
بقلم: علي ربيعي
ترجمة وتحليل
د. ريم أبو الخير
إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني
جمهورية مصر العربية
في مقال تحليلي لافت تحت عنوان “الإعلام والقضية الوجودية لإيران” المنشور في صحيفة “اعتماد”، يطرح الكاتب والسياسي الإيراني “علي ربيعي” مقاربة نقدية لواقع المشهد الإعلامي في بلاده، محذرًا من الانعكاسات السلبية لهيمنة “الطابع الأمني” على النشاط الصحفي. ويسلط “ربيعي” الضوء على إشكالية جوهرية تتمثل في تقوقع تيار الإعلام الرئيسي داخل إطار “الوظيفة التعزيزية” الموجهة حصرًا لاحتواء وتقوية الجمهور الموالي مسبقًا، متجاهلًا بذلك كتلة مجتمعية حيوية وواسعة يصفها بـ “الشريحة الرمادية”. هذه الـكتلة، التي تقف في المنتصف باحثة عن الاستقرار ولكنها تتطلع في الوقت ذاته إلى إحداث تغييرات متفاوتة، باتت خارج الحسابات الإعلامية، مما ينذر بخطر تعميق الفجوة بين الإعلام والشارع.
نظرًا لأهمية هذه الرؤية النقدية من الداخل الإيراني في فهم أزمة الإعلام وعلاقتها بالبنية المجتمعية وتوجهات الرأي العام، نضع بين أيديكم ترجمة نص هذا المقال:
بناءً على النتائج العلمية المستمدة من البحوث الميدانية وكذلك الحوارات الاجتماعية، فإن الفهم الأول والأهم للمجتمع عن الإصلاحات هو تغيير طريقة الحوكمة الإعلامية، وخاصة سياسات مؤسسة الإذاعة والتلفزيون. بالإضافة إلى أن هذا الأمر سيؤدي إلى زيادة رأس المال الاجتماعي للنظام، أعتقد أن حرية الإعلام وتغيير التوجهات في الإذاعة والتلفزيون سيكون لهما آثار إيجابية في زيادة الثقة والهدوء الداخلي. من أهم الافتراضات لفهم وضع الإعلام اليوم في إيران هو قبول حقيقة أن الأزمة لم تعد حالة مؤقتة وعابرة. نحن نعيش في عالم ترتبط فيه الحياة الاجتماعية والسياسية بمستويات مختلفة من الأزمات. في مثل هذه الظروف، لا يمكن أن يكون تكيف الإعلام مع حالة الأزمة أمرًا مؤقتًا، بل يجب أن يتحول إلى مهارة وقدرة مستدامة في النظام الإعلامي.
يبدو أنه في ظل ظروف إيران، ما زلنا في وضع يتطلب استمرار “صحافة الأزمات”. ولهذا السبب، فإن تطوير المعرفة في هذا المجال، وتعزيز أدبياته النظرية، والحوار حول رسم السياسات الإعلامية في ظروف الأزمات يعد ضرورة ملحة. بدون فهم أنظمة الأزمات وآلياتها، لا يمكن رسم آفاق واضحة للصحافة في مثل هذه الظروف. لقد أدركت أن أهمية الإعلام لم تُفهم بالكامل بعد، لا على مستوى المجتمع ولا حتى بين صناع السياسات، وهناك فهم سطحي وآلي (أدواتي) بحت له. هذا في حين أنه خلال القرن الماضي، تحول الإعلام في جميع المجتمعات، بما يتناسب مع نوع العلاقة بين السلطة والمجتمع، إلى واحد من أهم المؤسسات المؤثرة، وهذه الأهمية تزداد يومًا بعد يوم. كما تختلف وظيفة وسائل الإعلام في الأنظمة السياسية المختلفة؛ ففي بعض الدول القوية والساعية للهيمنة، يمتلك الإعلام وظيفة هجومية وخارجية، وتصبح بعض الدول هدفًا لهذا الهجوم. وفي بعض الأنظمة السياسية، لا يُعتبر الإعلام مفهومًا يعزز التماسك، بل أداة لسياسات داخلية محدودة. وتواجه إيران تحديات في كلا المجالين الأخيرين.
- الحروب انتقلت إلى ميدان العقول: في العصر الحديث، يحظى دور وسائل الإعلام في الحروب بمكانة خاصة. أصبحت هذه الأدوات تلعب دورًا حاسمًا في العصر الحالي. يتشكل الرأي العام اليوم إلى حد كبير من خلال نظام الاتصالات الاجتماعية؛ وهو نظام يعتمد جزء كبير منه على وسائل الإعلام، وخاصة وسائل الإعلام الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي. في مثل هذه الظروف، أصبحت العمليات النفسية أحد المكونات الرئيسية للحروب وارتبطت ارتباطًا مباشرًا بأداء وسائل الإعلام. كما شهدت طبيعة الحروب في السنوات الأخيرة تغييرًا في النماذج (البارادايم). فإذا كانت الحروب في الماضي تعتمد أساسًا على القوات البرية ثم القدرات الجوية والبحرية، فإن المعلومات والذكاء والعمليات النفسية تلعب اليوم دورًا أكثر حسمًا. هذا لا يعني التخلي عن الأنماط الكلاسيكية للحرب، بل يوضح أن وزن المكونات المعلوماتية والنفسية قد زاد بشكل كبير. في مثل هذه الحالة، يصبح المجتمع نفسه أحد ميادين الحرب الرئيسية.
- الإعلام والقضية الوجودية لإيران: في العقد الأخير، ارتبطت مسألة الإعلام في إيران بشدة بالقضية الوجودية للبلاد. إن استهداف أعداء البلاد لروح ونفسية المجتمع الإيراني، إلى جانب بعض أوجه القصور الداخلية مثل تجاهل دور الإعلام وضعف التخطيط، قد عمّق هذا الارتباط. في مجال الدفاع عن السلامة الإقليمية، قدم النظام السياسي بعد الثورة أداءً ملحوظًا ورائعًا، ولكن في مجال إعادة التمثيل وخلق إدراك جماعي مقاوم لهذه الإنجازات، لم يتم تحقيق النجاح المطلوب. بعبارة أوضح، لم ننجح في الدفاع عن “السلامة الذهنية للإيرانيين”.
- غياب السياسة الإعلامية الحقيقية: أحد أسباب هذا الوضع هو التخبط في السياسات الإعلامية، بل وغياب السياسة الإعلامية بمعناها الحقيقي. ما يُطرح أحيانًا كسياسة إعلامية، يشبه في الواقع التعليمات والتعاميم أكثر من كونه إطارًا استراتيجيًا. في الحقيقة، نحن نواجه في مجال الإعلام لوائح وقيودًا أكثر من مواجهتنا لسياسة إعلامية. بينما تحتاج البلاد إلى سياسة إعلامية تجعل من الإعلام عنصرًا صانعًا للمقاومة في ظروف الحرب، وبشكل عام محفزًا للذهنية وللاتصالات التنموية والموحدة للمجتمع. من واجب المؤسسات العلمية الانخراط في إنتاج الأدبيات والتنظير في مجالات مثل صحافة الحرب، وصحافة التنمية، والهوية الوطنية، وصحافة الأزمات، وصحافة السلام، وغيرها… وحتى مفهوم “السلامة الذهنية للإيرانيين”.
- قضية الشريحة الرمادية المهملة: من التحديات المهمة الأخرى هو نموذج إنتاج المحتوى والتوزيع الإعلامي في البلاد. لقد ركز التيار الإعلامي الرئيسي في إيران بشكل أساسي على الوظيفة التعزيزية لفكر معين؛ أي الحفاظ على الجمهور الموالي مسبقًا وتقويته. هذه الوظيفة ضرورية، لكن الخطر بدأ عندما توقف تيار الإعلام الرئيسي عند هذه الوظيفة. خارج هذا النطاق، يوجد جزء مهم من المجتمع يمكن تسميته بـ “التيار الرمادي”؛ وهم الأشخاص الذين لا يندرجون في المجموعة الأولى ولا يعارضون تمامًا، بل يميلون للاستقرار ويرغبون في تغييرات متفاوتة. يلعب هذا الجزء من المجتمع دورًا حاسمًا في تشكيل الرأي العام. إذا لم يحظَ هذا الفريق بالاهتمام، فسيتم عمليًا فقدان جزء مهم من ميدان تأثير الإعلام. تمتلك وسائل الإعلام عمومًا ثلاث وظائف رئيسية: تعزيزية، وتبريرية، وهجومية.
- إعلام ذو طابع أمني أم صانع للأمن: إحدى القضايا المهمة في إيران هي إضفاء الطابع الأمني على ساحة النشاط الإعلامي. في هذا السياق، من الضروري إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه. الأمن مفهوم ذهني، نسبي، واسع، بل وحتى فضفاض؛ إذ يمكن وضع أي شيء تحت مظلة الأمن. يجب تحديد لمن يُعرّف الأمن وفي أي مستوى، وما هي علاقته بأمن المجتمع. تظهر الدراسات أننا غفلنا عن القدرة الصانعة للأمن التي يمتلكها الإعلام باسم “الأمن”، وأن منع سماع الأصوات التعددية والمتنوعة والناقدة قلل من الثقة الداخلية ومهد الطريق لهجرة المرجعية الإعلامية إلى الخارج. في بعض الرؤى، لا يُنظر إلى الإعلام كعنصر قوة، بل كمصدر إزعاج. مثل هذه النظرة تمنع تشكيل سياسة شاملة في مجال الإعلام والاستفادة من قدراته في تعزيز القوة الوطنية والأمن. في اللحظات الحاسمة مثل الحروب والأزمات – كهذه الأيام – تبرز الحسرة على غياب وسائل إعلام مؤثرة ذات أصوات داخلية.
