس والخزرج الأزديين الذين استوطنوا تلك البلاد قادمين من اليمن بعد سيل العرم وانهيار سد مأرب كما تشير أغلب الدراسات التاريخية، ولكن أغلبهم عمل عند اليهود في أعمال الصناعة، الزراعة وأعمال الخدمة. وكانت أغلب القبائل اليهودية من بني قينقاع وبني النضير وقريظة، وفي أصولهم وتسميتهم يقول اليعقوبي إن أغلبهم من أصول عربية، وإن بني النضير فخذ من جذام إلا أنهم تهودوا ونزلوا بجبل يقال له النضير فسموا به، ونزل بنو قريظة بجبل يقال له قريظة فنسبوا إليه. وما إن استقروا في يثرب وخيبر وجوارهما حتى استقروا ووثقت بينهم وبين عرب يثرب من أوس وخزرج عهدة مكتوبة بعدم الاعتداء وما يمكن تسميته بلغة العصر العيش المشترك والسلم الأهلي، وبقيت العلاقة جيدة بين سكان يثرب من عرب ويهود إلى أن ساءت بعد يوم بعاث حين اقتتل الأوس والخزرج ووقفت بعض قبائل اليهود إلى جانب الأوس دعماً لهم في قتالهم الخزرج، ما كان له بالغ الأثر على الوجود اليهودي في يثرب وما حولها، دفعوا ثمناً غالياً له بعد الهجرة النبوية ودخول الأوس والخزرج الدين الجديد تحت مظلة آخت بينهم وأزالت كل أشكال العداوة والثأر في نفوسهم، الأمر الذي لم ترتح له الجماعة اليهودية التي اشتغلت على قاعدة الفتن والدس والتآمر.

ومع هجرة النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه من مكة إلى يثرب بعد بيعتي العقبة، ودخول أعداد كبيرة من أهالي يثرب الإسلام واعتناقهم له، تغيرت موازين القوى فيها (القوى الاجتماعية والنفسية)، ومع أن اليهود تحدثوا عن نبي من العرب، والخطاب التصالحي الذي تبناه الرسول مع يهود يثرب؛ حيث تحدث القرآن عن بني إسرائيل في سور كثيرة، وتأكيد الرسول على المشترك بين الإسلام واليهودية من الجذر الإبراهيمي الشائع، إلا أن اليهود تنكروا لنبوة محمد وأن لا نبي خارج العائلة اليعقوبية، أي لا نبي من خارج بني إسرائيل، لا بل سعوا لتهويد الإسلام لا أسلمة اليهودية مع وجود نص قرآني قطعي: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا). ومع تحول القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام في مكة كانت القطيعة شبه النهائية بين المسلمين واليهود في المدينة، ولاسيما بعد محاولاتهم قتل الرسول ووقوفهم إلى جانب أعدائه في معركة الخندق وتخاذلهم في معركتي بدر وأحد بحجة أنها حصلت في عيدهم الديني يوم السبت، علماً أنه روي عن رسول الله القول: “لو دخل عشرة من اليهود الإسلام لأسلم اليهود كلهم”.

ومع تعاظم الخطر اليهودي في المدينة بعد تواصل زعماء القبائل اليهودية مع أعداء الرسول في مكة وما جاورها لجهة غزو المدينة بالتعاون معهم، عمل الرسول على إخراجهم منها؛ حيث كان يهود بني قينقاع يسكنون قلب المدينة في واحد من أهم الأحياء العربية فأراد الرسول أن يطهرها من كل من يخالفون دينه سيما وأن بني قينقاع كانوا من أغنى طوائف اليهود، ثم أعلن الرسول الحرب على بني النضير لجهة امتناعهم عن الاشتراك في معركة أحد واعتذارهم بيوم السبت ونكولهم عن العهدة (الصحيفة الموقعة بين قاطني المدينة المنورة من مسلمين ويهود وغيرهم) التي تلزمهم الدفاع عنها حال حصول خطر خارجي مشترك، حيث انتهى الأمر بهم إلى طردهم من المدينة والاستيلاء على أملاكهم وآطامهم، علماً أنهم قاموا بهدم بيوتهم قبل مغادرتها وحملوا معهم نجاف أبوابها لأسباب عقائدية تلمودية؛ فكل يهودي يعلق على نجاف داره صحيفة تشتمل على وصية موسى لبني إسرائيل بأن يحتفظوا بالإيمان بإله واحد ولا يبدلوه ولو عذبوا أو قتلوا وهذا هو ما حصل. مع استمرار الصراع بين المسلمين واليهود ولاسيما في غزوة خيبر التي اعتبرت بداية خاتمة الوجود اليهودي السياسي والاقتصادي والديني في إقليم الحجاز، مع أن أعداداً كبيرة منهم بقوا في بلاد الحجاز كأفراد مطمئنين لا يمسهم سوء، ويذكر ذلك في سيرة ابن هشام وفي كتاب المغازي للواقدي؛ فيذكر أن عودتهم الطوعية دون تخليهم عن دينهم حيث كان وجودهم ضرورياً للانتفاع من خبرتهم في الزراعة، الصناعة واستثمار الأموال التي جلبت إلى يثرب بوصفها غنائم حرب من بطون عربية ويهودية مغلوبة حيث ليس للعرب خبرة في هكذا أعمال وانشغالهم بالحروب والغزوات. ولكن ومع ازدياد الفتوحات الإسلامية وكثرة الأيادي العاملة من الأسرى الذين كثروا عند العرب لم تعد الحاجة لهم، فأقدم الخليفة عمر بن الخطاب على إجلائهم حيث بلغه قول رسول الله: “لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان”، ففحص عمر ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى اليهود فقال: “لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، فمن كان عنده عهد من رسول الله من اليهود فليأتني به أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله من اليهود فليتجهز للجلاء”، فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول الله منهم. وبهذا نستنتج أنه كانت هناك عقود لبعض الأسر اليهودية، وأن عمر الذي أمر بإجلاء أغلب طوائف اليهود من خيبر وفدك لم يتعرض ليهود وادي القرى وتيماء بسوء. ومع ذلك الإجلاء طويت صفحة من العلاقة بين اليهود والعرب سواء كان ذلك قبل أو بعد الإسلام، علاقة تميزت بالتعاون والتآخي والعيش المشترك لقرون عديدة، ويقول عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في توصيف ما انتهت إليه تلك العلاقة:

“ليس من شك في أن الخصومة كانت عنيفة أشد العنف بين الإسلام ويهودية هؤلاء اليهود، في أنها قد استحالت من المتأججة والمجادلة إلى حرب السيف، وانتهت بإجلاء اليهود من البلاد العربية، بالرغم من أن المستعمرات اليهودية قد أثرت تأثيراً قوياً في الحياة العقلية والأدبية لأهل الحجاز”. ويشير المؤرخ اليهودي المصري إسرائيل ولفنسون في كتاب ألفه سنة 1925 بعنوان (تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام) وقدم له عميد الأدب العربي د. طه حسين: “ما من أحد ينظر بإمعان وإنصاف إلى اليهود والأنصار في يثرب دون أن تمتلئ نفسه بالإجلال للفئتين؛ لأن النضال العنيف الذي وقع بينهما قد برهن أن هذا النزاع كان من الأمور المقدرة في حسبان كل من تتبع الحوادث التي وقعت في المدينة بعد أن هاجر إليها الرسول، فقد كانت الضرورة والطبيعة لنجاح مشروعات المسلمين تقتضي حتماً وقوع العراك الشديد بين الطرفين، ومن أجل ذلك فقد تغيرت الحالة تغييراً جوهرياً بعد أن انتهت الخصومة السياسية بين الرسول وبطون يثرب حتى شرع اليهود ينظرون بعين الإكبار والاحترام إلى جيوش المسلمين التي كانت تغمر كالسيل أقطار العالم ونواحيه، وكانت هذه الجيوش قد قضت على سلطة الدولة الرومية في أقاليمها القاصية والدانية، تلك الدولة التي ملأت تاريخها بحوادث الظلم والعسف وإهراق دماء اليهود مدة طويلة من الزمن، وقد كان اليهود في أغلب مدن العراق والشام يخرجون لاستقبال جيوش المسلمين بالحفاوة والتكريم لأنهم كانوا يؤثرونهم على غيرهم إذ يرون فيهم قوماً يؤمنون بإله موسى وإبراهيم”.

وعندما نضع كل ما تمت الإشارة إليه من علاقة بين العرب واليهود في مخبر التحليل التاريخي يمكننا توصيفها بأنها علاقة قلقة شهدت مداً وجزراً في مراحل معينة من التاريخ؛ حيث وجد اليهود في البيئة العربية المناخ المناسب لممارسة نشاطهم الاقتصادي وطقوسهم الدينية واحترام ثقافتهم بوصفهم أتباع ديانة توحيد، لا بل أن اليهود لم يعيشوا حالة “الغيتو” التي عاشوها في أوروبا، ووجدو في بلدان العالم العربي والإسلامي الملاذ الآمن لهم بعد أن تعرضوا للاضطهاد في أوروبا سواء في العصر البيزنطي والإمبراطورية الرومانية فلجأوا إلى بلاد الحجاز ومصر واليمن، وكذلك في إسبانيا عندما لاحقتهم محاكم التفتيش فاندفعوا نحو البلدان العربية والإسلامية ومنها بلاد المغرب العربي وبلاد الشام والعراق ومصر وإسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية، ومارسوا في تلك البلدان حياتهم الطبيعية، ولم تخلق ما سمي مشكلة يهودية في كل تلك البلدان، وإنما ظهرت وولدت في أوروبا الشرقية والغربية، وعاش مئات آلاف اليهود في البلدان العربية ولم يغادروها بشكل كبير إلا بعد قيام الدولة اليهودية على حساب شعب فلسطين تنفيذاً للمشروع الصهيوني الاستعماري الذي ولد أساساً في رحم المطابخ الاستعمارية الغربية وصُدِّر ليكون حلاً لما سمي المشكلة اليهودية التي هي في الأساس مشكلة غربية مع اليهود، تحولت إلى مشكلة فلسطينية واستطالت لتكون بؤرة صراع عربي صهيوني خدمة لأجندة غربية كولونيالية.

وننهي في توصيف العلاقة بين العرب واليهود بما جاء على لسان وزير خارجية إسرائيل في نهاية ستينات القرن الماضي أبا إيبان، وهو أستاذ تاريخ في جامعة حيفا حيث قال: “لقد عاش اليهود عبر تاريخهم عصرية ذهبيين: الأول في البلدان العربية والأندلس، وفي القرن العشرين بالولايات المتحدة الأمريكية”، وهذه شهادة للتاريخ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts