
إعداد
د. خلف المفتاح
كاتب و باحث سوري
سوريا
هل يُعاد تعريف المكيافيلية في عصرنا الحاضر بيافطة جديدة؟ وهل غابت المكيافيلية السياسية يوماً عن عالم السياسة الحقيقي ومخبأ دهاليزها وأقبيتها السرية؟ “هذا ما يجيبنا عنه مايكل والزر حين يتحدث عن السياسة بوصفها قفازاً نظيفاً يخفي أيادٍ قذرة، والمقصود هنا ما ينتهجه السياسي من مواقف وسلوكيات حيث يتظاهر الأمير -أي السياسي- بالأخلاق الحميدة دون أن يعني ذلك أنه يلتزم بها كثيراً. وفي ذاكرة التاريخ سلسلة لا تنتهي عن قادة كبار تحدثوا كثيراً عن السلام وكانت أيديهم ملطخة بالدماء، فالتناقض بين الخطاب ومجمل السلوك واضح ويعرّف عن نفسه، ويمكن أن نسوق عديد الأمثلة الحية على ذلك؛ فالولايات المتحدة الأمريكية ادعت عبر رئيسها آنذاك جورج بوش الابن أن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل ويتعامل مع تنظيم القاعدة، وشنت حرباً إجرامية عليه ذهب ضحيتها مئات آلاف العراقيين ولحق بالعراق دمار شامل، وبعد عدة سنوات اعترف وزير خارجيتها آنذاك كولن باول في جلسة علنية عقدها مجلس الأمن الدولي بأن الرواية الأمريكية المتعلقة بالحرب على العراق كانت كاذبة.
مثال آخر يتلطى بعنوان كاذب ومخادع يتمثل بالمجازر التي ارتكبت بحق الشعب الإندونيسي، ذهب ضحيتها أكثر من مليون مواطن بأيدٍ أمريكية تحت عنوان الديمقراطية ومحاربة ومواجهة ما سُمي آنذاك المد الشيوعي إبان فترة الحرب الباردة، ولا ننسى ما ارتكب من مجازر في دولنا العربية تحت مسمى محاربة الإرهاب. وتعج الذاكرة القريبة والبعيدة بعشرات الأمثلة؛ فالألمان والبلجيكيون والطليان قتلوا ملايين الأفارقة في القرن التاسع عشر، وعندما طُلب إليهم في فترة لاحقة الاعتذار عن تلك الجرائم رفضوا ذلك وتحدثوا عن مساعدات مالية للتعويض عن بعض الجرائم التي اقترفوها. وما يحدث في غزة منذ ثلاث سنوات من إجرام وسباحة في الدم الفلسطيني ودمار ممنهج أمام أعين العالم كله يتم تحت عنوان محاربة الإرهاب، الذي هو في جوهره مقاومة للاحتلال، الذي هو وفق القانون الدولي حق مشروع من حقوق الشعوب التي تقع تحت نير الاستعمار. وفي ذاكرة ومثال قريب عرفنا ما جرى في ميانمار من إجرام بحق أقليات عرقية ودينية دونما حسيب أو رقيب.
من هنا يمكننا القول إن العالم يشهد إعادة إنتاج للاستعمار والعنصرية البغيضة بتعريف جديد أو إعادة تعريف لمضمون واحد، ومع الأسف نجد ونرى ونسمع ساسة غربيين يتحدثون بشكل علني وغير موارب عن حروب غير عادلة ومع ذلك علينا أن نخوضها وننتصر فيها؛ فالحروب، ولا سيما التوسعية منها، لا تخضع لأي قانون أخلاقي، فالسياسة ربما كانت شراً من أجل تحقيق الخير ولا حرج في ذلك عند بعض الساسة. من هنا يصبح حديث مايكل والزر مكيافيلية مجددة بمعنى أن السياسي يجب أن يتعلم أن يكون شريراً إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك، والمصلحة هنا هي مصلحته هو أو ما يراها مصالح تخدم بلده بغض النظر عن شرعيتها من عدمه. من هنا جاءت فكرة أن السلطة الشرعية لها حق احتكار العنف للحفاظ على السلم الأهلي أو ما تراه شرعيتها في ذلك الاستخدام المفرط للقوة، علماً أن هذا الحق يتعلق بالدولة ذاتها وضمن إقليمها ولا يتجاوز ذلك حدود الإقليم. من هنا نرى اللعب على هذه المسألة بالحديث عن الأمن القومي خارج الإقليم، وهو حديث أمريكي إسرائيلي يسعى لتبرير فكرة التوسع والهيمنة، ولعلنا لاحظنا في الحروب التي تشنها إسرائيل منذ عدة سنوات خطاباً يتحدث عن ما سمي الدفاع المتقدم لتبرر احتلال أراضٍ عربية في غزة ولبنان وسورية، يتقاطع مع خطاب أمريكي مشابه، ما يعني أن تكريسه سيسقط مبدأ سيادة الدول على إقليمها، وهو المبدأ المقر منذ اتفاقية وستفاليا سنة 1648 والتي أُدرجت لاحقاً في ميثاق عصبة الأمم ولاحقاً في ميثاق الأمم المتحدة الذي لا زال معمولاً به نظرياً.
والحال: أن المشهد الدولي والنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية بدأ يشهد تصدعاً واضحاً منذ نهاية الحرب الباردة بداية تسعينات القرن الماضي عبر التمهيد الفكري والأيديولوجي لمنظرين أمريكان؛ سواء الفيلسوف الأمريكي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما عبر أطروحته المعنونة بـ “نهاية التاريخ” مبشراً فيها بانتصار الليبرالية الأمريكية على ما عداها من أيديولوجيات، وصولاً لصموئيل هنتنغتون “صراع الحضارات” التبشير بانتصار الحضارة الغربية على حضارات الشرق والجنوب بوصفها حضارة امتلكت كل عناصر القوة بحيث لا يمكن لما عداها جسر الهوة المعرفية والتقنية وفائض رأس المال المادي والاجتماعي بينهما، ومحاولة تكريس فكرة القرن الأمريكي عبر عنصر القوة المفرطة واللاأخلاقية ليكون مجالها العملي حربين أمريكيتين تدميريتين كانت ساحتهما أفغانستان والعراق تحت مسمى محاربة التطرف الإسلامي وأزعومة امتلاك أسلحة الدمار الشامل تمهيداً لما سُمي العصر الأمريكي تحت يافطة “أمريكا قوية والعالم خائف”، مقولة كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي حينذاك.
وننهي أن ما يشهده العالم من فوضى عارمة في مواجهة الاستقرار البناء الذي تتبناه عديد دول العالم، ولا سيما دول العالم الثالث، ويحظى بمساندة من الصين والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان ودول أخرى أخذت تحتل مساحة هامة في المشهد الدولي، يُعوَّل عليه في عملية ضبط ولجم ذلك الانحراف الخطير الذي يهدد بشكل جذري الأمن والاستقرار الدولي عبر استراتيجية مواجهة مركبة ليست بالضرورة ذات طابع عسكري، وإنما تحالف اقتصادي وسياسي وأمني يرافقه ويوازيه تحرك عبر المؤسسات الدولية يعيد الاعتبار لهيئة الأمم المتحدة والشرعية الدولية، في ظل محاولات أمريكية لتهميش دورها عبر ما يسمى “مجلس السلام العالمي” الذي يترأسه الرئيس دونالد ترامب في سعي منه لتعزيز فائض القوة الأمريكية بزعامة أممية عبر ديكور أممي يسعى لشرعنتها في عملية تضليل وخداع واضحة.

