On Research

مقالات تحليلية

مبدأ الاختفاء وراء النصوص

Email :1164

إعداد

د. محمد أحمد زكريا شحاته 

محاضر بكلية الحقوق ، جامعة الأزهر فرع غزة

جمهورية مصر العربية

 

هناك مبدأ هام -وربما يرقى لكونه نظرية- وهو مبدأ “الاختفاء وراء النصوص” (Disappearing behind the text).

تم استخدام هذا المبدأ في الحربين العالميتين الأولى والثانية لإيجاد مبرر لشن الحرب على الدول الأخرى وسرقة ثرواتها؛ فإذا لم يجد المعتدي مبرراً سياسياً، ربما يبعث لك قسيساً ومبشراً حتى تعتدي عليه، فيختلق بذلك ذريعة للحرب واتهامك بالعنصرية. كل شيء مباح من أجل تحقيق مصالح الدول الكبرى.

لنبدا الآن بسرد ما فعلته أمريكا من سرقة للدول، والأغرب أنهم يتغنون بالسلام وهم صانعو الحروب في العالم المعاصر.

  1. بنما (1989): “مكافحة المخدرات وحماية المواطنين” استند الرئيس الأمريكي “جورج بوش الأب” إلى أربعة مبررات رئيسية لغزو بنما (عملية القضية العادلة):
  • حماية أرواح الأمريكيين: زعمت واشنطن أن نظام “مانويل نورييغا” يهدد حياة 35 ألف مواطن أمريكي يعيشون هناك، خاصة بعد مقتل جندي مارينز أمريكي قبل أيام من الغزو.
  • مكافحة تهريب المخدرات: تم تصوير نورييغا كـ “ديكتاتور تاجر مخدرات” مطلوب للعدالة الأمريكية، مما جعل الغزو يبدو وكأنه “عملية إنفاذ قانون” دولية.
  • الدفاع عن الديمقراطية: ادعت أمريكا أنها تتدخل لإعادة تنصيب “غويليرمو إندارا” الذي فاز في الانتخابات وألغى نورييغا نتيجتها.
  • حماية قناة بنما: التذرع بضرورة الحفاظ على أمن وسلامة ممر مائي حيوي للتجارة العالمية.

المكتسبات الحقيقية:

  • تأمين الممر الملاحي: ضمان بقاء “قناة بنما” تحت نفوذ حكومة موالية لواشنطن، مما يؤمن عبور الأسطول التجاري والعسكري الأمريكي بين المحيطين.
  • استعادة الهيبة: كانت أول عملية عسكرية ناجحة وسريعة بعد “عقدة فيتنام”، مما أعاد ثقة الجيش الأمريكي في قدرته على التدخل السريع.
  • رسالة إقليمية: تثبيت “مبدأ مونرو” بأن أمريكا اللاتينية هي منطقة نفوذ أمريكي حصري، ولا يُسمح فيها بوجود قادة متمردين.
  1. العراق (2003): “أسلحة الدمار الشامل ومحاربة الإرهاب” كانت المبررات في عهد “جورج بوش الابن” أكثر اعتماداً على مفاهيم “الأمن القومي الاستباقي”:
  • أسلحة الدمار الشامل: كان المبرر الأقوى هو امتلاك صدام حسين لأسلحة نووية أو كيميائية تهدد العالم (ثبت لاحقاً عدم صحة ذلك).
  • الارتباط بالقاعدة: حاولت الإدارة الأمريكية ربط نظام صدام بتنظيم القاعدة وهجمات 11 سبتمبر لخلق دعم شعبي للغزو.
  • نشر الديمقراطية: تصوير العراق كحجر زاوية لبدء موجة ديمقراطية في الشرق الأوسط (تغيير الأنظمة الاستبدادية).

المكتسبات الحقيقية:

  • أمن الطاقة: السيطرة على ثاني أكبر احتياطي نفط في العالم وتأمين تدفق الإمدادات للأسواق الغربية بأسعار مستقرة.
  • التمركز الاستراتيجي: إنشاء قواعد عسكرية في قلب الشرق الأوسط لمراقبة إيران ومحاصرة أي صعود للقوى الإقليمية المنافسة.
  • الهيمنة المالية: ضمان استمرار تسعير النفط بالدولار (البترودولار) بعد أن بدأ نظام صدام حسين في التلميح للتعامل باليورو.
  1. ليبيا (2011): “المسؤولية عن الحماية (R2P)” اعتمد التدخل في ليبيا على مبرر حديث نسبياً في القانون الدولي:
  • حماية المدنيين: استند حلف الناتو إلى قرار مجلس الأمن (1973) لمنع وقوع “مجازر” في بنغازي، تحت مبدأ “المسؤولية عن حماية” الشعوب من حكامها إذا تعرضوا لإبادة.
  • الشرعية الدولية: على عكس العراق وبنما، حصل التدخل في ليبيا على غطاء أممي (مبدئي) وغطاء من جامعة الدول العربية، مما أعطاه صبغة “إنسانية” في البداية.

المكتسبات الحقيقية:

  • التخلص من “مشاغب” دولي: إنهاء نظام معمر القذافي الذي كان يسعى لتأسيس “الدينار الذهبي الأفريقي” لمنافسة العملات الغربية.
  • تقليص النفوذ الروسي: إخراج الاستثمارات والعقود العسكرية الروسية والصينية من شمال أفريقيا لفترة طويلة.
  • الاستحواذ على الأصول: تجميد والسيطرة على مليارات الدولارات من الاستثمارات الليبية في البنوك الغربية (صندوق ليبيا السيادي).
  1. فنزويلا (يناير 2026): “الإرهاب ومكافحة العصابات” حسب تصريحات دونالد ترامب اليوم، اعتمدت واشنطن مبررات “هجومية” ومباشرة:
  • العدالة الجنائية: وُصف مادورو بأنه “رئيس عصابة” (Kingpin) لشبكة إجرامية واسعة، وأن اعتقاله هو لجلبه للعدالة الأمريكية بتهم تهريب المخدرات والفساد.
  • أمن الحدود: زعم ترامب أن مادورو مسؤول عن “إرسال المجرمين والمخدرات” عبر الحدود الأمريكية، مما يجعل التدخل دفاعاً عن النفس.
  • إدارة الموارد (الأمر الواقع): برر ترامب نية أمريكا “إدارة فنزويلا” بضرورة إصلاح البنية التحتية للنفط وتأمين الثروات “لمصلحة الشعب الفنزويلي” (على أن يتم سداد تكاليف العملية من عائدات النفط).

المكتسبات الحقيقية:

  • أكبر احتياطي نفط في العالم: وضع اليد على أضخم احتياطيات مؤكدة من النفط الخام، مما يمنح أمريكا استقلالية طاقة كاملة وقدرة على التحكم في الأسعار العالمية ضد “أوبك+”.
  • طرد الخصوم: إنهاء الوجود الاستخباراتي والعسكري لروسيا والصين وإيران في “الحديقة الخلفية” لأمريكا.
  • الرخاء الاقتصادي (شعار ترامب): كما صرح ترامب، فإن “إدارة فنزويلا” ستعني عقوداً بمليارات الدولارات لشركات النفط والإعمار الأمريكية (مثل شيفرون) لإعادة بناء البلاد، مما ينعش الاقتصاد الأمريكي مباشرة.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts