On Research

مقالات تحليلية

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُغيّر جوهر دور السياسة النقدية وآليات عملها في القرن الحادي والعشرين؟

Email :534

 

إعداد

أحمد حسين فتحي

باحث اقتصادى

جمهورية مصر العربية

 

تُعدّ السياسة النقدية من أهم الأدوات التي تمتلكها الحكومات والبنوك المركزية للتأثير على النشاط الاقتصادي وتحقيق الاستقرار المالي، فمنذ تأسيس البنوك المركزية الحديثة، ظلّت السياسة النقدية تلعب دورًا محوريًا في التحكم بالتضخم، وتعزيز النمو الاقتصادي، والحفاظ على استقرار الأسعار والعملة. كما تعمل البنوك المركزية من خلال مجموعة من الآليات التقليدية التي تشمل تحديد أسعار الفائدة، والتحكم في المعروض النقدي، وإدارة السيولة في النظام المصرفي، بهدف تحقيق أهداف اقتصادية كلية مثل التوظيف الكامل واستقرار الأسعار.​

لكن مع دخولنا القرن الحادي والعشرين، شهد العالم تطورات تكنولوجية هائلة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي الذي بدأ يتغلغل في جميع جوانب الحياة الاقتصادية والمالية، وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا، هل يمكن لهذه التقنية الثورية أن تُحدث تحولًا جذريًا في طريقة عمل السياسة النقدية ذاتها؟ وهل سيشهد دور البنوك المركزية وآليات صنع القرار النقدي تغييرًا جوهريًا نتيجة اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

لفهم التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي، من الضروري استعراض التطور التاريخي للسياسة النقدية. ففي القرن العشرين، اعتمدت البنوك المركزية بشكل رئيسي على الأدوات التقليدية والتي تتضمن أسعار الفائدة قصيرة الأجل، حيث تستخدم البنوك المركزية معدلات الفائدة كأداة أساسية للتأثير على تكلفة الاقتراض وبالتالي على الاستهلاك والاستثمار.

كذلك وعمليات السوق المفتوحة، من خلال شراء أو بيع السندات الحكومية للتحكم في السيولة المتاحة في النظام المصرفي. وأخيراً متطلبات الاحتياطي حيث تحديد نسبة الأموال التي يجب على البنوك الاحتفاظ بها كاحتياطي.

لكن الأزمة المالية العالمية عام 2008 كشفت عن قصور هذه الأدوات التقليدية، خاصة عندما وصلت أسعار الفائدة إلى ما يُسمى “الحد الأدنى الصفري”  ونتيجة لذلك، ابتكرت البنوك المركزية أدوات غير تقليدية مثل​ التيسير الكمي الذي يتضمن شراء أصول مالية واسعة النطاق لزيادة المعروض النقدي وخفض أسعار الفائدة طويلة الأجل، والتوجيه المستقبلي حيث تقدم البنوك المركزية إشارات واضحة حول نواياها المستقبلية في السياسة النقدية لتشكيل توقعات السوق، وايضاً أسعار الفائدة السالبة حيث أنه في بعض الاقتصادات المتقدمة، تم تطبيق معدلات فائدة سالبة لتشجيع الإقراض والإنفاق، وهذه التطورات تعكس قدرة البنوك المركزية على التكيف مع الظروف المتغيرة، والآن، مع ظهور الذكاء الاصطناعي، نقف على عتبة تحول محتمل آخر قد يكون أكثر عمقًا وجذرية.

ويبقى السؤال الأهم وهو كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر على آليات السياسة النقدية؟

أحد أهم التطبيقات المحتملة للذكاء الاصطناعي في السياسة النقدية هو تحسين التنبؤ بالمتغيرات الاقتصادية الكلية مثل التضخم والنمو الاقتصادي والبطالة، حيث تستخدم البنوك المركزية تقليديًا نماذج اقتصادية قياسية تعتمد على بيانات تاريخية ومؤشرات اقتصادية محدودة، لكن الذكاء الاصطناعي، وخاصة تقنيات التعلم الآلي مثل الشبكات العصبية، يمكنها معالجة كميات ضخمة من البيانات المتنوعة والمعقدة بطرق تفوق القدرات البشرية.​

جدير بالذكر انه أظهرت الدراسات أن نماذج التعلم الآلي يمكنها تحسين دقة توقعات التضخم مقارنة بالنماذج التقليدية، على سبيل المثال، استُخدمت الشبكات العصبية المتكررة الهرمية للتنبؤ بمكونات مؤشر أسعار المستهلك، وأظهرت تفوقًا ملحوظًا في التعامل مع التقلبات في المستويات الأدنى من التسلسل الهرمي للأسعار، كما يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي دمج مصادر بيانات غير تقليدية مثل وسائل التواصل الاجتماعي، والأخبار، وبيانات بطاقات الائتمان، وصور الأقمار الصناعية لتوفير مؤشرات اقتصادية فورية.