- الصحافة بين المجتمع والسلطة: فن الصحافة في ظروف اليوم يكمن في القدرة على إحداث توازن بين رؤى السلطة، وفهم المجتمع، ومتطلبات الحرب. لا يمكن للصحفي أن ينظر إلى الموضوع من زاوية واحدة فقط، بل يجب عليه في نفس الوقت أن يأخذ في الاعتبار التطورات الاجتماعية، ومطالب الناس، والتهديدات القائمة. المجتمع الإيراني مجتمع تعددي؛ جزء منه يريد تغييرات ضمن الإطار الحالي، وجزء آخر يطالب بتغييرات جذرية. في مثل هذه الظروف، يجب أن تكون الصحافة قادرة على لعب دور الوسيط والمستنير وفاتح الآفاق بين هذا الواقع الاجتماعي ومتطلبات التهديدات الخارجية.
- الإعلام بمثابة الدفاع الذهني للمجتمع: اعتمدت الحروب الأخيرة إلى حد كبير على العمليات النفسية، وفي هذا السياق بُذلت جهود لخلق نوع من القطيعة الذهنية بين إيران ومجتمعها ومؤسساتها؛ وكأن إيران قد انفصلت عن شعبها ومكوناتها الحقيقية. في مواجهة هذا الوضع، يجب أن تكون الصحافة قادرة على إصلاح هذه القطيعة الذهنية وتقديم صورة أكثر واقعية عن المجتمع. في السنوات الماضية، خرجت مرجعية الأخبار والروايات تدريجيًا من وسائل الإعلام الداخلية، وتمكن الفاعلون الخارجيون من لعب دور أكبر في تشكيل الذهنية العامة. في مثل هذه الظروف، قضية الصحافة ليست مجرد أداء الواجبات المهنية المعتادة، بل يواجه الإعلام مسؤولية أوسع تجاه مستقبل إيران والوحدة الوطنية. يجب أن يعمل النظام الإعلامي بمثابة “دفاع ذهني” للمجتمع ويدافع عن عقلية الإيرانيين ضد الروايات المدمرة. بالطبع، هذا لا يعني غض الطرف عن نقد السياسات الداخلية، بل هو تحدٍ لإيجاد توازن بين الحفاظ على الدور النقدي للإعلام وتعزيز التماسك الذهني للمجتمع.
- فهم تعقيدات الأحداث الاجتماعية: سيكون الدفاع عن عقلية الإيرانيين مقنعًا عندما يتم الحفاظ على إمكانية النقد الداخلي. إن إدارة الرأي العام تعود في النهاية إلى كيف يمكن للإعلام أن يجد مساره التحليلي وسط الخطابات المتعددة. في تحليل أحداث شهر “دي” (ديسمبر/ يناير) من العام الماضي، واجهنا واقعًا معقدًا. من خلال النظر إلى الروايات، أمكن إدراك أن الروايات السائدة في بعض وسائل الإعلام المعروفة لم تمثل جميع أبعاد الحادثة. في بعض الروايات، رُبطت كل أحداث شهر “دي” بنهاية القصة (التدخل الأجنبي) وتم تجاهل العوامل المسببة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. وركز البعض الآخر أكثر على سياسات وأداء الحكومة، في حين أنه من أجل الفهم الصحيح لهذه الحادثة، إلى جانب العوامل السببية والسياسات الجارية، لا يمكن تجاهل الأدوار التخريبية والدعوات الدموية، أو رؤية هذه النقطة فقط. في هذا المقال، لا أقصد بعض أشباه وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية المرتزقة (موقفهم واضح)، بل أقصد صناعة الروايات داخل الحدود الوطنية. إن فهم الواقع الاجتماعي يتطلب رؤية السياقات والتداعيات والطبقات الاجتماعية والسياسية المختلفة في نفس الوقت. إحدى الأضرار الجسيمة لفضائنا الإعلامي والتحليلي هي استبدال الحوار التحليلي بإلصاق التهم. إن الاهتمام بالإعلام في الأزمات، والسياسات الإعلامية، ودور الإعلام في صنع الأمن، وفن الصحافة في الوسط بين المجتمع والسلطة والهجوم الخارجي، وضرورة الحفاظ على ذهنية المجتمع، هي قضايا نحتاج إلى معالجتها برؤية إصلاحية أكثر من أي وقت مضى.
لينك المقال الأصلي:
https://www.etemadonline.com/%D8%A8%D8%AE%D8%B4-%D8%B3%DB%8C%D8%A7%D8%B3%DB%8C-9/772774-%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%87-%D8%AE%D8%A7%DA%A9%D8%B3%D8%AA%D8%B1%DB%8C-%D8%A7%D9%85%D9%86%DB%8C%D8%AA%DB%8C


