إعداد
فايزة أحمد حسن مزمل
باحثة دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية
كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
جمهورية مصر العربية
المستخلص
تسعى هذه الدراسة إلى تحليل التحولات التي يشهدها النظام السياسي الأمريكي خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي صنّفتها مجموعة “أوراسيا” ضمن أبرز المخاطر الجيوسياسية لعام 2026. وتستند الدراسة إلى بياناتٍ صادرةٍ عن مركز “بيو للأبحاث”، وتقارير “مشروع V-“Dem و”منظمة فريدم هاوس”، لتحليل جذور هذه التحولات، وفي مقدمتها التراجع في مستويات الثقة بالمؤسسات، إلى جانب صعود التيارات الشعبوية.
كما تستعرض الدراسة الآليات التي تؤطر هذه التحولات وتداعياتها الداخلية، ولاسيما تراجع الديمقراطية الليبرالية، وتصاعد مظاهر العنف السياسي. وتمتد لتشمل التداعيات الخارجية، حيث تُسهم هذه التحولات في إعادة تشكيل أنماط التحالفات الدولية، وتدفع الدول إلى تبني استراتيجيات تحوّط أكثر حذرًا.
وتخلص الدراسة إلى أنَّ النظام السياسي الأمريكي بصدد مرحلة تحولٍ تدريجيٍ طويل المدى، تجمع بين تعزيز مركزية السلطة الرئاسية واستمرار الضوابط المؤسسية بدرجةٍ محدودةٍ، مع ترجيح سيناريو التكيّف الهجين بوصفه المسار الأكثر احتمالًا على المدى الطويل.
الكلمات المفتاحية: النظام السياسي الأمريكي، الشعبوية، الديمقراطية الليبرالية،” أمريكا أولًا“
Abstract:
This study seeks to analyze the structural transformations shaping the American political system during the second term of President Donald Trump, which the Eurasia Group has classified among the most significant geopolitical risks of 2026. The study draws on data from the Pew Research Center, as well as reports from the Varieties of Democracy (V-Dem) Project and Freedom House, to examine the underlying drivers of these transformations, most notably the prolonged decline in institutional trust and the rise of populist movements.
The study further explores the primary mechanisms underpinning these transformations and assesses their domestic implications, particularly the erosion of key pillars of liberal democracy and the escalation of political violence. It also addresses the external ramifications, highlighting how these developments contribute to the reconfiguration of international alliances and encourage states to adopt more cautious hedging strategies in an increasingly uncertain global environment.
The study concludes that the American political system is undergoing a long-term, gradual transformation characterized by a “hybrid” trajectory that combines an increasing concentration of power in the presidency with the continued, albeit limited, functioning of institutional checks and balances. In this context, the study identifies the “hybrid adaptation” scenario as the most plausible outcome in the medium term, given the ongoing tension between electoral legitimacy and institutional constraint.
Keywords:
American political system, populism, liberal democracy, executive presidency, institutional transformation, “America First.”
مقدمة
لم تعُد الأزمة السياسيَّة الأمريكيَّة تُمثل حالة استقطابٍ حزبيٍّ عابرٍ فحسب، بل غدت مظهرًا لتحولٍ بُنيويٍ يَطال بنية العلاقة بين السلطة التنفيذية ومؤسسات الدولة، في ظلِّ تصاعد النزعات الشعبوية وإعادة صياغة مفهوم الشرعية السياسية.
وفي هذا الإطار، صنفت مجموعة أوراسيا (Eurasia Group) الثورة السياسيَّة الأمريكية بوصفها الخطر الجيوسياسي الأول لعام 2026، محذرةً من أنَّ محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (Donald Trump) زيادة سُلطاته وإعادة تشكيل أجهزة الدولة قد تُفضي إلى تحولٍ بنيويٍّ في النظام السياسي الأمريكي[1]. وتكمن خُطورة هذا التَّحول في أنَّه لا يرتبط مُباشرةً بظاهرة ” الرئاسة الإمبراطورية”، بل يعكس اختلالاً في طبيعة العلاقة بين السُّلطة التنفيذيَّة ومؤسسات الدولة. كما يمتد تأثيره إلى توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، مع تصاعد التدخلات الخارجية وما يصاحبها من آثارٍ ملموسةٍ على الأوضاع الاقتصادية العالمية.
ويُثير هذا التحوّل جدلاً سياسيًا واسعًا؛ فبينما يراه البعض تهديدًا مباشرًا للديمقراطية الليبرالية ولمبدأ الفصل بين السلطات، يراه آخرون محاولةً ضرورية لاستعادة التمثيل الشعبي وإعادة هيكلة الجهاز البيروقراطي.
وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل جذور هذا التحوّل، واستكشاف آلياته وتداعياته على المستويين الداخلي والخارجي، فضلًا عن استشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة. وتكمن أهميتها في أنها تأتي في سياق ٍتشهد فيه الولايات المتحدة تراجعًا تدريجيًا من نموذج “الديمقراطية المؤسسية التقليدية” إلى نمط حكم أكثر تمركزًا حول القيادة الفردية.
وتجادلُ هذه الدراسة بأنَّ الولايات المتحدة الأمريكية تشهد تحولاً تدريجيًا من نموذج الديمقراطيَّة المؤسسيَّة التقليديَّة إلى نمط حكمٍ أكثر تمركزًا حول القيادة الفرديَّة، بما ينعكس على استقرار النظام السياسي الأمريكي ودور واشنطن في النَّسق الدولي. ومن ثم تناقش هذه الدراسة جذور هذا التحول، وآلياته المؤسسية، وتداعياته في الداخل والخارج، واستشراف السيناريوهات المستقبلية المرتبطة بها.
مشكلة الدراسة
يُثير التحول الراهن في النظام السياسي الأمريكي إشكاليةً رئيسيةً تتجاوز حدود التكيف المؤسسي التقليدي لتقترب مما يمكن توصيفه بـ “ثورةٍ سياسية”، فعلى الرغم من استمرار الأُطر الديمقراطيَّة الرسمية، تشهد الولايات المتحدة تغييراتٍ في أنماط توزيع السلطة، فضلاً عن صعود التيارات الشعبوية، وتزايد الاستقطاب الحزبي، ومن ثمَّ تتمثل المشكلة الرئيسية للدراسة في التالي: إلى أي مدى تعكس التحولات الراهنة في النظام السياسي الأمريكي ما يمكن وصفه “بثورة سياسية” في بنيته المؤسسية؟
ويندرج عن هذا التساؤل عدد من التساؤلات الفرعية وذلك على النحو التالي:
- ما مفهوم الثورة السياسية؟
- ما الآليات المؤسسية والاقتصادية والسياسية التي تقود التحول في النظام السياسي الأمريكي؟
- كيف ينعكس التحول في النظام السياسي الأمريكي على توازن السلطات داخل الولايات المتحدة؟
- ما التداعيات الداخلية والخارجية للتحول في النظام السياسي الأمريكي؟
أهمية الدراسة
تكتسب هذه الدراسة أهميتها من تناولها لتحولٍ معاصر في النظام السياسي الأمريكي في ظلِّ مرحلةٍ تشهد تغيرات متسارعة على المستويين السوسيولوجي والجيوسياسي. كما تنبع أهميتها من ارتباط هذه التحولات بسياقٍ أوسع يتعلق بإعادة تشكيل أنماط الهيمنة السياسية؛ سواء على المستوى الداخلي عبر إعادة توزيع السلطة داخل المؤسسات، أو على المستوى الخارجي عبر تنامي ظاهرة التدخل الأمريكي في الشؤون الدولية، وما يترتب عليها من انعكاساتٍ مباشرةٍ على الأوضاع الاقتصادية في الدول المستهدفة، فضلًا عن تأثيراتها الممتدة على بنية الاقتصاد العالمي.
وتأتي هذه الدراسة في سياق تشهد فيه حالات مثل فنزويلا وإيران والقضية الفلسطينية أنماطًا متباينة من التدخل الأمريكي، الأمر الذي يبرز الحاجة إلى تحليل هذا الدور واستكشاف آثاره على كلٍ من الاستقرار الاقتصادي والسياسي في هذه المناطق.
هدف الدراسة
تستهدف الدراسة الإجابة عن جملةٍ من التساؤلات الرئيسية والفرعية التي تتضمنها المشكلة البحثية، ومن ثم التعرف على مفهوم الثورة السياسية، وطبيعة التحولات التي يشهدها النظام السياسي الأمريكي، والآليات المؤسسية والاقتصادية والسياسية التي تقود هذا التحول، بالإضافة إلى تحليل انعكاسات هذا التحول على توازن السلطات داخل الولايات المتحدة، فضلاً عن استكشاف تداعيات هذا التحول على المستويين الداخلي والخارجي.
منهج الدراسة
تعتمد الدراسة على كلٍ من المنهج المؤسسي لأنه يُفسر التحولات البنيوية التي تطال بنية مؤسسات النظام السياسي الأمريكي، والمنهج المقارن الذي يُستخدم لإجراء مقارنةٍ بين فتراتٍ زمنيةٍ مختلفة، ولاسيما إدارة الرئيس دونالد ترامب والإدارات السابقة بهدف رصد مظاهر الاستمرار والتغير في توزان السلطات داخل النظام السياسي الأمريكي.