كما تُعتبر معالجة اللغة الطبيعية من التطبيقات الواعدة للذكاء الاصطناعي في السياسة النقدية، حيث يمكن للبنوك المركزية استخدام خوارزميات التعلم الآلي لتحليل بياناتها العامة وتقييم كيفية استقبال الأسواق لقراراتها وتوقعاتها، على سبيل المثال، طُوّرت نماذج تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات البنك المركزي الأوروبي وتصنيف السياسة النقدية إلى توسعية أو تقييدية أو محايدة، ما يساعد في تحسين التنبؤ بالقرارات المستقبلية.​

كما يمكن استخدام NLP لاستخلاص مؤشرات الثقة والتوقعات الاقتصادية من البيانات النصية مثل محاضر اجتماعات لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية أو البيانات الصحفية للبنوك المركزية.

تتطلب السياسة النقدية الفعالة ردود فعل سريعة على التطورات الاقتصادية، لكن البيانات الاقتصادية الرسمية غالبًا ما تُنشر متأخرة، مما يحد من قدرة صانعي السياسات على الاستجابة في الوقت المناسب. يمكن للذكاء الاصطناعي معالجة بيانات عالية التردد وتوفير تقديرات فورية للظروف الاقتصادية الحالية، وهذا النوع من القدرات يمكن أن يُحدث ثورة في سرعة ودقة القرارات النقدية.​

كما يمكن للبنوك المركزية أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي في رصد المخاطر النظامية وتحديد نقاط الضعف في النظام المالي قبل تفاقمها، كما أن تقنيات التعلم الآلي قادرة على تحليل العلاقات المعقدة بين المؤسسات المالية واكتشاف الأنماط التي قد تشير إلى تراكم مخاطر نظامية.​

على سبيل المثال، يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي تحليل شبكات الائتمان بين البنوك وتحديد المؤسسات المالية ذات الأهمية النظامية التي قد تؤدي أزماتها إلى انهيار متسلسل، كما يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في اتخاذ قرارات الإنقاذ المالي عبر تعلم السياسات المثلى التي تقلل الخسائر المتوقعة لدافعي الضرائب.​

إذن ما الفوائد المحتملة لتطبيق الذكاء الاصطناعي في السياسة النقدية؟

واحدة من أبرز الفوائد هي تحسين دقة التوقعات الاقتصادية، حيث أن تقنيات التعلم الآلي قادرة على اكتشاف أنماط وعلاقات غير خطية معقدة في البيانات قد لا تكون واضحة في النماذج التقليدية، هذا يعني أن البنوك المركزية يمكنها اتخاذ قرارات أكثر استنارة بناءً على توقعات أكثر دقة للتضخم والنمو الاقتصادي.​

علاوة على ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي معالجة كميات ضخمة من البيانات من مصادر متعددة بسرعة فائقة، مما يوفر رؤى شاملة ومحدثة عن الظروف الاقتصادية، وهذا التحليل الشامل يمكن أن يساعد في تحديد التهديدات الناشئة والفرص بشكل أسرع من الأساليب التقليدية.​

كما يمكن للذكاء الاصطناعي أيضًا أن يُحسّن من شفافية السياسة النقدية من خلال توفير أدوات لتحليل وتفسير البيانات العامة للبنوك المركزية بطريقة يسهل فهمها، وهذا يمكن أن يعزز فهم الجمهور والأسواق لنوايا البنوك المركزية، مما يحسن فعالية التوجيه المستقبلي كأداة سياسية.​

كذلك يمكن لمؤشرات القابلية للقراءة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تساعد البنوك المركزية في تحسين وضوح تواصلها مع الجمهور والأسواق المالية، مما يقلل من عدم اليقين ويدعم استقرار التوقعات الاقتصادية.​

