
إعداد
يوسف محمود يوسف
كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
جمهورية مصر العربية
تعد العلاقات الإيرانية الروسية نموذجًا فريدًا للتعاون في العلاقات الدولية، حيث تحولت من علاقة “عداء تاريخي” مشحون بمرارة التوسعات القيصرية إلى علاقة “شراكة استراتيجية” يفرضها الواقع الجيوسياسي. ومنذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، مرت هذه العلاقة بتحولات هيكلية عميقة، متأثرة بتبدل الأنظمة الدولية والحروب الإقليمية، وصولاً إلى اتفاقيات التعاون الشاملة في عام 2025.
فبداية، منذ مرحلة ما بعد الثورة، تبنت الدولة الإيرانية شعار “لا شرقية ولا غربية” وذلك منذ عام 1979 عقب سقوط الشاه، وتبنى النظام الجديد في طهران عقيدة سياسية تقوم على استقلال القرار، مما جعل العلاقة مع الاتحاد السوفيتي مليئة بالحذر. ورغم أن موسكو استبشرت برحيل حليف واشنطن “الشاه”، إلا أن الأيديولوجية الإسلامية المعادية للشيوعية، والاجتياح السوفيتي لأفغانستان عام 1979 جعلا التقارب بين الدولتين صوريًا أكثر من كونه حقيقيًا.
ونجد أن موقف موسكو من الثورة في البداية، أن الاتحاد السوفيتي استبشر بسقوط الشاه حليف واشنطن الأبرز، لكنه سرعان ما اصطدم بالتوجهات الدينية للنظام الجديد، وأيضًا حرب الخليج الأولى حيث شكل دعم موسكو للعراق عسكريًا في الثمانينيات نقطة شرخ عميقة. ومع ذلك، بقيت القنوات الدبلوماسية مفتوحة، حيث أدركت طهران أن موسكو هي “الباب الخلفي” لكسر الحصار الغربي، وأخيرًا رسالة الخميني لغورباتشوف في عام 1989، حيث وجه روح الله الخميني رسالة رسمية إلى ميخائيل غورباتشوف، دعا فيها الأخير لدراسة الإسلام والتنبؤ بانهيار الشيوعية، وهذه الرسالة رغم طابعها الفلسفي مثلت اعترافًا رسميًا بضرورة الحوار المباشر بين القوتين.
ثم انتقلت العلاقة إلى مرحلة البناء المؤسسي في التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، حيث وجدت إيران في روسيا الاتحادية شريكًا يوفر ما يحرمها منه الغرب من السلاح والتكنولوجيا النووية، فقامت كلا القوتين بعمل اتفاقيات وتعاون بينهما كان له أثر بالغ في العلاقة بين الدولتين؛ فأولاً، جاءت اتفاقيات 1992 و1995 حيث وقع البلدان صفقات كبرى تضمنت توريد غواصات من طراز “كيلو” ودبابات “T-72″، والأهم من ذلك اتفاقية استكمال بناء مفاعل بوشهر النووي في عام 1995، فهذا التعاون التقني لم يكن مجرد صفقة تجارية، بل كان قرارًا سياسيًا من روسيا لتقوم بتحدي الضغوط الأمريكية التي طالبت بوقف المشروع، ومعادلة الأمن الإقليمي حيث تعاون الطرفان في إنهاء الحرب الأهلية في طاجيكستان 1992-1997، مما أثبت أن لديهما رؤية مشتركة للأمن في “الخارج القريب” لروسيا بعيدًا عن التدخلات الغربية.
ومن ثم انتقلنا إلى حقبة الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” وبروز “العدو المشترك” مع تولي بوتين السلطة عام 2000، حيث دخلت العلاقة مرحلة أكثر حزمًا، وبدأت روسيا تنظر إلى إيران على أنها “درع جيوسياسي” في منطقة الشرق الأوسط وبحر قزوين، والملف النووي وتصرف روسيا بين الدعم والتصويت حيث كانت السياسة الروسية الرسمية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تتسم بـ “الموازنة الدقيقة”؛ فمن جهة، استكملت مفاعل بوشهر “الذي بدأ العمل رسميًا في 2011″، ومن جهة أخرى، صوتت لصالح عدة قرارات في مجلس الأمن فرضت عقوبات على إيران.
وكان الهدف الروسي هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي مع الحفاظ عليها كشريك اقتصادي وعسكري. وبالانتقال إلى التدخل في سوريا 2015 والذي كان بمثابة التحالف الميداني الأول بين الدولتين، فيعتبر عام 2015 نقطة التحول الكبرى؛ فلأول مرة في التاريخ الحديث تشكلت غرفة عمليات عسكرية مشتركة تجمع بين القوة الجوية الروسية والقوات البرية المدعومة من إيران، وبرغم استناد هذا التعاون إلى طلب رسمي من الحكومة السورية لكنه ميدانيًا كان اعترافًا روسيًا بأن المصالح الحيوية لموسكو في المتوسط لا يمكن حمايتها دون التنسيق مع طهران، فهذا “التحالف الميداني” أذاب الكثير من رواسب عدم الثقة التاريخية.
