
إعداد
د. زياد أيوب عربش
مستشار في شؤون الاقتصاد والطاقة
سوريا
تستعد البرازيل لاستضافة مؤتمر الأطراف الثلاثين للتغير المناخي (COP30)، في محطة جديدة ضمن المسار التفاوضي العالمي المستمر منذ اتفاقية كيوتو. هذا المؤتمر لا يمثل حدثاً بروتوكولياً روتينياً، بل محطة مفصلية لإعادة ضبط توازن الحقوق والمسؤوليات بين الدول الصناعية الكبرى والدول النامية. تأتي هذه الأهمية في وقت تواجه فيه الدول العربية آثاراً مناخية مركبة تهدد مقومات تنميتها، بينما لم تحصل حتى الآن على نصيب عادل من التمويل المناخي والدعم التقني اللازم لمواجهة هذه التحديات.
الإطار التاريخي والمسؤولية المتباينة :
منذ اتفاقية كيوتو عام 1997، تأسس المبدأ الدولي الحاكم للملف المناخي: “المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة”. هذا المبدأ يعترف بأن الدول الصناعية في “المرفق الأول” تتحمل العبء الأكبر في معالجة أزمة المناخ، كونها المساهم الأكبر في الانبعاثات التاريخية. بينما كرست اتفاقية كيوتو هذا المبدأ، أعاد اتفاق باريس 2015 صياغته وتوسيعه، ملزماً جميع الدول بالمشاركة في جهود التخفيف والتكيف، دون أن يلغي مفهوم العدالة المناخية الجوهرية.
على الرغم من هذه الأطر الدولية والآليات التمويلية القائمة مثل أسواق الكربون وصندوق المناخ الأخضر، بقيت الدول العربية في موقع المستفيد الأقل. يعود هذا الواقع إلى جملة تحديات هيكلية، أبرزها ضعف البنى المؤسسية وقلة الجاهزية الفنية، إضافة إلى التحديات السياسية، وعدم وجود استراتيجيات وطنية وإقليمية منسقة بوضوح، ناهيك عن محدودية المشاركة الفعلية والفاعلة في اجتماعات ما قبل المؤتمرات وحلقات صنع القرار.
COP30 منصة للتحول من الدفاع إلى المطالبة الفاعلة :
هنا، تظهر الأهمية الاستراتيجية لـ COP30. فالمؤتمر لا يقتصر على جلسات تفاوضية وإجراءات بروتوكولية؛ بل يمثل فرصة تاريخية لتفعيل ما لم يُفعّل في السنوات الماضية. على الدول العربية أن تبدأ بتحويل ملفاتها المناخية من مقاربة دفاعية قائمة على “الشكوى” وردود الفعل، إلى مقاربة هجومية استباقية قائمة على “المطالبة بالحقوق” وإثبات “التأثير” و”جذب الاستثمارات المستدامة”. يمكن تحقيق ذلك من خلال تقديم دراسات حالة مفصلة عن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لتغير المناخ على المنطقة، وعرض مشاريع استثمارية مجدية قابلة للتمويل في مجالات الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والإدارة المستدامة للمياه.
التحديات الجيوسياسية والأبعاد الإقليمية :
لا تقتصر التحديات التي تواجه المنطقة على الجوانب التقنية والفنية فقط، بل تتعداها إلى معادلة إقليمية جديدة ذات طابع جيوسياسي واضح. فالتوسع الإسرائيلي في السيطرة على الموارد الطبيعية في الأراضي المحتلة وفي البيئة الإقليمية، مستغلاً التحولات السياسية الجديدة والتحالفات الدولية ومساحات التطبيع، يشكل تهديداً مباشراً للأمن المائي والغذائي والبيئي للدول العربية. هذه الديناميكية تقيد إمكانيات التنمية المستدامة وتزيد من هشاشة المنطقة أمام الصدمات المناخية. لذلك، يجب أن يكون الرد العربي منسقاً لوضع هذه القضايا على طاولة المفاوضات، وربط أي دعم أو تعاون دولي بضمان الحقوق البيئية والمناخية للشعب الفلسطيني والدول المجاورة.
الطريق إلى الريادة: استراتيجيات للمشاركة الفاعلة :
تمتلك الدول العربية فرصة تاريخية في COP30 لتغيير موقعها من “طرف متلقٍ” إلى “طرف فاعل ومؤثر”. تحقيق هذا التحول يتطلب:
– توحيد الموقف التفاوضي العربي: إعداد وثيقة تفاوضية عربية موحدة تحدد الأولويات والمطالب المشتركة، بدلاً من التشرذم والمواقف المتفرقة.
– رفع مستوى التحضير الفني والعلمي: تشكيل فرق عمل فنية متخصصة مزودة ببيانات دقيقة ونماذج محاكاة لتأثيرات المناخ، قادرة على التفاعل مع نظيراتها الدولية بلغة الأرقام والدراسات العلمية.
– تطوير استراتيجيات وطنية منسقة: الانتقال من المشاريع العشوائية قصيرة الأجل إلى خطط وطنية شاملة ومندمجة، تركز على القطاعات الأكثر تأثراً وتأثيراً مثل المياه والزراعة والطاقة.
– بناء تحالفات دولية استراتيجية: تعزيز التعاون مع دول الجنوب (أفريقيا، آسيا، أمريكا اللاتينية) التي تشترك في نفس الهموم، وكذلك مع المؤسسات المالية الدولية، لخلق كتلة تفاوضية قادرة على تحقيق مكاسب جماعية.
– تفعيل الدبلوماسية الإعلامية والعلمية: استخدام المنصات الإعلامية العالمية لعرض الخصوصية المناخية للمنطقة وتأثيراتها الإقليمية، وإبراز قصص النجاح العربية في مجالات التكيف والتخفيف.
خلاصة
إن المشاركة العربية في COP30 ليست مجرد حضور شكلي أو التزام بروتوكولي، بل هي ضرورة استراتيجية لتعظيم الحقوق المناخية ضمن إطار العدالة العالمية. إنها بوابة لتحقيق استفادة حقيقية من آليات التمويل ونقل التكنولوجيا، ولبناء تنمية مستدامة قادرة على مواجهة التحولات البيئية – والسياسية – التي تشهدها المنطقة. المستقبل المناخي لم يعد ملفاً بيئياً هامشياً؛ بل أصبح ملف أمن قومي وتنموي واستراتيجي بامتياز. واللحظة الراهنة تتطلب صحوة عربية تجعل من أزمة المناخ فرصة لبناء نموذج تنموي جديد، أكثر مرونة واستدامة وعدالة.