كما في أوقات الأزمات الاقتصادية، تكون السرعة والدقة في اتخاذ القرار أمرًا بالغ الأهمية، حيث أظهرت الدراسات أن نماذج الذكاء الاصطناعي يمكنها تقديم تحذيرات مبكرة حول التطورات الاقتصادية المقلقة، مما يمنح البنوك المركزية وقتًا أطول للاستجابة، فعلى سبيل المثال، خلال جائحة كوفيد-19، أظهرت نماذج التعلم الآلي قدرة أفضل على التقاط التطورات السريعة في التضخم مقارنة بالتوقعات التقليدية.​

علاوة على ذلك يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد البنوك المركزية في تحسين تخصيص الموارد وأتمتة المهام الروتينية، مما يسمح للخبراء البشريين بالتركيز على التحليلات الاستراتيجية المعقدة، وهذا يشمل أتمتة عمليات جمع البيانات، ومعالجتها، وإعداد التقارير، مما يوفر الوقت والجهد.​

وعلى الرغم من الفوائد الواعدة، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في السياسة النقدية يحمل أخطار وتحديات جادة يجب معالجتها بعناية.

أحد أكبر المخاطر هو احتمالية الأخطاء التنبؤية، حيث أن نماذج الذكاء الاصطناعي، وخاصة تلك المعتمدة على التعلم الآلي، تُدرّب على بيانات تاريخية وقد لا تكون قادرة على التعامل بشكل جيد مع الأحداث غير المسبوقة، على سبيل المثال، إذا حدثت أزمة اقتصادية لم تشهدها البيانات التاريخية من قبل، فقد تفشل النماذج في التنبؤ بها أو التعامل معها بشكل صحيح.​

كما أن النماذج المعقدة قد تعاني من التكيف المفرط مع البيانات التدريبية، مما يؤدي إلى أداء ضعيف عند مواجهة بيانات جديدة، وهذا يشكل خطرًا خاصًا في السياق الاقتصادي حيث الظروف تتغير باستمرار.​

بالإضافة إلى أن التحيزات الخوارزمية تمثل تحديًا خطيرًا آخر، إذا كانت البيانات المستخدمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي تحتوي على تحيزات تاريخية أو تمثيل غير متوازن لمجموعات اجتماعية معينة، فإن القرارات الناتجة قد تُديم أو حتى تفاقم عدم المساواة الاقتصادية.​

على سبيل المثال، إذا استُخدمت نماذج الذكاء الاصطناعي في تقييم الائتمان أو تحديد أولويات الدعم الحكومي، فإن التحيزات المدمجة في البيانات التاريخية يمكن أن تؤدي إلى تمييز غير عادل ضد فئات معينة من المجتمع، وهذا في سياق السياسة النقدية، قد يعني ذلك أن بعض القطاعات أو المناطق الجغرافية تُهمل في التحليلات أو التوصيات السياسية.​

كما تُعرف بعض نماذج الذكاء الاصطناعي، خاصة الشبكات العصبية العميقة، بأنها صناديق سوداء يصعب تفسيرها، وهذا يعني أن صانعي السياسات قد لا يفهمون تمامًا كيف توصلت النماذج إلى توصياتها، مما يجعل من الصعب تبرير القرارات السياسية أمام الجمهور والمساءلة الديمقراطية.​

كما أنه في السياق المالي والنقدي، حيث الثقة والشفافية أمران حاسمان، قد يكون من الصعب على البنوك المركزية اعتماد قرارات تعتمد على نماذج لا يمكن تفسيرها بوضوح، وهذا قد يُقوّض المصداقية والثقة في المؤسسات المالية.​

وجدير بالذكر أن السياسة النقدية ليست مجرد عملية حسابية؛ بل تتطلب حكمًا خبيرًا وفهمًا للسياق السياسي والاجتماعي الذي يعمل فيه الاقتصاد، فالقرارات النقدية غالبًا ما تتضمن مقايضات معقدة بين أهداف متعددة مثل التضخم والتوظيف، وتأخذ في الاعتبار عوامل نوعية يصعب قياسها كميًا.​