تقسيم الدراسة
تنقسم الدراسة إلى مقدمةٍ وأربعة محاور رئيسية وخاتمة، وذلك على النحو التالي:
أولاً: مفهوم الثورة السياسية
ثانيًا: جذور التحول في طبيعة النظام السياسي الأمريكي
ثالثًا: آليات التحول في النظام السياسي الأمريكي
رابعًا: تداعيات التحول في النظام السياسي الأمريكي
خاتمة تتضمن أبرز ما توصلت إليه الدراسة من نتائج
أولاً: مفهوم الثورة السياسية
تعرف الثورة بأنها تحولٌ جذريٌ وعميق في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي مختلف مؤسسات الدولة. أما التحولات الكُبرى التي لا تؤدي إلى إسقاط نظامٍ قائمٍ، فلا يُطلق عليها وصف “ثورة”، بل تُصنف ضمن مظاهر التطور أو التغير التدريجي [2].
وقد شهدت الثورات السياسية تطورًا كبيرًا عبر التاريخ؛ إذ لم تعد تقتصر على الانتفاضات المسلحة أو الصراعات الطبقية التقليدية، بل أصبحت تتخذ أشكالًا متعددة ترتبط بالتغيرات الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية. فقديمًا كانت الثورات تنشأ غالبًا بهدف إسقاط الأنظمة الملكية أو التحرر من الاستعمار وتحقيق العدالة الاجتماعية، كما تجسد ذلك في الثورة الفرنسية والثورة الروسية.
ومع تطور المجتمعات خلال القرن العشرين، تغيَّر فهم الباحثين لطبيعة الثورات السياسية؛ فظهرت نظريات جديدة تفسرها بوصفها نتاجًا للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وضعف مؤسسات الدولة وفشل الأنظمة السياسية في تحقيق مطالب الشعوب.
ثم ظهر الاتجاه البنيوي الذي ركَّز على دور الطبقات الاجتماعية، وعلاقة الدولة بالمجتمع في تفسير اندلاع الثورات. وخلال هذه المرحلة، أصبحت الثورة تُدرس بوصفها عمليةٍ اجتماعية وسياسية معقدة، تتداخل فيها عوامل متعددة مثل الفقر والبطالة والقمع السياسي وعدم المساواة.
أما في العقود الأخيرة، فقد ظهرت أنماطً جديدة من الثورات السياسية عُرفت بـ “ثورات الجيل الرابع”، التي تأثرت بالحركات الاجتماعية ووسائل الإعلام الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي. وتميزت هذه الثورات بالاعتماد على الحشد الجماهيري والاحتجاجات السلمية بدلًا من العمل المسلح، كما برز ذلك في الثورات الملونة في أوروبا الشرقية وثورات الربيع العربي. وقد ساعدت التكنولوجيا الحديثة في سرعة انتشار الأفكار وتنظيم الاحتجاجات وتعبئة الجماهير، مما جعل الثورات المعاصرة أكثر قدرة على التأثير والانتشار السريع، لكنها في الوقت نفسه واجهت تحدياتٍ كبيرة تتعلق بتحقيق الاستقرار السياسي بعد نجاحها.[3]
ويختلف مفهوم الثورة عن المفاهيم المرتبطة به، إذ تعد حركةً داخلية تهدف إلى رفض وضعٍ قائم وتسعى إلى تغييره وإقامة نظام جديد يحقق العدالة والحرية وقد يصاحبها استخدام العنف كوسيلةٍ للتغيير[4] .
كما تتميز الثورة عن الانقلاب العسكري في أنها تحظى بتأييدٍ شعبيٍ واسع. وتتضمن التزامًا بإحداث تغييراتٍ جذرية في بنية السلطة وأهدافها وآليات عملها.
كذلك تختلف الثورة عن التمرد الذي يسعى غالبًا إلى تغيير قادة أو سياسات محددة، دون المساس بالبنية الأساسية للنظام الإبقاء على النظام.[5] كما تختلف عن التحول في النظام السياسي الذي يحدث تدريجيًا وبسرعاتٍ متفاوتة[6] .
ثانيًا: جُذور التَّحول في النِّظام السياسيِّ الأمريكيِّ
تعود جُذور التَّحول في النِّظام السياسيِّ الأمريكيِّ إلى بُروز مجموعةٍ من المتغيرات الاجتماعية والمؤسسية والاقتصادية، التي أدَّت إلى تراجع الثقة العامة في المُؤسسات الرسميَّة التقليديَّة، وصُعود أنماط حكمٍ بديلةٍ تميل إلى التمركز حول القيادة الفردية. وتشير بيانات مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) إلى أنَّ الثقة العامة في الحكومة الفيدرالية الأمريكية شهدت تراجعًا طويل الأمد عبر العقود السابقة، إذ انخفضت من نحو 73% عام 1958 إلى حوالي 17% فقط في 2025.[7] وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ هذا التراجع في الثقة لا يعد ظاهرةً مستحدثة، بل تعود جذوره التاريخية إلى ستينيات القرن العشرين.
ولا يقتصر هذا التراجع على مُؤسسة الحكومة فحسب، بل يمتدُّ ليشمل الكونغرس الذي لا يزال نحو 70% من الأمريكيين ينظرون إليه نظرةً سلبيةً. فضلاً عن مؤسساتٍ أُخرى مثل المحكمة العليا وقطاع التعليم، حيث برز انخفاض ملموس في تقييم الأمريكيين للدور الإيجابي للعلم في المجتمع، ولاسيما في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19.[8]
ويرجع بعض الباحثين أزمة تراجع الثقة إلى مجموعةٍ من العوامل من بينها تآكل كفاءة الأداء المُؤسسي، إذ أظهرت المؤسسات محدوديةً في الاستجابة لأزماتٍ كُبرى، مثل الأزمة الماليَّة لعام 2008، وصُعود الشعبوية، وتداعيات جائحة كوفيد-19، فضلًا عن تصاعد التنافس بين القُوى الكُبرى، لاسيما بين الولايات المتحدة والصين، والحرب الروسيَّة الأوكرانيَّة، والتوترات في الشرق الأوسط بعد أحداث 7 أكتوبر 2025، والحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران 2026.
وفي هذا السياق، يُشير مقياس إيدلمان للثقة (Edelman Trust Barometer) لعام 2025 إلى تنامي ما يعرف بـ “عصر المظالم”، حيث يتزايد الشعور بعدم العدالة داخل النُّظم السياسية والاقتصادية، بما يعكس تآكلًا في مستويات الثقة المؤسسية. ولم تعد الثقة تُقاس بمدى كفاءة الأداء فحسب، بل باتت ترتبط بمدى مصداقية المُؤسسات واستعدادها للاعتراف بالأخطاء وتحمل المسؤولية. فالمؤسسات التي تتأخر في الإقرار بإخفاقاتها تواجه تراجعًا إضافيًا في مصداقيتها، إذ يسهم غياب الشفافية في تعميق الفجوة بينها وبين الجمهور.[9]
كما تبرز الدراسة الصادرة عن لجنة نايت للثقة ووسائل الإعلام والديمقراطية بالتعاون مع معهد أسبن، إلى أن أزمة الثقة في المؤسسات الديمقراطية الأمريكية لم تعد مقتصرةً على الأداء الحكومي فحسب، بل تعكس اختلالًا أعمق في البنية السياسية والمعرفية للمجتمع الأمريكي. ووفقًا لهذه الدراسة، يشهد النظام الديمقراطي تراجعًا مُستمرًا في مُستويات الثقة بالمؤسسات السياسية والإعلامية، بالتوازي مع تصاعد الاستقطاب السياسي، واتساع فجوات عدم المساواة، وتراجع الحراك الاجتماعي، بما يُضعف الأساس الذي يقوم عليه النِّظام الديمقراطيِّ[10].
وفي المقابل، يُجادل مؤيدو الرئيس ترامب بأنَّ تراجع الثقة في المؤسسات السياسية يعود إلى اتساع الفجوة بين النخب السياسية والإعلامية من جهة، والمواطن من جهةٍ أخرى؛ الأمر الذي أسهم في صعود التيارات الشعبوية بوصفها استجابةً سريعةً لفشل المؤسسات البيروقراطية في تمثيل الإرادة الشعبية، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أنَّ مستويات الثقة في الحكومة تتأثر بالانتماء الحزبي، إذ ترتفع معدلات الثقة عند سيطرة الجمهوريين على الحكم، في حين تنخفض عند تولي الديمقراطيين.

Source: Pew Research Center, Public Trust in Government: 1958–2025, 4 December 2025.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إنَّ التَّحول الراهن في طبيعة النظام السياسيِّ الأمريكيِّ؛ تشكَّل عبر تفاعلٍ مُركبٍ بين صعود الشعبويَّة وتآكل المؤسسيَّة، مما أدَّى إلى إعادة تعريف مصادر الشرعيَّة السياسية خارج الأُطر التقليدية. وفي هذا السِّياق، ساهم الاستقطاب السياسي في تعميق الانقسام المُجتمعي والحزبي، في حين أدَّى توسع صلاحيات الرئاسة فيما يمكن وصفه بتجاوز السلطة التنفيذية (Executive Overreach) إلى إعادة تشكيل التوازنات داخل النِّظام السياسيِّ، بما يُضعف آليات الضبط المُؤسسي التقليديَّة.
ثانيًا: آليات التحول في النِّظام السياسيِّ الأمريكيِّ
لم ينحصر التَّحول في النِّظام السياسيُّ الأمريكي في تصاعُد الاستقطاب الحزبيِّ، أو تزايد الخطابات الشعبويَّة، بل امتدَّ تدريجيًا إلى بُنية المُؤسسات التنفيذيَّة ذاتها، بما أعاد تشكيل العلاقة بين السُّلطة التنفيذيَّة ومؤسسة الرئاسة الأمريكيَّة. وفي ضوء ذلك، برز اتجاهٌ مُتزايد ٌنحو توسيع صلاحيات الرئاسة، على حساب المُؤسسات البيروقراطيَّة التي شكلت تاريخيًا أحد أبرز مرتكزات النِّظام السياسيِّ الأمريكيِّ.
ويُشير هذا التَّحول إلى انتقالٍ تدريجيٍّ من نموذج “الرئاسة المؤسسية” الذي يقومُ على التَّوازنِ والمُشاركة داخل أجهزة الحُكم إلى نمطٍ أقرب إلى “الرئاسة الشخصية”، حيث تتركز عملية صنع في شخص الرئيسِ ذاته، وتتراجع الأدوار التقليديَّة للمُؤسساتِ البيروقراطيَّة. وانطلاقًا من هذا التحول في طبيعة السلطة التنفيذية، تظهر الحاجة إلى التعرف على الآليات التي أسهمت في ترسيخه داخل بُنية النِّظام السياسيِّ الأمريكيِّ.
1-إعادة تموضع السلطة التنفيذية في النِّظام السياسي الأمريكي
لم يعُد منصب الرئاسة في النظامِ السياسيِّ الأمريكيِّ مُقيدًا ضمن الحدود التقليديَّة التي وضعها الدستور، بل شهد تحولًا تدريجيًا أفضى إلى إعادة تموضعه داخل الجهاز التنفيذي. ويُشير هذا التحول إلى إعادة تشكيل توازنات السلطة على نحوٍ يُعزز من هيمنة مؤسسة الرئاسة على عملية صنع القرار.
ويُفسر هذا التَّحول في ضوء ما يُعرف بـنظرية السلطة التنفيذيَّة المُوحدة (Unitary Executive Theory)، التي تفترض أنَّ الرئيس يمتلك سلطةً مُباشرةً على كامل الجهاز التنفيذي. مما أدَّى إلى إعادة ترتيب العلاقة داخل السلطة التنفيذيَّة نفسها، عبر تقليص دور المُؤسسات البيروقراطيَّة لصالح مركزية القرار الرئاسيِّ.[11]
ويتجلى هذا التَّحول لإعادة تشكيل الجهاز الإداري عبر إعادة تصنيف الموظفين الفيدراليين ضمن إطارٍ يُتيح خضوعهم المُباشر للسلطة الرئاسية، كما في نظام (Schedule F)، وما يرتبط به من إمكانية تقليص أعدادهم إلى نحو خمسين ألف موظف. [12]
بالإضافة إلى زيادة استخدام الأوامر التنفيذية كأداةٍ أساسيةٍ في مُمارسة الحُكم، حيث أصدر الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية نحو 225 أمرًا تنفيذيًا، ليرتفع إجمالي قراراته إلى حوالي 259 قرارًا بحلول مارس 2026، بما يسهم في تقليص دور الكونغرس في عملية صنع القرار، ويعزز من مركزية السلطة داخل الإطار الرئاسي.[13]
ويُجادل أصحاب هذا الرأي بأن مبادرة Schedule F هدفها استعادة سيطرة الرئيس المنتخب على الجهاز التنفيذي، وقد كان هذا الوضع قائمًا قبل صدور قانون الخدمة المدنية لعام 1883. وأنَّ اللجوء إلى الأوامر التنفيذية ليس حكرًا على إدارة بذاتها؛ إذ إن هناك بعض الرؤساء الديمقراطيين مثل باراك أوباما وجو بايدن أصدروا عددًا كبيرًا من الأوامر التنفيذية.
وفي المُجمل، يعكس هذا المسار تحولًا بنيويًا نحو إعادة تشكيل الجهاز الإداري للدولة بما يُعزز قُدرة الرئيس على السيطرة المُباشرة على عملية صنع القرار، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل التوازن التقليدي بين السلطات داخل النظام السياسي الأمريكي.
2- إضفاء الطابع الشخصي على السياسة (Personalization of Politics)
لم يعد تقييم الناخبين قائمًا على الانتماءات الحزبيَّة أو البرامج السياسيَّة فحسب، بل أصبح مرتبطًا بالسمات الشخصية والقدرة الرمزية للقائد على تمثيل “الإرادة الشعبية”، مع تزايد حضورهم في الساحة السياسية مقارنة بالأحزاب والمؤسسات التقليديَّة، وقد ساهمت الثورة الإعلامية والتكنولوجيَّة في تعزيز ذلك.[14]
وفي هذا السياق، يمكن القول إنَّ هذه الظاهرة ليست حكرًا على ترامب، بل ظهرت في قادة شعبويين آخرين مثل بولسونارو وميلوني وأوربان، وهي تعكس تغيرًا في المناخ السياسي الغربي في عصر الثورة الرقمية والتكنولوجية.
وعكس الهجوم على مبنى الكابيتول الأمريكي في 6 يناير 2021 زيادة التماهي بين الشرعيَّة السياسيَّة وشخصية القائد. وبذلك، لم يعد التحول الراهن يقتصر على حالة استقطابٍ حزبيٍ أو أزمةٍ انتخابيَّةٍ عابرةٍ، وهو ما يدعم فرضية أن الأزمة الراهنة تتجاوز التنافس الحزبي التقليدي لتُجسد تحولًا بنيويًا في بنية النظام السياسي الأمريكي.
3- تسييس المؤسسات داخل النظام السياسي الأمريكي (Institutional Politicization)
يُقصد بـ تسييس المُؤسسات تحول المُؤسسات التي يُفترض أن تعمل وفق قواعد مهنيةٍ ومُحايدةٍ إلى أطرافٍ يُنظر إليها بوصفها جُزءًا من الصراع السياسيِّ والحزبيِّ، سواءٌ في قراراتها أو في تقييم الجمهور لها. وبذلك تنتقل المؤسسة من موقع المحايد إلى موقع فاعلٍ مُتنازعٍ عليه داخل الاستقطاب السياسي.[15]
ويرتبط هذا التَّحول بتصاعد الاستقطاب الحزبي. وقد انعكس ذلك على المحكمة العُليا الأمريكيَّة فأصبح يُنظر إليها بوصفها ساحة صراعٍ بين المحافظين والليبراليين، ولاسيما مع القرارات المثيرة للجدل مثل قضايا الإجهاض أو صلاحيات الوكالات الفيدرالية[16].
ولا يقتصر هذا النمط على المُؤسسات التنفيذيَّة فحسب، بل امتد إلى الجامعات ووسائل الإعلام، حيث اتُهمت بالتحيز الأيديولوجي، سواءٌ لصالح الليبرالية أو المحافظة، ما أدَّى إلى تراجع مستويات الثقة بها. [17]
ويدعم هذا التوجّه ما ورد في تقاريرٍ رقابيةٍ حديثةٍ صادرةٍ داخل الكونغرس الأمريكي، إذ أشارت إلى وجود اتهاماتٍ بتسييس عمل كلٍّ من مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة العدل الأمريكية. وتشمل هذه الاتهامات مزاعم تتعلق بوجود انحياز مؤسسي، وإساءة استخدام للسلطة، فضلًا عن توظيف بعض التحقيقات ضمن اعتباراتٍ سياسيَّة[18].
ويعكس تسييس المؤسسات تحولًا بنيويًا داخل النظام السياسي الأمريكي، حيث لم تعد المُؤسسات تعمل كجهاتٍ مُحايدة لضبط الصراع السياسيِّ، بل أضحت جُزءًا من الصراع ذاته، وهو ما يضع ضغوطًا مُتزايدة على قُدرة النِّظام على الحفاظ على توازنه.
4-الصدام مع القضاء
يمثل الصدام المتصاعد بين السلطة التنفيذية والقضاء أحد أبرز مظاهر التحول في بنية النظام السياسي الأمريكي، حيث لم يعد القضاء يُنظر إليه بوصفه سلطة مستقلة تمارس الرقابة الدستورية، بل أصبح طرفًا مباشرًا في مواجهة تتعلق بحدود السلطة الرئاسية نفسها.
وقد برز هذا الاتجاه بوضوح في الجدل المرتبط باستخدام إدارة الرئيس ترامب لقانون الهجرة 1798 لتبرير عمليات ترحيل واسعة، رغم الاعتراضات القضائية والحقوقية. وكشفت هذه القضية عن استعداد متزايد لاختبار حدود السلطة التنفيذية، بل وإثارة تساؤلات حول مدى التزام الإدارة بالأحكام القضائية عندما تتعارض مع أولوياتها السياسية.[19]
وتعكس هذه المواجهات نمطًا أوسع من “الاختبار المؤسسي” لمنظومة الضوابط والتوازنات (Checks and Balances)، حيث تلجأ السلطة التنفيذية إلى قرارات تدفع التفسير القانوني إلى أقصى حدوده، بينما تصبح المحاكم الفيدرالية خط الدفاع الأساسي عن القيود الدستورية المفروضة على الرئاسة. وتشير بعض التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من الأحكام الصادرة عن محاكم المقاطعات الفيدرالية خلال الأشهر الأولى من الإدارة جاءت ضد سياسات تنفيذية، بما يعكس حجم الاحتكاك بين السلطتين.
ولا يقتصر هذا الصدام على خلافٍ قانونيٍ حول ملفاتٍ بعينها، بل يعكس صراعًا أكبر حول مصدر الشرعيَّة السياسيَّة وحدود السلطة داخل الدولة. فبينما تستند الرئاسة إلى التفويض الانتخابي المباشر لتبرير توسيع صلاحياتها، يتمسك القضاء بدوره التقليدي كضامن لاحترام الدستور وسيادة القانون. وكلما اتسعت الفجوة بين هذين المنطقين، ازدادت احتمالات التوتر المؤسسي وارتفعت مخاطر الانزلاق نحو أزمةٍ دستوريةٍ.
وفي هذا الإطار، تُمثل السلطة القضائيَّة الأمريكيَّة أحد أبرز الحواجز المؤسسيَّة أمام تعاظم دور السلطة التنفيذية. غير أن استمرار الضغوط السياسيَّة، والتشكيك في شرعية الأحكام القضائيَّة قد يُفضي تدريجيًا إلى إضعاف مكانة القضاء كمرجعيةٍ مُحايدة، بما يجعل الصدام بين السلطتين مؤشرًا إضافيًا على التَّحول البنيوي الذي يشهده النِّظام السياسيِّ الأمريكيِّ.
ثالثًا: تداعيات التحول في النظام السياسي الأمريكي داخليًا وخارجيًا
أدَّى التَّحول في النظام السياسي الأمريكي من نظامٍ قائمٍ على توازن المؤسسات إلى نظامٍ ذي نزعة مركزية حول الرئيس إلى تداعيات عميقة على المستويين الداخلي والخارجي. وفيما يلي عرض لأبرز هذه التداعيات:
أ-تداعيات التحول في النظام السياسي على المستوى الداخلي:
ترتبط التداعيات الداخلية للتحول في النظام السياسي الأمريكي مباشرة بمدى قدرته على الحفاظ على مبادئه الدستورية وفي مقدمتها مبدأ الفصل بين السلطات، وإعادة تعريف حدود المؤسسات التنفيذية والتشريعية ودرجة استقلاليتهم وقدرتهم على أداء وظائفهم.
1-تآكل مبدأ الفصل بين السلطات:
يمثل تآكل مبدأ الفصل بين السلطات من أهم التداعيات المؤسسية للتحول في النظام السياسي الأمريكي. وفي هذا السياق، تشير دراسة صادرة عن مؤسسة كارينغي للسلام الدولي إلى أن ما تشهده الولايات المتحدة من تحولِ في طبيعة النظام السياسي يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ التضخم التنفيذي (Executive Aggrandizement)، أي الزيادة التدريجية في سلطة الرئيس عبر إضعاف القيود المؤسسية المفروضة عليها. وقد تجسد ذلك من خلال إحكام السيطرة على الجهاز التنفيذي من الداخل، وتقويض مؤسسات المساءلة، والضغط على المؤسسات المجتمعية القادرة على الحد من سلطة الرئيس.[20]
وفيما يتعلق بتراجع الدور الرقابي للكونغرس تجسد ذلك في تجاوزات السلطة التشريعية ومن بينها توقيع ترامب في يناير2017 بتعليق برنامج قبول اللاجئين في الولايات المتحدة[21]. ومع استمرار الاستقطاب الحزبي وتراجع الدور التقليدي للكونغرس، باتت المؤسسة التشريعية أقل قدرة على ممارسة دورها التقليدي في مساءلة السلطة التنفيذية والحد من توسعها. وامتد هذا التآكل ليشمل العلاقة مع السلطة القضائية، حيث اتبعت إدارة ترامب استراتيجية تقوم على نزع الشرعية عن الأحكام القضائية، ومهاجمة القضاة الذين يعارضون سياساتها، والالتفاف على بعض القرارات القضائية أو تأخير تنفيذها فقد هاجم ترامب عددًا من قضاة المحكمة العليا عقب صدور أحكام ضد سياساته فيما يتعلق بالتعريفة الجمركية[22].ولا تكمن خطورة هذه التحولات في اتساع صلاحيات الرئيس فحسب، بل في إعادة تشكيل العلاقة بين السلطات الثلاث على نحو يجعل الرئاسة مركز الثقل الفعلي للنظام السياسي. ويؤدي هذا التحول إلى تقليص فعالية آليات الضبط المؤسسي، وإضعاف قدرة الكونغرس والقضاء على ممارسة وظائفهما الرقابية، بما يهدد أحد أهم المبادئ المؤسسة للجمهورية الأمريكية، وهو منع تركّز السلطة في يد مؤسسة واحدة.
وفي المقابل، يجادلُ البعض أن جانبًا من التحولات الراهنة التي يشهدها النظام السياسي الأمريكي تُمثل محاولةً لإعادة التوازن بين السلطة التنفيذية وبين البيروقراطية غير المنتخبة.
2-تراجع الديمقراطية:
لم يعد تعاظم دور الرئيس في النظام السياسي الأمريكي تحولاً وظيفيًا في آليات الحكم فحسب، بل أصبح عاملاً جوهريًا في تقويض الأسس الليبراليَّة للنِّظام السياسيِّ الأمريكيِّ.
ففي تقرير الديمقراطية لعام 2026 الصادر عن معهد(V-Dem) بجامعة غوتنبرغ، سجلت الولايات المتحدة أسرع وتيرة تراجع ديمقراطي بين الديمقراطيات الحديثة، حيث انخفض مؤشر الديمقراطية الليبراليَّة بنسبة 24% خلال عام واحد فقط، وتراجعت مرتبتها العالمية من المركز العشرين إلى الحادي والخمسين من بين 179 دولة. [23]
ويكشف هذا التطور أنَّ توسع السلطة التنفيذيَّة لم يعد استجابةً لضرورات الحكم في بيئة دولية فوضوية، بل تحول إلى نمطٍ مؤسسيٍ يُعيد توزيع السلطة داخل النظام السياسي لصالح مؤسسة الرئاسة على حساب الكونغرس والقضاء والهيئات الرقابية المستقلة. ونتيجة لذلك، تتآكل الحدود الفاصلة بين السلطات، وتتراجع قدرة المؤسسات على مساءلة السلطة التنفيذية، بما يضعف النظام الديمقراطي الأمريكي ويزيد من احتمالات الانزلاق نحو أنماط حكم أقل خضوعاً للقيود الدستورية.
3-التأثير على الحقوق والحريات
أدَّى التحول في النظام السياسيِّ الأمريكيِّ إلى انعكاساتٍ مُباشرةٍ على الحقوقِ والحريّاتِ المدنيّةِ؛ إذ ارتبط اتساع سلطات مؤسسة الرئاسة بتراجع قدرة المؤسساتِ الدستوريَّة على ضمان سيادة القانون وحماية حريَّةِ التعبير، واستقلال الإعلام.
وأظهر تقرير معهد (V-Dem) بجامعة غوتنبرغ لعام 2026 أنَّ الولايات المتحدة فقدت تصنيفها كـ “ديمقراطيّةٍ ليبراليّةٍ” للمرة الأولى منذ عقودٍ، مع تسجيل انخفاضٍ بنسبة 24% في مؤشّرِ الديمقراطيَّة الليبراليَّة خلال عامٍ واحدٍ، بالإضافة إلى تراجع حرية الرأي والتعبير والإعلام إلى أدنى مستوياتها منذ الحرب العالميَّة الثانية[24].
كما رصد تقرير Freedom House)) لعام 2026 انخفاض درجة الولايات المتحدةِ في مؤشّرِ الحريّاتِ العالميِّ إلى 81 من أصل 100، وهو أدنى مستوىً تُسجله منذ عام 2002، مُشيرًا إلى تصاعد الضغوط على حرية التعبيرِ، وإضعاف المؤسسات، وآليات مُكافحة الفساد[25].
مما ينعكس على جوهر النظام الديمقراطيِّ مع تراجع قدرة المؤسسات على حماية الحقوق والحريات المدنيَّة. بما يؤدي إلى ارتباط الحقوق الدستوريَّة بتوازنات القوة السياسية أكثر من ارتباطِها بالمؤسسات، بما يُضعِف إحدى أبرز ركائزِ النظام الديمقراطي الأمريكي.
4- تنامي ظاهرة العنف السياسي
يُمثل تنامي ظاهرة العنف السياسي أحد أخطر التداعيات المُصاحبة للتَّحول في طبيعة النِّظام السياسيِّ الأمريكيِّ؛ إذ يرتبط بروز هذه الظاهرة بتآكل شرعيَّة المؤسسات بوصفها آلية لحسم التنافس السياسي. وتزايدت هذه الظاهرة مع تصاعد الاستقطاب الحزبي، واتساع تأثير البيئة الرقمية التي تُضخم الخطابات التعبوية وتعيد تصوير الخصوم السياسيين بوصفهم تهديدًا وجوديًا لا مجرد منافسين داخل العملية السياسية.
وفي هذا الإطار، تُشير البيانات إلى ارتفاعٍ ملحوظٍ في حوادث العنف السياسيِّ والتهديدات المُوجهة ضد المسؤولين السياسيين خلال السنوات الأخيرة، إذ تزايدت معدلات العنف السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية بأكثر من 30% مقارنة بعام 2024 [26]. بالتوازي مع استمرار حوادث بارزةٍ مثل محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي ترامب في إبريل 2026 [27]. وهو ما يبرز هشاشة المناخ السياسي الأمريكي وتزايد احتمالات انتقال التنافس السياسي إلى مستوياتٍ أكثر خطورة.
ويمكن القول إنَّ تنامي ظاهرة العنف السياسي تبرز تحولًا في أدوات ووسائل الصراع السياسي، إذ لم يعد ينظر للعنف بوصفه سلوكًا شاذًا، بل كوسيلةٍ مُحتملةٍ للتأثير في مسار العمليَّة السياسيَّة وفرض نتائج معينة. ومن ثمَّ، فإنَّ هذا التصاعد يُبرز أنَّ التحول في النظام السياسي الأمريكي لا يقتصر على إعادة توزيع السلطة داخل المؤسسات، بل يمتد ليشمل تقويض قدرة النظام الديمقراطي الأمريكي على إدارة التنافس السياسي ضمن قواعد مسقرةٍ وسلمية.
- انقسام الرأي العام الأمريكي:
يشهد الرأي العام الأمريكي انقسامًا واضحًا إزاء أداء الرئيس دونالد ترامب، وهو ما تعكسه بوضوح نتائج استطلاعات الرأي المختلفة. فعلى الرغم من فوزه في انتخابات عام 2024 بنسبة 49.8% من الأصوات الشعبية، تراجعت نسبة تأييده من 47% عند تنصيبه في يناير 2025 إلى 36% فقط، وفقًا لاستطلاع مؤسسة “غالوب” في ديسمبر من ذات العام.
ويُعزى هذا الانقسام إلى التباين الحاد بين مواقف الأحزاب السياسية؛ إذ أيد 91% من الجمهوريين أداء ترامب، مقابل 6% فقط من الديمقراطيين، بفارقٍ حزبي بلغ 85 نقطة مئوية، وارتفع لاحقاً إلى 86 نقطة.
كما شهدت قاعدة الناخبين المستقلين، الذين يمثلون أكثر من ثلث الكتلة الانتخابية الأمريكية تراجعًا ملحوظًا في مستوى التأييد حيث انخفض دعمهم بمقدار 21 نقطة مئوية خلال العام. الأمر الذي انعكس سلبًا على شعبيته العامة. وتعكس هذه المؤشرات حالة استقطاب سياسي عميق تشهدها الولايات المتحدة، حيث تتباين مواقف المواطنين تجاه الرئيس وسياساته بشكلٍ كبير وفق انتماءاتهم السياسية.[28] ويؤثر هذا الاستقطاب بدوره في طبيعة العملية السياسية، إذ يحد من فرص التوافق السياسي، ويعمق الانقسامات داخل المجتمع الأمريكي، وقد يقود إلى حالةٍ من الجمود المؤسسي.
ب. تداعيات التَّحول في النِّظام السياسيِّ الأمريكيِّ على المستوى الدولي:
لا تقتصر تداعيات التحولات التي يشهدها النظام السياسي الأمريكي على بعد تحليليٍ واحد، بل تنعكس هذه التحولات أولاً على بنية النسق الدولي ككلٍ، عبر إعادة تشكيل أنماط الهيمنة والتحالفات الدولية، كما تمتد أثارها إلى المستوى الإقليمي من خلال إعادة صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي.
كما تمتد هذه التداعيات لتطال توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، ولاسيما فيما يتعلق بأدوات التدخل السياسي والعسكري وحدود شرعيته. ومن ثم يمكن تحليل هذه التداعيات عبر ثلاثة مستويات رئيسية وذلك على النحو التالي:
- تداعيات التحول في النظام السياسي على بنية النسق الدولي (Macro Level)
لم تعد الهيمنة الأمريكيَّة مرتبطةً بالمرتكزات الراسخة التي عززت استمراريتها لعقودٍ، إذ انعكس الالتزام الأمريكي مباشرة على منظومة التحالفات، لا سيَّما داخل حلف الناتو في ظلِّ تصاعد حالة عدم اليقين حول مدى استمراريَّة الالتزامات الأمنيَّة الأمريكيَّة تجاه حلفائها، ما دفعَ عددًا متزايدًا من الدول إلى إعادة ضبط تموضعها الاستراتيجيِّ عبر تبني سياساتِ التحوَّط الاستراتيجي (Strategic Hedging)، بدلًا من الاعتماد على المظلة الأمريكيَّة، ويبرز تكتل البريكس بوصفه تجسيدًا عمليًّا لهذا النمط، إذ تسعى الدول الأعضاء إلى تعظيمِ نفوذها وإدارة علاقاتِها مع الولاياتِ المتحدةِ في ذات الوقت، بما يعكس التحول في أنماط التفاعلِ مع الهيمنةِ الأمريكية.[29]
ومع تراجع الالتزام الأمريكي بالمؤسسات الدوليَّة وأُطر العمل متعدد الأطراف، امتد التأثير ليطال بنية النِّظام الاقتصاديِّ العالميِّ، وقد استفادت القُوى الصاعدة من تراجع الهيمنة الأمريكيَّة المُطلقة، فعززت الصين حضورها الاقتصاديِّ والتكنولوجيِّ، في حين سعت روسيا إلى توسيع نفوذها الجيوسياسي بهدف إعادة ترسيخ مكانتها كفاعلٍ دوليٍ مُؤثر. وبناءً على ذلك اتجه النَّسق الدولي نحو مزيد من التَّعددية التنافسيَّة بدلًا من الأحاديَّة القطبيَّة المطلقة.
2- تداعيات التحول في النظام السياسي الأمريكي على المستوى الإقليمي (Regional level)
أسهم التحول في توجهات السياسات الخارجيَّة الأمريكيَّة، لاسيما فيما يتعلق بالالتزامات الدفاعيَّة والاقتصاديَّة وتبني استراتيجيَّة “أمريكا أولاً” إلى تعزيز النقاشات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” الذي يعكس محاولةً أوروبية لإعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي بعيدًا عن المظلة الأمريكيَّة.
ومع ذلك، لا يمكن فهم وتفسير هذا التحول بوصفه تآكلٍ للهيمنة الأمريكيَّة، بقدر ما يعكس انتقالها من هيمنةٍ أحادية ومطلقة إلى نموذجٍ أكثر تعددية وتنافسية، تتراجع فيها مكانة الولايات المتحدة تدريجيًا دون أن تختفي، لكنها تفقد جزءًا مهمًا من قدرتها التنظيمية التقليدية التي شكلت أساس النظام الدولي الليبرالي.
- التحول في أنماط سلوك القوة (Behavioral Level)
اختلفت أشكال التدخل العسكري والسياسي الأمريكي عبر الإدارات المختلفة، إذ اختلفت أدواته ومبرراته وفقًا لطبيعة الأزمات الدولية وأهداف السياسة الخارجية في كل مرحلة.
ففي حرب الخليج لتحرير الكويت عام 1991 جاء التدخل بقيادة الرئيس جورج بوش الأب في إطار تحالف دولي، وبتفويض مباشر من الأمم المتحدة، حيث تمثل الهدف المعلن في إخراج القوات العراقية من الكويت[30]، وهو ما منح العملية غطاءً قانونيًا دوليًا واسعًا.
وفي المقابل، أثار التدخل العسكري في بنما عام 1989 حالةً من الجدل القانوني، إذ نفذت العملية دون تفويضٍ من الكونغرس، وهو ما اعتبره البعض تجاوزًا لمبدأ الفصل بين السلطات. كما أثيرت انتقادات تتعلق بانتهاك مبدأ سيادة الدول، وقواعد القانون الدولي باعتقال الجنرال مانويل نورييغا داخل أراضي دولة ذات سيادة.[31]
وفي أعقاب هجمات 11سبتمبر، جاء التدخل الأمريكي في أفغانستان عام 2001 تحت مبرر الدفاع عن النفس وملاحقة تنظيم القاعدة، وحظي بدعمٍ دوليٍ واسعٍ وتفويض من الأمم المتحدة وحلف الناتو. واعتمد التدخل الأمريكي في العراق عام 2003 بقيادة جورج بوش الابن على مبررات امتلاك أسلحة دمار شامل دون وجود تفويضٍ رسمي من الأمم المتحدة؛ ما أدى إلى انقسامٍ دولي بشأن مدى شرعية استخدام القوة.[32]
وقد مثل القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما خارج البلاد إحدى صور التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وانتهاك مبدأ السيادة في القانون الدولي[33].
مما سبق يمكن القول إن أنماط التدخل الأمريكي تباينت عبر الإدارات المختلفة، ففي عهد بوش الأب اتسمت التدخلات الأمريكية بالطابع الجماعي النسبي حيث جاء التدخل في حرب الخليج في إطار تفويض دولي من الأمم المتحدة، وهو ما أضفى على السياسة الخارجية الأمريكية قدرًا من الشرعية الدولية. أما في عهد الرئيس بوش الأبن اتسمت التدخلات الأمريكية بطابعٍ أحادي إذا اعتمدت السياسة الخارجية الأمريكية على مبدأ “الحرب الاستباقية” ولاسيما في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. وفي المقابل اتجهت إدارة الرئيس باراك أوباما إلى الحد من مبدأ التدخل في الشؤون الدولية، مع نهج القيادة من الخلف.
أما في إدارة ترامب الأولى فقد عزز من استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي في إطار ما يعرف بسياسة ” أمريكا أولاً”. وفي ولايته الثانية اتجهت الإدارة الأمريكية إلى إظهار استعدادٍ أوسع لاستخدام القوة العسكرية، ولاسيما في سياق التوترات مع إيران. بما يعكس تحولًا نحو نهج أكثر تشددًا في إدارة الأزمات الدولية.
ج. التداعيات الاقتصادية للتحول في النظام السياسي الأمريكي
أظهرت التداعيات الاقتصادية لسياسات الرئيس دونالد ترامب تزايد حالة القلق وعدم الرضا بين الأمريكيين، رغم تأكيداته المتكررة بتحسن الأوضاع الاقتصادية. فعلى الرغم من تسجيل الاقتصاد الأمريكي معدل نمو بلغ 4.3% في الربع الثالث من عام 2025، كشف استطلاع أجرته الإذاعة الوطنية العامة (NPR) كشف أن نحو نصف الأمريكيين يعتقدون أن البلاد تشهد حالة ركود اقتصادي[34].
كما أظهر استطلاع لمؤسسة (YouGov) أن 45% من المشاركين يرون أن الوضع الاقتصادي يشهد تدهورًا[35]. الأمر الذي انعكس على شعبية الرئيس ترامب، إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن 31% فقط من الأمريكيين يوافقون على طريقة تعامله مع الاقتصاد، وهي أدنى نسبة خلال ولايته الثانية[36].
