
إعداد
يوسف محمود يوسف
كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
جمهورية مصر العربية
بدايةً، شكل عام 2015 نقطة تحول حاسمة في مسار العلاقات الروسية السورية، إذ انتقلت موسكو من دور الداعم السياسي غير المباشر إلى دور طرف عسكري فاعل على الأرض. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت سوريا أحد أهم ميادين السياسة الخارجية الروسية، ومختبرًا عمليًا لإعادة تواجد موسكو كقوة دولية مؤثرة في الشرق الأوسط، بينما تحولت روسيا بالنسبة لدمشق إلى الضامن الرئيسي لبقاء الدولة ومؤسساتها في مواجهة أخطر تهديد وجودي منذ تأسيسها.
فبحلول منتصف عام 2015، كانت الدولة السورية تواجه وضعًا بالغ التعقيد؛ فقد فقدت الحكومة السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، وتقدمت فصائل مسلحة متعددة، من بينها تنظيمات متطرفة مثل تنظيم “داعش” و”جبهة النصرة”. في الوقت نفسه، بدت الولايات المتحدة وحلفاؤها غير راغبين في الانخراط المباشر لإسقاط النظام بالقوة، مع استمرار الدعم السياسي والعسكري لبعض أطراف المعارضة. وفي هذا السياق، رأت موسكو أن انهيار الدولة السورية سيمثل خسارة استراتيجية كبرى لها، ليس فقط بسبب فقدان آخر حلفائها التقليديين في المنطقة، بل أيضًا لما قد يحمله ذلك من تداعيات أمنية تتعلق بانتشار الجماعات المتطرفة، خاصة تلك التي تضم مقاتلين من روسيا وآسيا الوسطى.
وبالتحديد في 30 سبتمبر 2015، أعلنت روسيا بدء عملياتها العسكرية في سوريا بناءً على طلب رسمي من الحكومة السورية، وقد مثل هذا التدخل أول عملية عسكرية روسية واسعة خارج مساحة الاتحاد السوفيتي السابق منذ انهياره. واعتمد التدخل الروسي أساسًا على القوة الجوية، حيث شنت الطائرات الروسية آلاف الغارات التي استهدفت مواقع الفصائل المسلحة ومراكز قيادتها وخطوط إمدادها، كما أرسلت موسكو مستشارين عسكريين وخبراء في التخطيط والعمليات، إضافة إلى قوات خاصة في مهام صعبة ومحددة؛ حيث أدى هذا التدخل إلى تغيير جذري في ميزان القوى، إذ مكن الجيش السوري من الانتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم، واستعادة مناطق استراتيجية مثل حلب الشرقية، وتدمر، وأجزاء واسعة من ريف دمشق.
ولم يقتصر الدور الروسي على العمليات العسكرية المؤقتة، بل سعت موسكو إلى ترسيخ وتثبيت وجودها طويل الأمد في سوريا. وفي هذا الإطار، تم توقيع اتفاقيات رسمية عززت هذا الوجود الروسي طويل الأمد، أبرزها: قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية، والتي أصبحت مركز القيادة الرئيسي للقوات الروسية في سوريا، وأيضًا القاعدة البحرية في طرطوس، التي حصلت روسيا على حق استخدامها بموجب اتفاقيات موقعة عام 2017 لمدة تصل إلى 49 عامًا. ويمثل هذا الوجود العسكري ضمانة لمصالح روسيا في شرق البحر الأبيض المتوسط، كما يمنحها قدرة على التأثير في التوازنات الإقليمية، من ليبيا إلى شرق المتوسط.
إلى جانب العمل العسكري، لعبت روسيا دورًا سياسيًا محوريًا في إدارة الصراع السوري؛ فقد قادت موسكو مسارًا دبلوماسيًا موازيًا للمسار الأممي تمثل في: مسار أستانة، حيث أطلقت روسيا بالتعاون مع تركيا وإيران مسار أستانة عام 2017، بهدف خفض التصعيد واحتواء المواجهات العسكرية، وأسفر هذا المسار عن اتفاقات لوقف إطلاق النار في عدة مناطق وإن كانت مؤقتة في كثير من الأحيان. ثم جاءت مؤتمرات سوتشي، حيث سعت روسيا من خلال مؤتمرات سوتشي إلى دفع عملية سياسية بديلة أو مكملة لمسار جنيف، مع التركيز على فكرة الإصلاح الدستوري والحوار بين أطراف سورية مختلفة، مع الحفاظ على بنية الدولة القائمة.
ومنذ تدخل روسيا العسكري، باتت مصالحها في سوريا أكثر وضوحًا وتنوعًا، حيث استعادت مكانتها دوليًا؛ فمثلت الأحداث في سوريا رسالة واضحة بأن روسيا قادرة على حماية حلفائها، وعلى تحدي النفوذ الغربي، وفرض وقائع جديدة على الأرض. أيضًا الأمن القومي الروسي، فتعتبر موسكو أن محاربة الجماعات المتطرفة في سوريا جزء من دفاعها الاستباقي عن أمنها الداخلي، خصوصًا في ظل عودة محتملة لمقاتلين متشددين إلى الأراضي الروسية. وأخيرًا المصالح الاقتصادية، فبرغم محدوديتها بسبب العقوبات، فقد حصلت الشركات الروسية على عقود في مجالات الطاقة والفوسفات والموانئ، إضافة إلى عقود تسليح وصيانة عسكرية.
ولكن عندما نتحدث من جانب سوريا فالوضع لا يختلف كثيرًا، فهناك مصالح وهنا مثلها، حيث أصبحت سوريا منذ 2015 تعتمد بشكل شبه كامل على روسيا في الملفات العسكرية والسياسية الكبرى؛ فقد شكلت موسكو مظلة حماية سياسية في مجلس الأمن، والداعم العسكري الأكثر تأثيرًا، والوسيط الرئيسي في التفاهمات مع تركيا وإسرائيل. ومع تقلص الخيارات أمام دمشق، باتت روسيا اللاعب الخارجي الأكثر نفوذًا في القرار السوري، خاصة في القضايا المرتبطة بالأمن والسيادة.
وكما نعلم لا يوجد شيء جيد دائمًا، فبرغم متانة التحالف، برزت عدة تحديات منذ 2015، من أبرزها: التنافس الروسي الإيراني غير المعلن على النفوذ داخل سوريا، والضربات الإسرائيلية المتكررة التي تغض روسيا الطرف عنها في بعض الأحيان، مما يخلق حساسية لدى دمشق وطهران، والعقوبات الغربية التي تحد من قدرة روسيا على دعم الاقتصاد السوري أو إطلاق مشاريع إعادة إعمار واسعة.
ومنذ عام 2022، ورغم انشغال موسكو بالحرب الروسية الأوكرانية وما فرضته من ضغوط عسكرية واقتصادية على سياستها الخارجية، فإن العلاقات الروسية السورية حافظت على قدر ملحوظ من الاستقرار والاستمرارية، حتى في ظل التحولات السياسية الجذرية التي شهدتها سوريا، وعلى رأسها الانقلاب الذي وقع عام 2024؛ فقد اتسم الموقف الروسي بالمتابعة والحذر، حيث ركزت موسكو على أولوية الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية واستقرارها، وتجنبت الدخول في مواجهة مباشرة مع القيادة الجديدة، مؤكدة في خطابها الرسمي أن موقفها يقوم على احترام سيادة الدولة السورية واستمرار الاتفاقيات الموقعة معها، وذلك برغم قبولها للجوء السياسي للرئيس السوري السابق بشار الأسد. وفي هذا السياق، فيمكن القول إن روسيا تعاملت مع التغيير في القيادة باعتباره تطورًا داخليًا لا ينبغي أن يؤثر على جوهر التحالف القائم، خاصة ما يتعلق بالتعاون العسكري والوجود الروسي في سوريا.
وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في زيارة الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع إلى موسكو في أكتوبر 2025، والتي عكست حرص دمشق على تأكيد أن التحالف مع روسيا لا يرتبط بأشخاص أو أنظمة بعينها، بل يقوم على مصالح استراتيجية طويلة الأمد. وخلال الزيارة، أكد الشرع التزام حكومته باحترام الاتفاقيات السابقة الموقعة مع موسكو، لا سيما تلك المتعلقة بالتعاون العسكري والقواعد الروسية، مع الإشارة إلى إعادة تنظيم العلاقة بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة. ومن جانبها، أبدت روسيا استعدادًا لمواصلة الشراكة، مؤكدة أن سياستها تجاه سوريا تستند إلى اعتبارات جيوسياسية ثابتة، وهو ما يدل على أن الحرب في أوكرانيا والانقلاب في دمشق لم يؤديا إلى قطيعة أو تغيير جذري في طبيعة العلاقة، بل إلى إعادة تكييفها وفق المتغيرات الإقليمية والدولية.
وختامًا، يمكن القول إن العلاقات الروسية السورية منذ عام 2015 دخلت مرحلة غير مسبوقة من حيث العمق والتشابك، إذ تحولت من علاقة دعم سياسي تقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة ذات أبعاد عسكرية وسياسية وأمنية طويلة الأمد. فقد أسهم التدخل الروسي في إعادة ترجيح ميزان القوى لصالح الدولة السورية، وفي تثبيت موقع موسكو كفاعل رئيسي في معادلات الشرق الأوسط. وعلى الرغم من التحديات التي واجهت هذا التحالف، سواء نتيجة التنافس مع قوى إقليمية أخرى، أو الضغوط الغربية والعقوبات، أو حتى التغيرات السياسية الداخلية في سوريا، فإن العلاقة بين البلدين أثبتت قدرًا عاليًا من المرونة والاستمرارية؛ كما يظهر أن روسيا تنظر إلى سوريا ليس فقط كساحة نفوذ، بل كركيزة أساسية في استراتيجيتها الأوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي متعدد الأقطاب، بينما ترى دمشق في موسكو شريكًا استراتيجيًا وضامنًا أساسيًا لأمن الدولة وسيادتها في مرحلة ما بعد الحرب. وبناءً على ذلك، من المرجح أن تستمر العلاقات الروسية السورية في المستقبل القريب ضمن إطار شراكة قائمة على المصالح المتبادلة، مع احتمالات لإعادة ضبطها بما يتماشى بشكل أفضل مع السيادة السورية ومع التحولات الإقليمية والدولية.
المصادر
- https://www.france24.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7/20251015-%D8%A3%D8%A2%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%B9-%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%AF%D8%A8%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%83%D9%88-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7؟
- https://journals.rudn.ru/public-administration/article/view/29651/20085
- https://journals.rudn.ru/public-administration/article/view/29651/20085
- https://www.brookings.edu/articles/russias-intervention-in-syria-protracting-an-already-endless-conflict/?
- https://acpss.ahram.org.eg/media/News/2025/1/7/2025-638718503009545943-954.pdf