كما أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تجاهل الأحكام البشرية المهمة وتقليل المرونة في التعامل مع الظروف الاستثنائية، علاوة على ذلك، إذا أصبحت القرارات آلية بالكامل، قد يُثار التساؤل حول المساءلة، حيث من المسؤول عندما تخطئ الخوارزمية؟​

كذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في السياسة النقدية يمكن أن يُدخل أخطار نظامية جديدة، على سبيل المثال إذا اعتمدت عدة بنوك مركزية أو مؤسسات مالية على نماذج ذكاء اصطناعي مماثلة، فقد تؤدي الأخطاء المشتركة إلى ردود فعل متزامنة تُضخّم التقلبات الاقتصادية بدلاً من تخفيفها.​

علاوة على ذلك، تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي على كميات ضخمة من البيانات، مما يجعلها عرضة للتهديدات السيبرانية والتلاعب بالبيانات، حيث اختراق أنظمة الذكاء الاصطناعي في البنوك المركزية يمكن أن يكون له عواقب وخيمة على الاستقرار المالي والاقتصادي.​

كذلك تعتمد فعالية نماذج الذكاء الاصطناعي بشكل كبير على جودة البيانات المتاحة، إذا كانت البيانات غير دقيقة أو غير كاملة أو قديمة، فإن النتائج ستكون مضللة، ففي العديد من الاقتصادات الناشئة، قد تكون البيانات الاقتصادية الموثوقة محدودة، مما يحد من إمكانية تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل فعال.​

كما أن استخدام البيانات البديلة مثل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي يثير قضايا تتعلق بخصوصية البيانات والامتثال للوائح حماية البيانات.​

وفي ضوء الفوائد والمخاطر المذكورة، يبدو أن المستقبل الأمثل للسياسة النقدية لا يكمن في استبدال البشر بالآلات بالكامل، بل في نموذج هجين يجمع بين قوة الذكاء الاصطناعي والحكمة البشرية.

لنعرض نموذج مهم في هذا السياق ألا وهو نموذج “الإنسان في الحلقة” حيث يعد أحد الأطر الواعدة، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتوفير تحليلات ورؤى متقدمة، بينما يحتفظ البشر بالسلطة النهائية في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، هذا النموذج يجمع بين قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة البيانات الضخمة بسرعة وبين قدرة البشر على فهم السياقات المعقدة واتخاذ أحكام قيمية.​

وفي هذا الإطار، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دور المساعد الذي يوفر توقعات محسّنة، ويكشف عن أنماط مخفية، ويُنبّه إلى المخاطر المحتملة، لكن القرارات النهائية بشأن أسعار الفائدة، وحجم التيسير الكمي، وغيرها من الأدوات النقدية، تبقى في أيدي صانعي السياسات البشريين الذين يمكنهم أخذ العوامل السياسية والاجتماعية والأخلاقية في الاعتبار.​

ولضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول في السياسة النقدية، يجب على البنوك المركزية تطوير أطر حوكمة شاملة، وهذا يشمل معايير أخلاقية واضحة حيث وضع مبادئ توجيهية لاستخدام الذكاء الاصطناعي تضمن العدالة والشفافية والمساءلة، وتقييم المخاطر المستمر حيث إجراء تقييمات دورية لمخاطر نماذج الذكاء الاصطناعي والتحقق من جودة البيانات، والشفافية والقابلية للتفسير حيث تفضيل نماذج يمكن تفسيرها أو تطوير أساليب لتفسير نماذج الصندوق الأسود مثل تقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير،  بالإضافة الى التدريب والتطوير المهني حيث الاستثمار في تدريب الموظفين على فهم تقنيات الذكاء الاصطناعي وحدودها،​ وأخيراً التعاون الدولي حيث نظرًا للطبيعة العالمية للاقتصاد والتكنولوجيا، يجب على البنوك المركزية التعاون في تطوير معايير ومبادئ توجيهية مشتركة لاستخدام الذكاء الاصطناعي.​

ومن الضروري أن تُعطى الأولوية للنماذج القابلة للتفسير في التطبيقات الحساسة مثل السياسة النقدية، والتي يمكن أن تساعد في توضيح كيفية عمل نماذج التعلم الآلي المعقدة.​

علاوة على ذلك، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) بحذر لتوليد سيناريوهات محتملة وتحليل تأثير السياسات المختلفة، بشرط أن يتم التحقق من نتائجها بدقة من قبل الخبراء.​

ومن المهم ايضًا أن يتم تطبيق الذكاء الاصطناعي بطريقة تدعم، بدلاً من أن تُقوّض استقلالية البنوك المركزية، حيث إذا أصبحت القرارات النقدية مؤتمتة بالكامل وخاضعة لخوارزميات يمكن التلاعب بها أو فهمها من قبل جهات خارجية، فقد يُثير ذلك مخاوف بشأن المساءلة الديمقراطية والتدخلات السياسية.​

كما يجب أن تُبقي البنوك المركزية على السيطرة الكاملة على أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها وأن تضمن أن استخدامها يعزز، بدلاً من أن يُضعف، قدرتها على تحقيق أهدافها المستقلة.

فبدلاً من التبني الكامل والفوري للذكاء الاصطناعي في جميع جوانب السياسة النقدية، قد يكون من الحكمة اتباع نهج تدريجي وتجريبي، حيث يمكن للبنوك المركزية البدء بتطبيقات محدودة ومنخفضة المخاطر، وتقييم النتائج، ثم التوسع تدريجيًا بناءً على ما تم تعلمه.​

على سبيل المثال، يمكن البدء باستخدام الذكاء الاصطناعي في التحليل البحثي الداخلي أو في رصد المخاطر دون الاعتماد عليه مباشرة في قرارات السياسة النقدية الرئيسية، ومع مرور الوقت وزيادة الثقة في النماذج، يمكن توسيع استخدامها بشكل أكبر.​

في نهاية هذا التحليل، يمكننا القول إن الذكاء الاصطناعي لديه بالفعل القدرة على تغيير جوهر دور السياسة النقدية وآليات عملها في القرن الحادي والعشرين، لكن ليس بطريقة الاستبدال الكامل أو الثورة الجذرية المفاجئة، فبدلاً من ذلك، نحن نشهد تطورًا تدريجيًا نحو تعزيز القدرات الموجودة وإضافة أدوات جديدة إلى ترسانة صانعي السياسات النقدية.

والفوائد المحتملة واضحة حيث تحسين دقة التنبؤات، معالجة أسرع للبيانات الضخمة، رصد أفضل للمخاطر النظامية، وقدرة أكبر على التعامل مع التعقيد الاقتصادي المتزايد، وهذه التحسينات يمكن أن تساعد البنوك المركزية على تحقيق أهدافها بشكل أكثر فعالية وكفاءة.​

لكن في الوقت نفسه، المخاطر والتحديات جدية ولا يمكن تجاهلها حيث الأخطاء التنبؤية، التحيزات الخوارزمية، انعدام الشفافية، فقدان العنصر البشري في الحكم، والمخاطر النظامية الجديدة، وهذه التحديات تتطلب نهجًا حذرًا ومدروسًا في تبني الذكاء الاصطناعي.​

إن المستقبل المثالي يكمن في نموذج هجين يجمع بين الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية، حيث تُستخدم التكنولوجيا كأداة قوية لتعزيز القدرات التحليلية، بينما يحتفظ البشر بالدور المركزي في اتخاذ القرارات الاستراتيجية النهائية، وهذا النموذج يتطلب أ​طر حوكمة قوية وشفافة والتزامًا بالمبادئ الأخلاقية واستثمارًا مستمرًا في التدريب والتطوير وتعاونًا دوليًا وتبادل الخبرات ومرونة في التكيف مع التطورات التكنولوجية المستمرة

في النهاية، الذكاء الاصطناعي ليس حلاً سحريًا ولا تهديدًا وجوديًا، بل هو أداة قوية يجب استخدامها بحكمة ومسؤولية، البنوك المركزية التي تستطيع تحقيق التوازن الصحيح بين الابتكار التكنولوجي والحكم البشري السليم ستكون في أفضل وضع لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والازدهار في العقود القادمة، حيث إن التحول الرقمي في السياسة النقدية ليس مسألة “إذا” بل “كيف ومتى”. والإجابة الحكيمة تكمن في التبني المدروس والمتوازن الذي يعظّم الفوائد ويقلل المخاطر، مع الحفاظ دائمًا على القيم الأساسية للمساءلة والشفافية والخدمة العامة التي يجب أن تُوجّه السياسة النقدية.

 

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts