On Research

مقالات تحليلية

اغتيال الجنرال الأفغاني “إكرام الدين سريع” في طهران: حادث أمني أم رسالة سياسية في لحظة إقليمية ملتهبة؟

Email :1306

 

ترجمة وتحليل:

د. ريم أبو الخير

(إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني)

جمهورية مصر العربية

يجاوز اغتيال الجنرال إكرام الدين سريع، القائد السابق في الشرطة الأفغانية، في طهران أواخر ديسمبر 2025، كونه حادثًا أمنيًا عابرًا في سجل الجرائم الجنائية؛ إذ يقع ضمن سياق إقليمي شديد الحساسية تتداخل فيه ملفات الأمن واللاجئين والصراعات الاستخباراتية، ما يضيف فصلًا جديدًا من الغموض والتوتر إلى علاقة إيرانية – أفغانية مثقلة بالشكوك والملفات الشائكة.

من هو “سريع” ولماذا كان في إيران؟

يُعد إكرام الدين سريع من الشخصيات الأمنية البارزة التي شغلت مناصب قيادية في الشرطة الأفغانية خلال فترة ما قبل سيطرة طالبان عام 2021، وعُرف بموقفه المناهض للحركة. بعد سقوط الحكومة الأفغانية السابقة، غادر البلاد واستقر في إيران، كما فعل كثير من الضباط والمسؤولين السابقين، حيث أقام في طهران وظل محسوبًا على دائرة الضباط السابقين المعارضين لطالبان.

لكن السؤال الذي فرض نفسه بعد اغتياله هو: هل كان وجوده في إيران مجرد لجوء سياسي، أم أنه كان منخرطًا في نشاط أمني أو سياسي يتجاوز الإقامة العادية؟ يكتسب هذا السؤال حساسيته من طبيعة الرجل، ومكان اغتياله، وتوقيته.

توقيت الاغتيال.. لماذا الآن؟

وقع الاغتيال يوم 24 ديسمبر 2025 في العاصمة الإيرانية طهران، حيث تعرّض “سريع” لإطلاق نار أمام مكتبه، ما أدى إلى مقتله، في حادث لا تزال السلطات الإيرانية تقول إن ملابساته قيد التحقيق، مع وعود بإعلان نتائج رسمية. يأتي الحادث في مرحلة تشهد:

تصاعد التوتر بين طهران وكابل، خاصة في ظل الخلافات غير المعلنة مع سلطة طالبان.

حملات ترحيل واسعة للأفغان من إيران، شملت لاجئين ومقيمين، وسط خطاب أمني متشدد.

مناخ شك أمني تفجّر خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على إيران، حيث جرى تداول اتهامات لبعض الأجانب -ومن بينهم أفغان- بالتجسس أو التعاون مع جهات معادية، بما فيها الموساد.

في هذا السياق، بدا اغتيال شخصية أمنية أفغانية معارضة لطالبان داخل طهران وكأنه حلقة ضمن صراع أوسع، لا حادثًا منفصلًا.

آخر التصريحات الإيرانية: تحقيق بلا نتائج حتى الآن

في أحدث موقف رسمي، أعلن حسين خوش‌إقبال، محافظ طهران، أن السلطات الإيرانية ما زالت تحقق في حادثة الاغتيال، مؤكدًا أن التحقيقات لم تصل بعد إلى نتيجة حاسمة. وقال إن الجهات المختصة تدرس جميع الفرضيات، على أن يتم الإعلان عن الخلاصة النهائية بعد اكتمال التحقيقات. هذا التصريح، رغم أهميته، لم يبدد الغموض، بل زاد من التساؤلات، خاصة مع غياب تفاصيل عن هوية المنفذين أو دوافعهم، أو حتى طبيعة النشاط الذي كان يقوم به “سريع” داخل إيران.

تداعيات محتملة على العلاقات الإيرانية – الأفغانية

  1. تعميق فجوة عدم الثقة: قد يُستثمر اغتيال شخصية أفغانية على الأراضي الإيرانية سياسيًا من أطراف متعددة، سواء باتهام إيران بالتقصير الأمني، أو اتهام أطراف خارجية باستخدام أراضيها كساحة صراع.
  2. مزيد من الضغط على الجالية الأفغانية: في مناخ أمني مشحون، قد يتحول الحادث إلى مبرر غير مباشر لمزيد من التضييق أو الترحيل، وربط اللاجئين بالملفات الأمنية، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي.
  3. رسالة أمنية للمعارضين: يبعث الاغتيال برسالة واضحة مفادها أن الحدود لم تعد ضمانة للأمان، وأن الصراع الأفغاني يمتد إلى خارج البلاد، ما يزيد من هشاشة أوضاع المعارضين في المنفى.

تطورات جديدة بعد الاغتيال

في المستجدات الأخيرة، لا يزال الغموض يلف قضية اغتيال الجنرال إكرام الدين سريع، رغم مرور أيام على الحادث. مصادر إعلامية أفادت بأن قوات الأمن الإيرانية أغلقت منزله ومكتبه في طهران، وشرعت في استجواب أشخاص كانوا متواجدين معه لحظة الاغتيال، في إطار توسيع دائرة التحقيق.

في المقابل، اتهمت “جبهة حرية أفغانستان” حركة طالبان بالوقوف خلف العملية، مطالبةً السلطات الإيرانية بكشف الجناة وضمان أمن الضباط والمسؤولين الأفغان السابقين المقيمين على أراضيها. كما دخل الملف بُعدًا دوليًا بعد دعوات أممية لفتح تحقيق مستقل في الحادث، وسط مخاوف من تحوّل إيران إلى ساحة تصفية حسابات مرتبطة بالصراع الأفغاني. ورغم هذه التطورات، لا تزال طهران تكتفي بالتأكيد على أن التحقيق مستمر، دون إعلان نتائج حاسمة، ما يُبقي الأسئلة السياسية والأمنية مفتوحة.

الخاتمة

إن اغتيال إكرام الدين سريع يفتح أبوابًا واسعة للأسئلة أكثر مما يقدّم من إجابات؛ حول طبيعة وجوده في إيران، والجهة التي تقف خلف تصفيته، وما إذا كان الحادث جريمة معزولة أم جزءًا من صراع أوسع يتجاوز الحدود، وعن مستقبل العلاقة بين طهران وكابل في ظل تصاعد منطق الأمن والارتياب.

يبقى مصير القضية معلّقًا بين إعلان نتائج التحقيق بشفافية تهدئ المخاوف وتضع حدًا للتأويلات، أو تحوّل الحادث إلى ملف جديد يُضاف إلى قائمة الملفات الرمادية التي تُدار بالصمت.. وتنفجر آثارها لاحقًا.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts