On Research

مقالات تحليلية

مهمة “مسعود بزشكيان” الأهم بقلم: روزبه كردوني

Email :1215

 

ترجمة وتحليل

 د. ريم أبو الخير

إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني

جمهورية مصر العربية

 

ما يميّز القائد عن المدير هو قدرته على الإجابة عن سؤال «لماذا» قبل «ماذا» و«كيف». القادة الملهمون ينطلقون من المستقبل؛ من مقصدٍ يصنع المعنى ويمنح الفعل اتجاهه. ودور نظام الحوكمة والدولة، بهذا المعنى، لا يقتصر على تنسيق الآليات التنفيذية، بل يتمثّل في صياغة سبب الحركة، وبناء أفقٍ مشترك يجعل قرارات اليوم مفهومة، ويجعل التكاليف محتملة، ويمنح المسار معنًى. فالحوكمة تتجاوز مجرد إدارة الشؤون حين تُوضّح المقصد؛ أما السياسة بلا أفق فتُختزل إلى إدارةٍ يومية.

المشكلة الجوهرية في السياسة غالباً ليست نقص الأدوات، بل غياب الاتجاه. فالمجتمع الذي عاش طويلاً على سياسات رد الفعل يحتاج، قبل أي شيء، إلى استعادة المعنى. والمعنى لا يظهر إلا حين يتصل الحاضر بالمستقبل. إن إعادة المستقبل إلى لغة السياسة شرط لتكوّن أمل مستدام؛ أمل ليس وعداً، بل أفقاً. وهو أمل لا يقوم على تفاؤل ساذج ولا على انتظار تحسّن فوري، بل يتجه إلى مستقبل قابل للقول والتصوّر.

من هذا المنطلق، لا تتمثّل الأولوية اليوم لرئيس الجمهورية في توسيع نفوذ السلطة التنفيذية، ولا استعراض الكفاءة قصيرة الأمد؛ بل في بلورة أفقٍ واضح وصياغة صلةٍ راسخة تصل الحاضر بالمستقبل. فالأفق لا يعد بالنتائج، بل يمنح الاتجاه. والمجتمع الذي يرى الاتجاه قادر على تحمّل التكاليف؛ أما المجتمع الذي يفتقده فيتعرّض، حتى في ظل استقرارٍ نسبي، لتآكل الثقة.

بهذا المعنى، يبقى الأمل مستداماً حين يكون المستقبل قابلاً للتصوّر، وحين يمنح هذا التصوّر معنى للفعل اليومي. فإذا أُقصي المستقبل من الخطاب الرسمي، تآكل الأمل تدريجياً. وهذا التآكل لا يتجلّى بالضرورة في احتجاجات صاخبة، بل في الصمت، والتأجيل، واللامبالاة الاجتماعية؛ ولهذا فهو أخطر. فالمجتمع الذي يخبو فيه سؤال «إلى أين نتجه؟» ينزلق من «البناء» إلى مجرد «الصمود».

وربط هذه المهمة بقضية ملموسة يخرجها من التجريد، وهي تقليل المعاناة. فالمعاناة الاجتماعية ليست نتاج نقص الموارد أو حدة الأزمات فحسب؛ بل إن جزءاً كبيراً منها يولد من فقدان المعنى، ومن الضبابية، ومن العجز عن تصوّر المستقبل، وكذلك من الارتهان لبيروقراطية غير كفؤة.

المجتمع الذي لا يعرف إلى أين يتجه، حتى لو خفّت أعباؤه المادية، يظل يعاني. فالأفق لا يزيل المعاناة، لكنه يجعلها محتملة وقابلة للتفسير. حين يعرف الناس في أيّ غدٍ تكتسب معاناة اليوم معناها، تزداد القدرة على التحمّل ويقلّ الاستنزاف النفسي.

ومن ثمّ، فإن بناء الأفق ليس مهمة سياسية فحسب، بل هو شكل من السياسات الرامية إلى تقليل المعاناة؛ أي تقليل معاناة التيه، والتأجيل، وفقدان الاتجاه. ومن المهم التأكيد، في المقابل، على أن فراغ الأفق لا يبقى فارغاً أبداً. فإذا عجزت الحوكمة عن صياغة المستقبل وروايته من الداخل، سيتولّى آخرون ذلك. فالمستقبل، في العالم المعاصر، أحد مصادر القوة. والتنازل عن المستقبل، ولو من غير قصد، يعني تسليم اتجاه الحياة الجمعية لرواياتٍ لا تنبع بالضرورة من داخل المجتمع. والمجتمع الذي لا يمتلك قصة عن غده يصبح حتماً مستهلكاً لمستقبلات الآخرين.

في هذا الإطار، ينبغي قياس نجاح الرئاسة بما يتجاوز المؤشرات قصيرة الأمد. فالسؤال الأساسي ليس عدد البرامج المنفّذة أو الأزمات التي جرى احتواؤها؛ بل هل استطاعت السياسة أن تعيد المستقبل موضوعاً للنقاش العام أم لا؟ هل تشير القرارات إلى وجهة يستطيع الناس أن يروا أنفسهم فيها وأن يقبلوا التكاليف على ضوء مقصد ذي معنى؟

وخلاصة القول، أعتقد أن أهم مهمة أمام مسعود بزشكيان هي إعادة المستقبل إلى الحوكمة؛ لا ببيع الوعود ولا بأسطرة الإمكانات، بل ببناء أفق صادق. فالسياسة التي لا تصنع أفقاً، حتى إن كانت فعّالة، لا تُخفّف المعانة، بل تجعلها بلا معنى. والحوكمة التي لا تصنع أفقاً لا يمكنها أن تنتظر أملاً مستداماً، ولا ثقة اجتماعية، ولا مرافقة دائمة.

مصدر المقال الأصلى :

[ روزبه کردونی ] مهم‌ترین مأموریت پزشکیان

https://www.ettelaat.com/news/129548/%D8%B1%D9%88%D8%B2%D8%A8%D9%87-%DA%A9%D8%B1%D8%AF%D9%88%D9%86%DB%8C-%D9%85%D9%87%D9%85-%D8%AA%D8%B1%DB%8C%D9%86-%D9%85%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%B1%DB%8C%D8%AA-%D9%BE%D8%B2%D8%B4%DA%A9%DB%8C%D8%A7%D9%86

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts