On Research

وحدة الدراسات السياسية

تقدير موقف :إيران وإسرائيل على حافة حرب جديدة، الأبعاد والتوقع

Email :1367

إعداد

  د. ريم أبو الخير

إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني

جمهورية مصر العربية

 

التوتر بين إيران وإسرائيل تجاوز إطار حرب الظل وتبادل الرسائل غير المباشرة، ودخل مرحلة أكثر حساسية وتعقيدًا، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والاعتبارات الإقليمية والدولية. ومع تصاعد المؤشرات الميدانية وكثرة التصريحات المتبادلة، يبرز سؤال جوهري، هل نحن أمام مواجهة قادمة؟ ومن قد يوجّه الضربة الأولى؟

 

مشهد إقليمي شديد الهشاشة

المنطقة اليوم تعيش على وقع توترات متراكمة وبؤر صراع مفتوحة، تجعل أي تصعيد محدود قابلًا للتحول إلى أزمة أوسع. من غزة إلى جنوب لبنان، ومن الساحة السورية إلى البحر الأحمر والخليج، تتداخل الجبهات وتتشابك المصالح، ما يضع الشرق الأوسط في حالة استعداد دائم لأي انفجار غير محسوب.

في هذا السياق، تنظر إسرائيل إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديدًا وجوديًا لا يمكن التعايش معه، بينما ترى إيران أن أمنها القومي وسيادتها خط أحمر، وأن أي استهداف مباشر لأراضيها أو منشآتها سيقابَل برد حاسم، ولو بوسائل غير تقليدية.

مؤشرات التصعيد الأخيرة

حملت الأسابيع الأخيرة إشارات تنذر بتصعيد محتمل

  • مناورات واختبارات صاروخية إيرانية تُقرأ في تل أبيب على أنها رسائل ردع، وربما استعدادات لأسوأ الاحتمالات.
  • تحذيرات إسرائيلية متكررة لحلفائها من أن طهران تقترب من “نقطة اللاعودة” في ملفها النووي.
  • استمرار الحرب الاستخباراتية والعمليات السيبرانية والضربات غير المعلنة، ما يعكس انتقال الصراع إلى مستويات أكثر تعقيدًا.

هذه التطورات لا تعني بالضرورة أن الحرب الشاملة وشيكة، لكنها تؤكد أن هامش الخطأ أصبح ضيقًا للغاية.

الحسابات الاستراتيجية للطرفين، بين منع الحرب واحتمال اندلاعها

رغم الخطاب التصعيدي، لا يبدو أن أيًا من الطرفين يسعى فعليًا إلى حرب مفتوحة في الوقت الراهن.

إسرائيل تدرك أن مواجهة مباشرة مع إيران قد تعني حربًا متعددة الجبهات، تشمل لبنان وغزة وربما ساحات أخرى، مع تكلفة بشرية واقتصادية باهظة وضغط دولي متزايد.
أما إيران، فتعلم أن حربًا شاملة قد تفتح الباب لتدخل دولي واسع، وتضع اقتصادها تحت ضغوط غير محتملة، وهو ما يتعارض مع استراتيجيتها القائمة على الصبر الاستراتيجي وتراكم النفوذ.

لكن المفارقة أن رغبة الطرفين في تجنّب الحرب لا تلغي احتمالات الانزلاق إليها، خاصة إذا فُرضت معادلة جديدة بالقوة.

سيناريوهات الشرارة الأولى

التحليل الواقعي يشير إلى عدة سيناريوهات قد تشعل المواجهة:

  1. ضربة إسرائيلية استباقية محدودة

قد تستهدف منشأة نووية أو موقعًا عسكريًا نوعيًا داخل إيران، في محاولة لتغيير ميزان الردع دون الذهاب إلى حرب شاملة. غير أن هذا الخيار يحمل خطر الرد الإيراني المباشر أو غير المباشر.

  1. انفجار الجبهة اللبنانية

أي تصعيد كبير بين إسرائيل وحزب الله، خاصة إذا طال شخصيات قيادية أو أدى إلى خسائر واسعة، قد يجرّ إيران سياسيًا وعسكريًا إلى قلب المواجهة.

  1. استهداف مواقع حيوية

ضرب منشآت طاقة أو ممرات ملاحية أو ناقلات نفط سيحوّل الصراع من إقليمي إلى دولي، لما له من تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي.

  1. اغتيال نوعي يغيّر قواعد اللعبة

اغتيال قائد عسكري بارز أو شخصية أمنية رفيعة قد يُجبر الطرف المستهدف على رد قوي لتثبيت معادلة الردع، حتى لو لم يكن يرغب بالتصعيد.

التأثير الإقليمي المحتمل

أي تصعيد، حتى لو كان محدودًا، لن يبقى محصورًا بين طهران وتل أبيب:

  • لبنان سيكون الساحة الأكثر هشاشة، مع مخاطر دمار واسع وانهيار اقتصادي أعمق.
  • سوريا ستظل مسرحًا مفتوحًا لتبادل الرسائل العسكرية.
  • الخليج سيواجه مخاوف متزايدة تتعلق بأمن الطاقة والملاحة.
  • القضية الفلسطينية ستتأثر مباشرة بتشديد عسكري وتصعيد ميداني إضافي.

السيناريو الأرجح

في المدى القريب، يبدو أن الاحتمال الأكبر هو:

  • استمرار الصراع غير المباشر
  • ضربات محدودة ومدروسة
  • تصعيد استخباراتي وسيبراني
  • رسائل قوة دون إعلان حرب رسمية

أما الحرب الشاملة، فتبقى خيارًا مؤجلًا، لكنه غير مستبعد إذا وقع خطأ  كبير في الحسابات.

ما يدور بين إيران وإسرائيل ليس سباقًا نحو الحرب بقدر ما هو صراع على فرض قواعد اشتباك جديدة دون كسر التوازن بالكامل.
الضربة الأولى — إن وقعت — قد لا تكون صاروخًا فقط، بل قرارًا خاطئًا، أو عملية محسوبة تخرج عن السيطرة. وفي منطقة مثقلة بالتوترات، يكفي خطأ واحد لتحويل لعبة الردع الباردة إلى مواجهة مفتوحة لا يعرف أحد مداها.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts