
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
إعلامية ومترجمة متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني
جمهورية مصر العربية
تشهد إيران منذ أواخر ديسمبر 2025 موجة احتجاجات واسعة، اجتاحت المدن الكبرى مثل طهران، أصفهان، مشهد، وشيراز، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها المواطنون، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وانخفاض قيمة الريال الإيراني بشكل حاد. هذه المظاهرات، التي يشارك فيها التجار والطلاب والمواطنون العاديون، تمثل تعبيرا عن الغضب الشعبي من سياسات الحكومة وغياب الحلول الاقتصادية الفعالة.
هتافات المتظاهرين.. صوت الشعب بوجه السلطة
برزت في المظاهرات الحالية عدة هتافات رئيسية، تعكس الغضب الشعبي وتنوع المطالب:
أولاً: هتافات ضد الحكومة والنظام الحالي
- “مرگ بر دیکتاتور” – الموت للديكتاتور
أحد أبرز الشعارات المتكررة في جميع المدن، يعكس رفض الشعب للحكم الاستبدادي، ويؤكد مطالبته بسلطة أكثر شفافية ومسائلة.
- “مرگ بر خامنهای” – الموت لخامنئي
شعار سياسي مباشر يستهدف المرشد الأعلى علي خامنئي، ويبرز الاستياء من السلطة الدينية العليا في البلاد، وهو أحد الهتافات الأكثر جرأة في مواجهة الرموز السياسية.
- “خامنهای قاتل، رژیم غیرمشروع است!” – خامنئي قاتل وحكمه غير شرعي
شعار يوجّه نقدا صريحا للشرعية السياسية للنظام الحالي، ويعبر عن رغبة بعض المتظاهرين في إحداث تغيير جذري في بنية الحكم الإيراني.
- “بیترس، همه با هم!” – بدون خوف، كلنا معا!
هتاف يعكس الوحدة والتضامن بين مختلف شرائح المجتمع الإيراني، ويشجع المحتجين على الاستمرار في التعبير عن مطالبهم رغم تهديدات الأمن.
- “بیشرم، بیشرم!” – لا خجل، لا خجل!
شعار ساخر يُردّد ضد قوات الأمن ورموز السلطة، يحمل معنيين متوازيين:
- اتهام الحكومة بعدم الخجل في فسادها أو قمعها.
- تشجيع المتظاهرين على الجرأة وعدم الخوف أو الخجل أثناء مواجهة السلطة، ورفض الخضوع للرقابة والقمع.
ثانياً: هتافات الداعية لعودة الملكية وولي العهد
- “جاوید شاه” – عاش الشاه / عاشت الملكية
يُستخدم هذا الهتاف غالبًا في المدن الصغيرة أو تجمعات محددة، كرمز للهوية الوطنية أو رفض النظام الحالي. يعكس رغبة بعض المحتجين في استعادة رموز الماضي السياسي لإيران، لكنه لا يعني بالضرورة العودة الكاملة إلى النظام الملكي.
- “این آخرین نبرده، پهلوی برمیگرده” – هذه هي المعركة الأخيرة، البهلوية ستعود
شعار يُظهر تصميم بعض المحتجين على إسقاط النظام الحالي واستعادة رمزية الأسرة البهلوية. يستخدم أكثر بين الشباب المحافظ على الرموز التاريخية، ويعكس رغبة في تغيير جذري للنظام الحالي.
- “رضا رضا پهلوی، این است شعار ملی” – رضا رضا بهلوي، هذا هو الشعار الوطني
يستخدم اسم ولي عهد الشاه السابق كرمز للوحدة الوطنية أو بديل رمزي للنظام الحالي، خصوصًا في بعض المدن والمجموعات الصغيرة. لا يشير بالضرورة إلى دعم كامل للنظام الملكي.
السياق الاقتصادي والاجتماعي
انطلقت هذه الاحتجاجات نتيجة تدهور الوضع الاقتصادي وتأثيراته على حياة المواطنين اليومية، إذ يعاني الإيرانيون من:
- ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية.
- تضخم متسارع وانعدام استقرار العملة الوطنية.
- صعوبة في تأمين الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والوقود.
كما تضاف إلى هذه الأزمات الضغوط الاجتماعية والسياسية، التي تشمل القيود على حرية التعبير، مراقبة الإنترنت، ووجود قوات أمنية قوية في الشوارع، مما يجعل المظاهرات رسالة مزدوجة: اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه.
انعكاسات الاحتجاجات
الموجة الحالية من المظاهرات تحمل رسائل قوية للحكومة الإيرانية:
- رفض استمرار الاستبداد السياسي.
- مطالب بتحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي.
- إصرار على التضامن الاجتماعي والتصدي للضغط الأمني.
ردود فعل السلطة والتوتر الأمني
واجهت الاحتجاجات ردود فعل أمنية قوية تأتي في سياق تحذيرات حكومية من أي “محاولة لاستغلال الاحتجاجات لزعزعة الاستقرار” بحسب تصريحات رسمية، مع تأكيد بعض المسؤولين أن الاحتجاجات السلمية حول المعيشة “قابلة للتفهم”، لكن سيتم التعامل بحزم مع من يتجاوزون حدود القانون.
كما صدرت تصريحات من المرشد الإيراني نفسه بضرورة وضع حد لمثيري الشغب، بينما يعترف بعض القادة بأن مطالب الشعب الاقتصادية محقة، ما يعكس حالة من التوتر بين الاعتراف بالمشكلات ومحاولة ضبط المشهد.
ومع توسع الاحتجاجات احتشدت قوات الأمن في الشوارع، واستخدمت الغاز المسيل للدموع وعمليات اعتقال في بعض المناطق، مما أدى إلى وقوع أحداث عنف وسقوط ضحايا في الاحتجاجات الحالية.
دلالات أكبر وتأثيرات مستقبلية محتملة
تأتي هذه الاحتجاجات في سياق صراعات عميقة داخل المجتمع الإيراني، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية مع السياسية والاجتماعية، وقد تكون مؤشرًا على:
- تصاعد قلة الثقة بين الشارع والنخبة السياسية.
- تحولات محتملة في خطاب المعارضة داخل إيران، وتباين في شكل التطلعات ما بين الإصلاح والتغيير الجذري.
- ضغط على الحكومة لإجراء تغييرات فعلية بدلًا من وعود الحوار وحده.
كما أن اتصال الاحتجاجات بالسياق الدولي، خاصة مع تصريحات دولية حول إيران وتوترات إقليمية مستمرة، قد يزيد من تعقيد الوضع ويضع ضغوطًا إضافية على الحكومة في طهران.
وتشير المصادر إلى أن هذه الاحتجاجات، بالرغم من مواجهتها بالقمع الأمني، قد تكون نقطة تحوّل في خطاب المواطنين الإيرانيين تجاه السلطة، وربما تؤثر على سياسات الحكومة المستقبلية داخليا وخارجيا.