وفي مطلع عام 2022 حيث أدت الحرب الروسية الأوكرانية والضغوط الغربية المتزايدة على إيران إلى دفع الدولتين نحو ضرورة بناء تشارك استراتيجي، تحول بسرعة إلى اندماج في عدة قطاعات، ومنها، التعاون العسكري العكسي، فلأول مرة لم تعد إيران مجرد مستورد للسلاح الروسي، حيث تم رصد تعاون تقني عسكري شمل الطائرات المسيرة وصناعة الصواريخ، مقابل تزويد روسيا لإيران بطائرات “سوخوي 35” وأنظمة دفاع جوي متطورة، وبالإضافة إلى مشروع ممر الشمال-الجنوب، ويعد هذا المشروع الركيزة الاقتصادية للتحالف في عام 2025، ويمتد الممر من سانت بطرسبرغ إلى ميناء بندر عباس الإيراني، ثم إلى الهند، وظهر ذلك في تقارير رسمية عامي 2023 و2024.
واستثمرت روسيا مليارات الدولارات في السكك الحديدية الإيرانية لضمان طريق تجاري لا يخضع للسيطرة البحرية الغربية، وأيضًا اتفاقية الشراكة الشاملة 2025، ففي مطلع عام 2025، وقع الرئيسان الإيراني والروسي “وثيقة التعاون الاستراتيجي الشامل”، والتي تضع إطارًا زمنيًا لمدة 20 عامًا للتكامل السياسي والأمني والاقتصادي، هذه الوثيقة لم تكتفِ بتنسيق المواقف، بل نصت على التعامل الكامل بالعملات المحلية “الروبل والريال” وتجاوز نظام “سويفت”، التنسيق العسكري الدائم في منطقة بحر قزوين، وإنشاء مراكز لوجستية مشتركة في الموانئ الاستراتيجية.
ورغم هذا الزخم من الإيجابيات فلا تزال هناك ملفات تتطلب إدارة حذرة، ومنها اتفاقية بحر قزوين، فرغم توقيع اتفاقية الوضع القانوني للبحر عام 2018، فلا تزال تفاصيل تقسيم القاع والموارد محل نقاشات فنية ورسمية مطولة لضمان حقوق كافة الأطراف، ومن الملفات الهامة ملف التوازن الإقليمي، حيث تحاول روسيا الحفاظ على علاقات “صفرية المشاكل” مع دول الخليج وإسرائيل، وهو ما يضع قيودًا على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه في دعم أجندة إيران الإقليمية الصدامية.
وتعد العلاقة مع روسيا في العقيدة السياسية الإيرانية نموذجًا لما يمكن تسميته بـ “الحليف المربك”؛ فالتاريخ والجغرافيا يفرضان على طهران حقيقة أن موسكو لا يمكن أن تكون حليفًا مطلقًا بنسبة 100%، ولا عدوًا بنسبة 100%، فهي حليف تكتيكي تجمعه مع إيران وحدة المصير في مواجهة الضغوط الغربية والمصالح الجيوسياسية في سوريا والقوقاز، لكنها في الوقت ذاته “منافس استراتيجي” في سوق الطاقة العالمي، ولاعب يمتلك علاقات متوازنة مع خصوم إيران الإقليميين. وهذا التذبذب الروسي التاريخي يجعل صانع القرار في طهران يتعامل مع الكرملين وفق مبدأ “التعاون الحذر”، حيث تُبنى العلاقة على تقاطعات المصالح لا على تطابق الرؤى الأيديولوجية، مما يحولها إلى شراكة اضطرارية تحكمها موازين القوى وتوازنات اللحظة الراهنة أكثر من الالتزامات التحالفية التقليدية الصارمة.
وفي عام 2026، يبدو لنا أن العلاقة قد تجاوزت مرحلة “التعاون التكتيكي” لتصبح جزءًا من محور عالمي يهدف إلى تغيير النظام الدولي، وإن انضمام إيران رسميًا إلى منظمة “شنغهاي” للتعاون ومجموعة “بريكس” بدعم روسي كامل، قد نقل التنسيق بين طهران وموسكو من الصعيد الثنائي إلى الصعيد المتعدد الأطراف.
ومما سبق يتضح أن مسار العلاقات الإيرانية الروسية منذ عام 1979 يثبت أن المصالح القومية المشتركة تتفوق دائمًا على الخلافات الأيديولوجية، فبينما يظل الحذر سمة تاريخية، إلا أن الضغوط الغربية المشتركة والتحولات في موازين القوى العالمية جعلت من التقارب بين طهران وموسكو ضرورة وجودية لكلا النظامين، وإن الشراكة الاستراتيجية اليوم ليست مجرد رد فعل، بل هي بناء طويل الأمد لمجال حيوي آسيوي جديد يطمح لإنهاء عصر الهيمنة القطبية الواحدة.
المصادر:
- https://truestudies.org/3156/
- https://mecouncil.org/ar/publication/%D9%85%D9%86%D8%B7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A2-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%A9-%D8%A8%D9%8A/
- https://nesa-center.org/dev/wp-content/uploads/2025/03/2025-0221-Vital-Sensitive-Strategic-Cooperation-Pact-between-Russia-and-Iran.pdf
- https://gulfif.org/russia-and-irans-new-comprehensive-partnership-agreement-a-new-chapter-in-bilateral-relations/
- https://mid.ru/ar/2069210/?lang=en