كما بين استطلاع أجرته قناة فوكس نيوز أن نسبةً أكبر من الناخبين باتت تحمل ترامب مسؤولية الأوضاع الاقتصادية.[37]
وفي ذات السياق، تُشير التحليلات الاقتصادية إلى أن تأثير العوامل الجيوسياسية على الاقتصاد الأمريكي يظل متفاوتًا وفق طبيعة هذه الأزمات. فعلى سبيل المثال لا تمثل الأزمة الفنزويلية حالياً تهديداً كبيراً للاقتصاد الأمريكي بسبب محدودية الروابط التجارية والمالية مع فنزويلا، حيث لا تتجاوز الصادرات الأمريكية إليها 3.6 مليار دولار أي أقل من 0.2% من إجمالي الصادرات. ومن ثمَّ يرجح استمرار توقعات النمو في عام 2026، ولاسيما في قطاع الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك يظل سوق الطاقة العامل الجيوسياسي الأكثر تأثيرًا إذ يمكن أن يؤدي تغير أسعار النفط بمقدار 10 دولارات إلى تغيير الناتج المحلي الأمريكي بنحو 0.2 نقطة مئوية خلال عام.[38]
وفي سياقٍ أوسع تبرز أهمية التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ولاسيما إيران حيث تشير دراسات اقتصادية حديثة إلى أن إعادة دمجها في الاقتصاد العالمي قد يسهم في تعزيز استقرار أسواق الطاقة وتحفيز النمو، خاصة في أوروبا، من خلال توسيع فرص التجارة والاستثمار وزيادة المعروض من النفط والغاز. إلا أن تحقق هذه المكاسب يظل مرهونًا بدرجة الاستقرار السياسي وسرعة رفع العقوبات.[39]
ورغم ذلك، يواجه لاقتصاد الأمريكي ضغوطاً متزايدة نتيجة تداخل عوامل جيوسياسية واقتصادية أبرزها فرض الرسوم الجمركية التي أدت إلى ارتفاع التضخم وتراجع الواردات وزيادة تكاليف الإنتاج على الشركات والمستهلكين. وتفاقمت هذه التحديات مع اندلاع الحرب مع إيران، التي تسببت في اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار الطاقة، خصوصاً الوقود، مما انعكس مباشرة على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات داخل الولايات المتحدة.[40]
رابعًا: السيناريوهات المستقبلية
في ضوء الاتجاهات الراهنة والتَّطورات التَّاريخيَّة للنِّظام السياسيِّ الأمريكيِّ، يمكن صياغة أربعة سيناريوهات مستقبليَّة واقعية لطبيعة هذا التحول، في إطار مقاربةٍ لا تهدف إلى التنبؤ بقدر ما تسعى إلى استشراف المسارات المُحتملة لهذا التحول.
ويستند هذا التحليل على ثلاث محركاتٍ رئيسيةٍ تُسهم في تفسير طبيعة التَّحول، يتجسد أولها في تصاعد الاستقطاب الحزبي بما يزيد من الانقسام داخل النخب السياسيَّة والمؤسسات البيروقراطيَّة، ويقوض فرص التوافق.
ويتمثل الثَّاني في اتساع صلاحيات السلطة التنفيذيَّة لصالح مؤسسة الرئاسة، لا سيما في مجالات الأمن القومي والسياسة العامَّة، وهو ما يُشير إلى تركيز السلطة وتجاوز الأُطر التقليديَّة لعملية صنع القرار.
أما المُحرك الثالث فيرتبط بـ تراجع الدور الرقابي والتشريعيِّ للكونغرس نتيجةً لحدة الاستقطاب السياسي والانقسام الداخلي، بما يُضعف من فعالية آليات المُساءلة داخل النِّظام السياسيِّ الأمريكيِّ
وانطلاقًا من ذلك، يفترض التحليل استمرار حالةٍ من عدم الاستقرار النسبي، دون الوصول إلى حدِّ الانهيار الدستوري الشامل، وهو ما يعكس نمطًا من التَّكيف داخل نظامٍ سياسيٍّ يجمع بين استمرار المؤسسات مع زيادة صلاحيات الرئيس.
السيناريو الأول: استمرار نموذج الرئاسة الإمبراطورية
يفترض هذا السيناريو استمرار تركيز السلطة داخل مؤسسة الرئاسة، مع التوسع في إصدار الأوامر التنفيذية كبديلٍ للتشريع. وتتجلى أبرز محدداته في ضعف التوازن بين مؤسسة الرئاسة والكونغرس، مع اتساع تفسير صلاحيات الرئيس الدستورية. وتكمن قوة هذا السيناريو في اعتماده على مؤشراتٍ واقعيةٍ عبر زيادة إصدار الأوامر التنفيذية، مع تراجع في الدور الرقابي للكونغرس، والتوسع في استخدام قانون الطوارئ.
أما من حيث التداعيات فإنه يُفضي إلى تآكلٍ تدريجيٍ في الدور الرقابي للمؤسسات مع الاعتماد بصورةٍ أساسية على القرارات الفرديَّة التي يُصدرها الرئيس. الأمر الذي يؤدي إلى زيادة هشاشة النظام السياسي على المدى المتوسط دون الانهيار التام للنِّظام.
وفي المحصلة، يمكن تقدير هذا السيناريو بوصفه مرتفع الاحتمال نسبيًا في الأمد القريب، لكنه يظل محدودًا على المدى المتوسط والطويل، نظرًا لتعارضه مع مبادئ الدستور الأمريكي.
السيناريو الثاني: هيمنة البُعد الشخصي على الأحزاب السياسية
يفترض هذا السيناريو تحول أحد الحزبين الرئيسين في النِّظام السياسي إلى كيانات سياسية تتمحور حول شخصية رئيس الحزب، مما يُعزز من احتمالية شخصنة السلطة السياسية. ويرتكز هذا السيناريو على عددٍ من المحددات الأساسية مثل تراجع الديمقراطية الليبرالية، وتصاعد الاستقطاب الأيديولوجي، بالإضافة إلى سيطرة القيادة على الترشيحات السياسية والتمويل.
أما مؤشراته داخل النِظام السياسي الأمريكي تتضح في ارتباط الهُوية الحزبية برئيس الحزب بدلاً من البرنامج السياسي، وهيمنته على عملية اختيار المرشحين السياسيين، بالإضافة إلى بروز انقساماتٍ حزبية في حالة تغير القيادة.
ويؤدي ذلك إلى صعوبة عملية انتقال السلطة داخل الأحزاب السياسية مع احتمالية زيادة الانشقاقات الحزبية، فضلاً عن إضعاف الطابع المؤسسي للأحزاب وانتقالها إلى أدوات تعبئةٍ سياسيَّة.
وفي ظل استمرار عملية الاستقطاب الأيديولوجي يظل احتمال تحقق هذا السيناريو متوسط نسبيًا؛ نظرًا لتعدد مراكز النفوذ داخل الأحزاب السياسية الأمريكية، وتزايد دور الإعلام الرقمي.
السيناريو الثالث: التراجع التدريجي لدور المؤسسات الدستورية
يقوم هذا السيناريو على فرضيةٍ أسياسيةٍ قُوامها تراجع تدريجي في فعالية أدوار المؤسسات الدستورية دون انهيار شامل، بما يُشير إلى تحولها إلى كيانات شكلية دون القيام بدورها التقليدي في الرقابة والتشريع.
يرتكز هذا السيناريو على عددٍ من المحددات الرئيسية وفي مُقدمتها استمرار الانقسام الحزبي داخل الكونغرس يما يقوض من دوره الرقابي والتشريعي، فضلاً عن تراجع استقلالية المؤسسات التنفيذية. وتكمن قوة مؤشراته في انخفاض القرارات التشريعية، والصدام بين الرئيس والقضاء، وتكرار أزمات الإغلاق الحكومي.
وتتمثل أبرز تداعياته في انخفاض معدلات الثقة العامة في المؤسسات، فضلاً عن تراجع قدرة المؤسسات على الاستجابة للأزمات السريعة، أما الخطر الأكبر لهذا السيناريو فيتمثل في طابعه غير الصدامي والتدريجي التراكمي، إذ يحدث التراجع بالتدريج دون انهيارات ظاهرة، ولا سيما خلال التطورات الراهنة.
وفي المجمل يظل تحقيق هذا السيناريو مرتفع نسبيًا على المدى المتوسط والبعيد، نظرًا لغياب محفزات قوية لإعادة التوازن المؤسسي داخل النٍظام السياسي الأمريكي.
السيناريو الرابع: إعادة التوازن المؤسسي
يفترض هذا السيناريو إعادة التوازن المؤسسي فضلاً عن استعادة التوازن بين السلطات؛ استجابةً للقلق المتزايد بشأن تآكل مبادئ الديمقراطية الليبراليَّة. ويقوم هذا السيناريو على مجموعةٍ من المحددات وفي مقدمتها تزايد المخاوف المرتبطة بتراجع الديمقراطية الليبرالية، وقيام المحكمة العليا الأمريكية بفرض قيود دستورية على الأوامر التنفيذية التي يُصدرها الرئيس.
وتتجسد مؤشرات هذا السيناريو في ظهور عدة اتجاهات تشريعية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الأوامر التنفيذية، وإصدار أحكام قضائية تُفضي بعدم دستورية بعض الأوامر التنفيذية. ويؤدي تحقيق هذا السيناريو إلى إعادة التوازن بين السلطات، وزيادة الدور الرقابي والتشريعي للكونغرس، وتقليل نسبي لصلاحيات الرئيس.
وفي ظل الظروف الراهنة تظل احتمالية حدوث هذه السيناريو منخفضة نسبيًا في ظلِّ زيادة الاستقطاب الحزبي، وضعف المؤسسات الدستورية.
وفي ضوء المُعطيات السابقة، يمكن القول إنَّ السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في التداخل بين التآكل المؤسسي ومركزية دور الرئيس في عملية صنع القرار، وليس تحولٍ جذريٍ كامل للنظام.
خاتمة
وختامًا يمكن القول إنَّ النظام السياسي الأمريكي يمر بمرحلة تحولٍ تدريجيٍ طويل الأمد، تتسم بالتوتر بين تعزيز السلطة التنفيذية والتوازنات المؤسسية. ورغم التحديات المتزايدة التي تواجهه يظل هذا النظام محتفظًا بقدرٍ من المرونة التاريخية التي تمكَّنه من التكيَّف مع التغيرات البنيوية؛ إذ لا يزال يرتكز على مؤسساتٍ دستورية وديمقراطية راسخة. ورغم ذلك، تشير بعض المؤشرات إلى تراجعٍ نسبي في فعالية وكفاءة الأداء المؤسسي، دون أن يصل هذا التراجع إلى حدِّ الانهيار الشامل.
وتشير المُعطيات المطروحة إلى أنَّ السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في تحولٍ جذريٍ شاملٍ نحو نموذجٍ سلطويٍ أو العودة الكاملة إلى النموذج المؤسسي التقليدي، بل في نموذجٍ هجينٍ يجمع بين سمات “الرئاسة الإمبراطورية” والتآكل المؤسسي التدريجي. وفي هذا السياق، من المتوقع أن يستمر التوتر بين مركزية القرار التنفيذي ومحاولات الاحتواء المؤسسي، دون حسم نهائي لصالح أي منهما في المدى القريب.
وعلى المستوى الداخلي، يُشير ذلك إلى تراجع نموذج الديمقراطية الليبرالية الأمريكية والاتجاه نحو نموذج أقل استقرارًا مع استمرار تراجع الثقة العامة في المؤسسات البيروقراطية.
أما خارجيًا، فيعيد هذا التحول تشكيل موقع الولايات المتحدة كقوةٍ دوليةٍ من خلال تراجع قدرتها على حفظ قواعد النظام الدولي الليبرالي.
وفي المُحصلة، لا تقف الولايات المتحدة على أعتاب “ثورةٍ سياسيةٍ” مكتملة الأركان بقدر ما تمر بمرحلة تحولٍ تدريجيٍ طويل المدى تُعاد خلاله صياغة قواعد التفاعل بين مصادر الشرعية السياسية والمؤسسات البيروقراطية.
وتكشف التحولات الراهنة في طبيعة النِّظام السياسيِّ الأمريكيِّ إلى أنَّ الأزمة الأمريكية لم تعد محصورةً في إطار استقطابٍ انتخابيٍ عابرٍ، أو تنافسٍ تقليديٍ على السلطة، بل باتت تعكس إشكاليةً أعمق تتصل بأزمة شرعيةٍ سياسيةٍ، ومع امتداد تداعيات هذه الأزمة إلى السياسة الخارجيَّة الأمريكيَّة وإلى بنية النَّسق الدوليِّ. تبدو الولايات المتحدة أمام مُنعطفٍ حرج قد يفضي إلى إعادة تموضعها في النَّسق الدوليِّ خلال السنوات القادمة.
الهوامش
[1] Eurasia Group, Risk 1, US Political Revolution, Top Risks 2026 Report, Available at: https://www.eurasiagroup.net/live-post/risk-1-us-political-revolution (Accessed 8 May 2026).
[2] Daya Krishna, The Concept of Revolution: An Analysis, (JSTOR, Philosophy East and West, vol. 23, no. 3, July 1973, p. 291–297).
[3] Mark R. Beissinger, The Evolving Study of Revolution. World Politics, 2024, Advance online publication https://doi.org/10.1353/wp.0.a920225
[4] مصطفى علوي، كيف يتعامل العالم مع الثورات العربية، (مجلة السياسة الدولية، العدد 184، المجلد 46، 2011، ص 36-41)
[5] Chloe Fitzgerald, Understanding Revolution as Political Change and Revolution, planksip, 19 November 2025, Available at: https://www.planksip.org/understanding-revolution-as-political-change-and-revolution-1763581036190/.(Accessed 17/5/2026)
[6] Abraham F. Lowenthal and Sergio Bitar, Democratic Transitions: Conversations with World Leaders, in Democratic Transitions: Conversations with World Leaders, (Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance – International IDEA, 2015, p. 622).
[7] Pew Research Center, Public Trust in Government: 1958–2025, Politics & Policy, 4 December 2025, Available at: https://www.pewresearch.org/politics/2025/12/04/public-trust-in-government-1958-2025/ (Accessed 8 May 2026).
[8] Pew Research Center, Americans’ Deepening Mistrust of Institutions, Trend Magazine, fall 2024, Available at: https://www.pew.org/en/trend/archive/fall-2024/americans-deepening-mistrust-of-institutions (Accessed 8 May 2026).
[9] Edelman, Plummeting Trust in Institutions: The World Slipping into Grievance, Edelman Trust Barometer 2025, January 2025, Available at: https://www.edelman.com/insights/plummeting-trust-institutions-world-slipping-grievance (Accessed 8 May 2026).
[10] Knight Commission on Trust, Media and Democracy, Crisis in Democracy: Renewing Trust in America, Aspen Institute, p. 18, Available at: https://www.aspeninstitute.org/wpcontent/uploads/files/content/docs/pubs/REPORTFINAL.PDF (Accessed 8 May 2025).
[11] Daniel D. Birk, Interrogating the Historical Basis for a Unitary Executive, Stanford Law Review 73 January 2021, p. 175–236, Available at: https://www.stanfordlawreview.org/article/interrogating-the-historical-basis-for-a-unitary-executive/. (Accessed 8 May 2026).
[12] Erich Wagner, Trump Admin Moves to Finalize Return of Schedule F, Government Executive, 5 February 2026, Available at: https://www.govexec.com/workforce/2026/02/trump-admin-moves-finalize-return-schedule-f/411239/. (Accessed 9 May 2026).
[13] Pew Research Center, Trump has already issued more executive orders in his second term than in his first, Available at:https://www.pewresearch.org/short-reads/2025/12/16/trump-has-already-issued-more-executive-orders-in-his-second-term-than-in-his-first/ (Accessed 9 May 2026).
[14] Diego Garzia, The Personalization of Politics in Western Democracies: Causes and Consequences on Leader–Follower Relationships, (The Leadership Quarterly, Vol. 22, No. 4 August 2011, p. 697–709).
[15]Henery Brady, Thomas Kent, Fifty Years of Declining Confidence & Increasing Polarization in Trust in American Institutions, (Daedalus, VOL. 151, NO.4, P. 43–66).
[16] Andrew Breiner, How Did the Courts Become So Politicized? Library of Congress Blogs: Insights – Scholarly Work at the Kluge Center, 21 September 2021, Available at: https://blogs.loc.gov/kluge/2021/09/how-did-the-courts-become-so-politicized/. (Accessed 9May 2026).
[17] Steven Hayward, Politicization of the American University, American Enterprise Institute, Available at: https://www.aei.org/articles/politicization-of-the-american-university/ (Accessed 9May 2026).
[18] Diego Garzia, The Personalization of Politics in Western Democracies: Causes and Consequences on Leader–Follower Relationships, (The Leadership Quarterly, Vol. 22, no. 4, August 2011, p. 697–709).
[19] William Roberts, Trump versus the judiciary, International Bar Association, July 23, 2025, Available at: https://www.ibanet.org/Trump-versus-the-judiciary (accessed 9 May 2026).
[20] McKenzie Carrier, Thomas Carothers, U.S. Democratic Backsliding in Comparative Perspective (Washington, DC, Carnegie Endowment for International Peace, 25 August 2025).
[21] مركز الحضارة للدراسات والبحوث، أُمتي في العالم- الجديد في حالة الإسلام والمسلمين في العالم (2010-2020): ما بعج الإسلاموفوبيا، 2021، ص 200
[22]The Guardian, Trump’s vicious attacks onjudges fuel his bid for unchecked power, 24 February 2026, Available at:
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/feb/24/trump-supreme-court-judges-attacks (Accessed 10 May 2026).
[23] Marina Nord, Ana Good God, and Staffan I. Lindberg, Democracy Report 2026: Unraveling the Democratic Era, (Gothenburg, V-Dem Institute, University of Gothenburg, 2026). Available at: https://www.v-dem.net/documents/75/V-Dem_Institute_Democracy_Report_2026_lowres.pdf (accessed 11 May 2026).
[24] Ibid
[25] Freedom House, Freedom in the World 2026: The Mounting Shadow of Authoritarianism (Washington, D.C, Freedom House, 2026), Available at: https://freedomhouse.org/ (Accessed 10 May 2026).
[26] Bridging Divides Initiative, Key Political Violence and Resilience Trends From 2025, Princeton University, 2025, Available at: https://bridgingdivides.princeton.edu/key-political-violence-and-resilience-trends-2025. (Accessed 10 May 2026).
[27] James Piazza, Latest Attack Threatening President Trump Reflects Rising Political Violence in US, The Conversation, April 26, 2026, Available at:
https://theconversation.com/latest-attack-threatening-president-trump-reflects-rising-political-violence-in-us-281513. (Accessed 10 May 2026).
[28] Gallup, Americans End the Year in a Gloomy Mood, Gallup News, December 2025, Available at: news.gallup.com/poll/700241/americans-end-year-gloomy-mood.aspx (Accessed 19/5/2026).
[29][29] Nikolas Vander Vennet and Mohammad Salman, Strategic Hedging and Changes in Geopolitical Capabilitiesfor Second-Tier States, (Chinese Political Science Review, Vol. 4, no. 1, 2019, p. 1–28).
[30] صلاح عبود محمود، أم المعارك حرب الخليج عام 1991: الحقيقة على الأرض، (الأردن، دار المنهل، 2016، ص 18).
[31]Carl T. Bogus, The Invasion of Panama and the Rule of Law, (Southern Methodist University Law Review., 1992, p.781).
[32]عماد هادي الربيعي، العراق والتحالف الغربي 1991 – 2003، (الأردن، دار المنهل، 2017، ص 137).
[33] The United States Attacks Venezuela and Abducts President Nicolás Maduro. (American Journal of International Law, Vol.120, no.2. 2026, p.397-403).
[34] NPR, Trump’s Approval Ratings on the Economy Decline Amid Growing Public Concern, NPR, December 17, 2025, Available at:
npr.org/2025/12/17/nx-s1-5645003/trump-poll-economy-approval (Accessed 15/5/2026).
[35] YouGov, Negative Views of the Economy Abound, but Many Are Hopeful for Their Own Finances, YouGov America, December 2025,
Available at:
today.yougov.com/economy/articles/53751-negative-views-of-the-economy-abound-but-many-are-hopeful-for-their-own-finances(Accessed 15/5/2026).
[36] The Guardian, Americans’ Financial Security and Economic Concerns, The Guardian, 29 December 2025, Available at:
theguardian.com/business/2025/dec/29/americans-financial-security-economy-poll(Accessed 15/5/2026).
[37] Fox News, Fox News Poll: Voters Say White House Doing More Harm Than Good on Economy, Fox News, November 2025,
foxnews.com/politics/fox-news-poll-voters-say-white-house-doing-more-harm-than-good-economy (accessed 18/5/2026).
[38] Oxford Economics, Venezuela after Maduro: What US intervention means for the economy and oil markets, Oxford Economics, 2026, Available at:
oxfordeconomics.com/resource/venezuela-after-maduro-what-us-intervention-means-for-the-economy-and-oil-markets (accessed 18/5/2026).
[39] Vienna Institute for International Economic Studies, New study: Regime change in Iran could boost EU economy, wiiw, 2026, Available at:
wiiw.ac.at/new-study-regime-change-in-iran-could-boost-eu-economy-n-720.html (accessed 18/5/2026).
[40] Equitable Growth, Why the Iran war is bad for U.S. economic growth, Washington Center for Equitable Growth, 2026, Available at:
equitablegrowth.org/why-the-iran-war-is-bad-for-u-s-economic-growth (accessed 18/5/2026).
قائمة المراجع
أولاً: المراجع العربية
- صلاح عبود محمود، أم المعارك حرب الخليج عام 1991: الحقيقة على الأرض، (الأردن: دار المنهل، 2016)، ص 18.
- عماد هادي الربيعي، العراق والتحالف الغربي 1991–2003، (الأردن: دار المنهل، 2017)، ص 137.
- مركز الحضارة للدراسات والبحوث، أُمتي في العالم – الجديد في حالة الإسلام والمسلمين في العالم (2010–2020): ما بعد الإسلاموفوبيا، 2021، ص 200.
- مصطفى علوي، كيف يتعامل العالم مع الثورات العربية”، مجلة السياسة الدولية، العدد 184، المجلد 46، 2011، ص 36–41.
ثانيًا: المراجع الأجنبية
- Abraham F. Lowenthal and Sergio Bitar, Democratic Transitions: Conversations with World Leaders, in Democratic Transitions: Conversations with World Leaders (Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance – International IDEA, 2015), p. 622.
- Andrew Breiner, “How Did the Courts Become So Politicized?” Library of Congress Blogs: Insights – Scholarly Work at the Kluge Center, 21 September 2021, Available at: Library of Congress Blogs (Accessed 9 May 2026).
- Bridging Divides Initiative, Key Political Violence and Resilience Trends From 2025, Princeton University, 2025, Available at: Princeton University – Bridging Divides Initiative (Accessed 10 May 2026).
- Carl T. Bogus, “The Invasion of Panama and the Rule of Law,” Southern Methodist University Law Review, 1992, p. 781.
- Chloe Fitzgerald, “Understanding Revolution as Political Change and Revolution,” planksip, 19 November 2025, Available at: planksip (Accessed 17 May 2026).
- Daniel D. Birk, “Interrogating the Historical Basis for a Unitary Executive,” Stanford Law Review, Vol. 73, January 2021, pp. 175–236, Available at: Stanford Law Review (Accessed 8 May 2026).
- Daya Krishna, “The Concept of Revolution: An Analysis,” Philosophy East and West, Vol. 23, No. 3, July 1973, pp. 291–297.
- Diego Garzia, “The Personalization of Politics in Western Democracies: Causes and Consequences on Leader–Follower Relationships,” The Leadership Quarterly, Vol. 22, No. 4, August 2011, pp. 697–709.
- Edelman, Plummeting Trust in Institutions: The World Slipping into Grievance, Edelman Trust Barometer 2025, January 2025, Available at: Edelman (Accessed 8 May 2026).
- Equitable Growth, “Why the Iran War Is Bad for U.S. Economic Growth,” Washington Center for Equitable Growth, 2026, Available at: Washington Center for Equitable Growth (Accessed 18 May 2026).
- Erich Wagner, “Trump Admin Moves to Finalize Return of Schedule F,” Government Executive, 5 February 2026, Available at: Government Executive (Accessed 9 May 2026).
- Eurasia Group, “Risk 1, US Political Revolution,” Top Risks 2026 Report, Available at: Eurasia Group (Accessed 8 May 2026).
- Fox News, “Fox News Poll: Voters Say White House Doing More Harm Than Good on Economy,” November 2025, Available at: Fox News (Accessed 18 May 2026).
- Freedom House, Freedom in the World 2026: The Mounting Shadow of Authoritarianism (Washington, D.C.: Freedom House, 2026), Available at: Freedom House (Accessed 10 May 2026).
- Gallup, “Americans End the Year in a Gloomy Mood,” Gallup News, December 2025, Available at: Gallup News (Accessed 19 May 2026).
- Henery Brady and Thomas Kent, “Fifty Years of Declining Confidence & Increasing Polarization in Trust in American Institutions,” Daedalus, Vol. 151, No. 4, pp. 43–66.
- James Piazza, “Latest Attack Threatening President Trump Reflects Rising Political Violence in US,” The Conversation, 26 April 2026, Available at: The Conversation (Accessed 10 May 2026).
- Knight Commission on Trust, Media and Democracy, Crisis in Democracy: Renewing Trust in America, Aspen Institute, p. 18, Available at: Aspen Institute PDF (Accessed 8 May 2025).
- Mark R. Beissinger, “The Evolving Study of Revolution,” World Politics, 2024, Advance online publication, Available at: DOI – World Politics.
- Marina Nord, Ana Good God, and Staffan I. Lindberg, Democracy Report 2026: Unraveling the Democratic Era (Gothenburg: V-Dem Institute, University of Gothenburg, 2026), Available at: V-Dem Institute PDF (Accessed 11 May 2026).
- McKenzie Carrier and Thomas Carothers, U.S. Democratic Backsliding in Comparative Perspective (Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 25 August 2025).
- Nikolas Vander Vennet and Mohammad Salman, “Strategic Hedging and Changes in Geopolitical Capabilities for Second-Tier States,” Chinese Political Science Review, Vol. 4, No. 1, 2019, pp. 1–28.
- NPR, “Trump’s Approval Ratings on the Economy Decline Amid Growing Public Concern,” 17 December 2025, Available at: NPR (Accessed 15 May 2026).
- Oxford Economics, “Venezuela after Maduro: What US Intervention Means for the Economy and Oil Markets,” 2026, Available at: Oxford Economics (Accessed 18 May 2026).
- Pew Research Center, “Americans’ Deepening Mistrust of Institutions,” Trend Magazine, fall 2024, Available at: Pew Research Center (Accessed 8 May 2026).
- Pew Research Center, “Public Trust in Government: 1958–2025,” Politics & Policy, 4 December 2025, Available at: Pew Research Center (Accessed 8 May 2026).
- Pew Research Center, “Trump Has Already Issued More Executive Orders in His Second Term Than in His First,” Available at: Pew Research Center (Accessed 9 May 2026).
- Steven Hayward, “Politicization of the American University,” American Enterprise Institute, Available at: American Enterprise Institute (Accessed 9 May 2026).
- The Guardian, “Americans’ Financial Security and Economic Concerns,” 29 December 2025, Available at: The Guardian (Accessed 15 May 2026).
- The Guardian, “Trump’s Vicious Attacks on Judges Fuel His Bid for Unchecked Power,” 24 February 2026, Available at: The Guardian (Accessed 10 May 2026).
- The United States Attacks Venezuela and Abducts President Nicolás Maduro, American Journal of International Law, Vol. 120, No. 2, 2026, pp. 397–403.
- Vienna Institute for International Economic Studies, “New Study: Regime Change in Iran Could Boost EU Economy,” wiiw, 2026, Available at: wiiw (Accessed 18 May 2026).
- William Roberts, “Trump versus the Judiciary,” International Bar Association, 23 July 2025, Available at: International Bar Association (Accessed 9 May 2026).
- YouGov, Negative Views of the Economy Abound, but Many Are Hopeful for Their Own Finances,” YouGov America, December 2025, Available at: YouGov America (Accessed 15 May 2026).


