On Research

مقالات تحليلية

الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر

Email :1219

إعداد

عبدالرحمن ممدوح الجمل

بكالوريوس الاقتصاد 

كلية  الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الاسكندرية

جمهورية مصر العربية

 

مقدمة

يلعب الاستثمار الأجنبي المباشر دوراً جوهرياً في سد فجوة الادخار المحلي في البلدان النامية، وبصفة خاصة مصر؛ حيث يعمل على تعزيز الاستثمار المحلي وتكوين رأس المال البشري، وبالتالي يزيد الإنتاج المحلي. كما يؤدي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى تحويل تقنيات الإنتاج والمعرفة التكنولوجية المتقدمة من بلد المنشأ إلى البلد المضيف، مما يؤدي إلى زيادة جودة الإنتاج وخلق منتجات وفرص عمل جديدة، بجانب خلق روابط خلفية وأمامية مع غيرها من القطاعات الاقتصادية.

كما يعمل الاستثمار الأجنبي المباشر على توسيع نطاق التجارة وتسهيل اختراق الأسواق الأجنبية وبالتالي زيادة الصادرات؛ نستنتج من ذلك أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لها دور محوري في تعزيز الاستثمار المحلي للبلد المضيف من ناحية، بالإضافة إلى زيادة الصادرات للخارج من ناحية أخرى، وبالتالي زيادة الناتج والنمو الاقتصادي بالدولة المضيفة (نصير، 2025).

أولاً: تعريف الاستثمار الأجنبي المباشر

يُعْرَف الاستثمار الأجنبي المباشر بأنه علاقة طويلة الأجل؛ حيث يعكس منفعة وسيطرة دائمتين للمستثمر الأجنبي أو الشركة الأم في فرع أجنبي قائم في دولة مضيفة غير تلك التي ينتميان إلى جنسيتها (المولى، 2018).

يُعْرَف أيضاً الاستثمار الأجنبي المباشر بأنه ذلك النوع من أنواع الاستثمار الدولي الذي يعكس حصول المستثمر المباشر في اقتصاد ما على مصلحة دائمة في مؤسسة الاستثمار المباشر في اقتصاد آخر. تنطوي المصلحة الدائمة على وجود علاقة طويلة الأجل بين المستثمر المباشر والمؤسسة، بالإضافة إلى تمتع المستثمر بدرجة كبيرة من النفوذ في إدارة المؤسسة. ولا يقتصر الاستثمار المباشر على المعاملة المبدئية أو الأصلية التي أدت إلى قيام العلاقة المذكورة بين المستثمر والمؤسسة، بل يشمل أيضاً جميع المعاملات التالية بينهما (غراب، 2018).

ثانياً: العناصر الأساسية للاستثمار الأجنبي المباشر

  • أن يكون الاستثمار خارج حدود بلد الموارد المالية.

  • نية المستثمر المشاركة في إدارة هذه الموارد.

  • قبول الدولة المستقبلة لهذه الموارد بمبدأ المشاركة أو العمل واقتسام ثمار العملية الاستثمارية (المرجع السابق).

ثالثاً: أشكال الاستثمار الأجنبي المباشر

يوجد العديد من الأشكال للاستثمار الأجنبي المباشر منها:

  • الاستحواذ: يقصد به أن يمتلك المستثمر الأجنبي نسبة لا تقل عن 95% من رأس مال مشروع قائم بالفعل.

  • الاستحواذ الجزئي: يقصد به أن يمتلك المستثمر الأجنبي نسبة لا تقل عن 10% من رأس مال مشروع قائم بالفعل.

  • الاستثمار المشترك: يقصد به وجود مشاركة بين رأس المال المحلي والأجنبي في مشروع جديد، ولا تقل نسبة المساهمة الأجنبية في رأس مال المشروع عن 10% (المرجع السابق).

يمكن تصنيف الاستثمار الأجنبي المباشر حسب الغرض إلى:

  • الاستثمار الباحث عن الثروات الطبيعية: تسعى العديد من الشركات متعددة الجنسيات إلى الاستفادة من الموارد الطبيعية (أي المواد الخام) التي تتمتع بها العديد من الدول النامية، وخاصة في مجال البترول والغاز الطبيعي والعديد من الصناعات الاستخراجية الأخرى. هذا النوع يشجع على زيادة الصادرات من المواد الأولية وزيادة الواردات من السلع الرأسمالية، بالإضافة إلى مدخلات الإنتاج الوسيطة والمواد الاستهلاكية (علي، الحملاوي، 2022).

  • الاستثمار الباحث عن الأسواق: انتشر هذا النوع في قطاع الصناعات التحويلية في الدول النامية خلال الستينيات والسبعينيات عن طريق تطبيق سياسة إحلال الواردات. يعتبر هذا النوع عوضاً عن التصدير من البلد المصدر للاستثمار، كما أن وجوده في البلد المضيف سببه القيود المفروضة على الواردات. بجانب ذلك، هناك أسباب أخرى للقيام بهذا النوع من الاستثمار منها زيادة تكلفة النقل إلى الدول المضيفة مما يجعل الاستثمار فيها أكثر جدوى من التصدير إليها. كما يساهم هذا النوع من الاستثمار في ارتفاع معدلات النمو في الدول المضيفة للاستثمار عن طريق زيادة رصيد رأس المال فيها، بجانب أنه يمتلك آثاراً توسعية على التجارة في مجالي الإنتاج والاستهلاك، وذلك من خلال زيادة صادرات الدول المضيفة وزيادة الواردات الخاصة بها من مدخلات الإنتاج والسلع الواردة إليها من الدول المصدرة للاستثمار (المرجع السابق).

  • الاستثمار الباحث عن الكفاءة في الأداء: يحدث عندما تقوم الشركات متعددة الجنسيات بتركيز جزء من أنشطتها في الدول المضيفة بهدف زيادة الربحية؛ فقد شجع زيادة مستويات الأجور في الدول الصناعية بعض هذه الشركات على الاستثمار في العديد من الدول النامية. كما يتصف هذا النوع من الاستثمار بآثاره التوسعية على تجارة الدولة المضيفة، بجانب أنه يؤدي إلى تنويع صادراتها فضلاً عن آثاره التوسعية على الاستهلاك عن طريق استيراد كثير من مدخلات الإنتاج (المرجع السابق).

  • الاستثمار الباحث عن أصول استراتيجية: يتم هذا النوع في المراحل اللاحقة من نشاط الشركات متعددة الجنسيات عندما تقوم الشركة بالاستثمار في مجال البحوث والتطوير في إحدى الدول النامية أو المتقدمة مدفوعة برغبتها في تعظيم الربحية. يعد هذا النوع من الاستثمار ذا أثر توسعي على التجارة من جانبي الإنتاج والاستهلاك، كما يعد بمثابة تصدير للعمالة الماهرة من قبل الدول النامية، ويعمل ذلك على زيادة صادرات المعدات من البلد المصدر للاستثمار (المرجع السابق).

رابعاً: أهمية الاستثمار الأجنبي المباشر

يعد أداة مهمة لتحقيق التنمية الاقتصادية من خلال ما يقدمه من رؤوس أموال، كما يعزز بناء القدرات التكنولوجية والمهارات الإدارية والوصول إلى الأسواق الأجنبية؛ لذلك تحرص الدول على توفير ظروف مشجعة للاستثمار الأجنبي المباشر. يعمل تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر على إحداث العديد من الآثار الإيجابية للدولة المضيفة منها:

  • توفير مصدر متجدد وبشروط جيدة للحصول على الموارد المالية أو رؤوس الأموال الأجنبية لتمويل برامج وخطط التنمية، وبصفة خاصة الدول التي تعاني من فجوات تمويلية ناتجة عن ضعف الادخار المحلي وعدم قدرته على مواكبة الاحتياجات التمويلية المتزايدة للمشروعات.

  • يؤدي إلى نقل وتوطين التكنولوجيا التي تؤثر على مدى كفاءة المنشآت المحلية في استخدام عناصر الإنتاج، مما يؤدي إلى تقليل تكاليف الإنتاج وتعظيم الأرباح، مما يشجع على دخول مستثمرين جدد في السوق.

  • يسهم في تحسين مؤشرات الأداء الخارجي للاقتصاد وخاصة ميزان المدفوعات وميزان التجارة في السلع والخدمات، وخاصة إذا ما تركزت الاستثمارات في الأنشطة الموجهة للتصدير أو لتلبية الطلب المحلي من المنتجات والخدمات التي يتم استيرادها.

  • يعمل على خلق فرص استثمارية وطنية في الصناعات التكميلية.

  • تطبيق نظم إدارية متطورة وفعالة في مختلف قطاعات الاقتصاد بما يعزز من فرص الاستغلال الأمثل للموارد.

  • يساعد في تنويع القاعدة الإنتاجية والخدمية للاقتصاد القومي.

  • يساعد في تحسين كفاءة عنصر العمل ورفع إنتاجيته من خلال تنمية وتدريب الكوادر البشرية وتأهيلها من أجل التعامل مع نظم الإنتاج والإدارة والتسويق الحديثة (مرجع سابق).

خامساً: تطور مؤشر الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر

1- تطور مؤشر الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال الفترة (2019 – 2024)

(إعداد الباحث اعتماداً على بيانات البنك المركزي المصري)

يتضح من ذلك:

  • أن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر بلغ نحو 7.45 مليار دولار في عام 2019.

  • انخفض صافي الاستثمار الأجنبي المباشر نسبياً في مصر إلى 5.21 مليار دولار في عام 2020، ويرجع ذلك الانخفاض النسبي إلى جائحة كورونا التي سببت تباطؤاً في الاقتصاد العالمي.

  • ارتفع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر نسبياً في مصر في عام 2021 إلى 8.94 مليار دولار.

  • استمر صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في التعافي والنمو حيث سجل أكثر من 10 مليارات دولار في عام 2022، وجاء ذلك نتيجة ارتفاع الاستثمارات في القطاعات غير البترولية.

  • سجل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر أعلى مستوى له بنحو 46.1 مليار دولار في عام 2023، ويرجع ذلك إلى الصفقة الاستثمارية الكبرى لتطوير مشروع رأس الحكمة والتي بلغت حوالي 35 مليار دولار.

  • انخفض صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى حد ما في عام 2024 حيث بلغ حوالي 12.22 مليار دولار.

2- تطور صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر خلال الفترة (2021 – 2024)

(إعداد الباحث اعتماداً على بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء)

يتضح من ذلك:

  • أن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر بلغ نحو 4.1 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2022/2021، وهذا يعد رقماً جيداً إلى حد ما.

  • شهد صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر انخفاضاً في الربع الرابع 2022/2021 حيث بلغ نحو 1.6 مليار دولار.

  • في عام 2023/2022 ظل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر في نطاق مستقر يتراوح بين 3.3 مليار دولار في الربع الأول و2.1 مليار دولار في الربع الرابع، مما يعكس استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بمعدلات منطقية ومعقولة إلى حد ما.

  • استمر صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر في الارتفاع خلال عام 2024/2023؛ حيث ارتفع من 2.3 مليار دولار في الربع الأول من هذا العام إلى 22.3 مليار دولار في الربع الرابع من نفس العام، مسجلاً بذلك أعلى ارتفاع لصافي الاستثمار الأجنبي المباشر، ويرجع ذلك إلى الصفقة الاستثمارية الكبرى لمشروع رأس الحكمة التي تم توقيعها في فبراير 2024. هذا الرقم يمثل إجمالي الأموال التي تم إدخالها لمصر كجزء من هذه الصفقة الكبرى في الربع الأخير من العام المالي 2024/2023.

  • بعد هذه القفزة الكبيرة لصافي الاستثمار الأجنبي المباشر، سجل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر انخفاضاً بلغ نحو 2.7 مليار دولار في الربع الأول من عام 2025/2024.

  • ارتفع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة بسيطة بلغت نحو 3.3 مليار دولار في الربع الثاني من عام 2025/2024، واستمر صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في الارتفاع حيث بلغ نحو 3.8 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2025/2024.

الخاتمة

يتضح أن الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر ليس فقط مجرد تدفقات مالية من أجل سد الفجوة التمويلية، بل هو أيضاً محرك استراتيجي لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني. فمن خلال الصفقات الكبرى الأخيرة، خاصة مشروع رأس الحكمة، أثبتت مصر قدرتها على جذب رؤوس أموال ضخمة في قطاعات غير نفطية. يظل التحدي الحقيقي في ضمان استدامة هذه التدفقات من خلال الاستمرار في الإصلاحات الهيكلية بجانب تعزيز دور القطاع الخاص من أجل تذليل العقبات البيروقراطية. نستنتج أيضاً أن استراتيجية مصر الوطنية للاستثمار الأجنبي المباشر في الفترة ما بين (2025 – 2030) تستهدف الوصول إلى 60 مليار دولار بحلول عام 2030. إن نجاح هذه الرؤية يعتمد بشكل أساسي على استغلال الموقع الجغرافي الفريد للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بجانب التركيز على قطاعات المستقبل مثل الهيدروجين الأخضر والتحول الرقمي. كما أن تضافر الجهود بين كل من الحكومة والمستثمر الأجنبي تحت مظلة من الشفافية وسيادة القانون سيؤدي إلى جعل مصر مركزاً إقليمياً للتجارة والاستثمار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، محققة بذلك توازناً بين الجدوى الاقتصادية للمستثمر والأهداف التنموية للدولة.

التوصيات

  1. تفعيل دور الهيئة العامة للاستثمار في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر.

  2. توجيه الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الأنشطة التي تؤدي إلى تحسين الصادرات من السلع والخدمات.

  3. الاتجاه نحو زيادة الحوافز الضريبية من أجل تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر.

  4. استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر يجب أن يتم وفق ضوابط محددة في إطار اتفاقيات الاستثمار الدولية مع عدم الإخلال باستقلالية السياسة العامة للدولة وأيضاً مع تحقيق الأهداف من هذا الاستثمار.

  5. يجب أن يتم الاستثمار الأجنبي المباشر في إطار خطة مؤسسية متكاملة مستندة إلى واقع الاقتصاد المصري ومتطلبات النمو والتطوير.

  6. وجود منظومة قوانين وأنظمة اقتصادية فعالة مما يتطلب مراجعة القوانين وتحديثها لكي تنسجم مع التوجه العام لتنشيط حركة الاستثمار، وسن قوانين جديدة تتلاءم مع المستجدات على الساحة المحلية والدولية.

  7. تعزيز وتكثيف الجانب الرقابي من أجل تعزيز الثقة في البيئة الاستثمارية بما يكفل الأمان للمستثمر على حقوقه في المشروعات التي يستثمر فيها.

  8. تبسيط الإجراءات الإدارية في جميع المؤسسات المرتبطة بالنشاط الاستثماري، وألا يقتصر الأمر فقط على فترة الترخيص والتسجيل، بل يتضمن أيضاً تشخيص العوائق والمشاكل التي تواجه المستثمر على كل المستويات وإيجاد الحلول لها.

  9. توجيه الاستثمار الأجنبي المباشر نحو القطاعات غير المتطورة للاستفادة من نقل التكنولوجيا الجديدة، أو القطاعات التي تمتلك مصر فيها ميزة تنافسية مثل الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي وقطاع السياحة والزراعة والصناعات الغذائية وقطاع النقل والخدمات اللوجستية.

  10. تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر ذي الطبيعة الإنتاجية طويلة المدى التي تعود بالنفع على الاقتصاد المحلي، فضلاً عن التركيز على جذب الاستثمارات التي تهدف إلى الإنتاج والتصنيع بدلاً من الاستثمارات التي تركز على السوق والأرباح السريعة لضمان تحقيق التنمية الاقتصادية المستهدفة.

المراجع

  1. المولى، أسامة عبيد، (2018)، “إستراتيجية تنمية الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر”، المجلة العلمية للدراسات والبيئة، جامعة قناة السويس، المجلد التاسع، العدد الثالث.

  2. علي، يحيى؛ الحملاوي، فاطمة، (2022)، “المحددات الاقتصادية والقانونية للاستثمار الأجنبي المباشر في مصر”، المجلة العلمية للدراسات والبحوث المالية والتجارية، جامعة دمياط، المجلد الثالث، العدد الأول.

  3. غراب، محمود فاروق، (2018)، “أثر الاستثمار الأجنبي المباشر على النمو الاقتصادي في مصر”، مجلة البحوث الإدارية، أكاديمية السادات للعلوم الإدارية، المجلد السادس والثلاثون، العدد الثالث.

  4. نصير، شيرين عادل، (2025)، “أثر الاستثمار الأجنبي المباشر على الصادرات والاستثمار المحلي في مصر”، المجلة العلمية لكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة الإسكندرية، المجلد العاشر، العدد التاسع عشر.

المواقع الإلكترونية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts