
إعداد
محسن الشوبكي
خبير أمنى واستراتيجي
المملكة الأردنية الهاشمية
تعد هذه الورقة بمثابة طرح لمعادلة البقاء المعقدة لنتنياهو في عام 2026، حيث يوازن بين هشاشة ائتلافه الحاكم والتحولات الديموغرافية واليمينية المتطرفة التي تخدم استمراره. ورغم استفادته من غياب البديل القيادي للمعارضة والرهان على الدعم الأمريكي، يظل مستقبله السياسي مرهوناً بقدرته على المناورة بين ابتزاز الحلفاء واتخاذ السلطة حصانةً قانونية، في مشهد يتأرجح بين الصمود المؤقت والاستعصاء المستقبلي، وهو مايتضح فى الآتى :
- الثقل البرلماني والائتلاف الحاكم يستند بنيامين نتنياهو في حكمه الراهن إلى ائتلاف برلماني يضم 64 مقعدًا في الكنيست، وهو رقم يمنحه أغلبية قانونية مريحة نسبيًا وقدرة واضحة على المناورة التشريعية. غير أن هذا الثقل العددي يخفي هشاشة بنيوية ناتجة عن التباين الحاد بين مكونات الائتلاف، لا سيما بين الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة ذات الأجندات المتعارضة. وعليه، فإن هذه الأغلبية لا تمثل ضمانة للاستمرارية بقدر ما تشكل قدرة تشغيلية مؤقتة، تعتمد على توازن دقيق بين مطالب الشركاء؛ ما يجعل الحكومة عرضة للابتزاز السياسي والانفجار عند أول اختبار انتخابي أو أمني كبير، ويضع مستقبلها على المحك في أي جولة انتخابية مقبلة.
- أثر الدعم الخارجي و”عامل ترامب” يشكل التقارب الوثيق مع الإدارة الأمريكية، ولا سيما في حال استمرار نفوذ الرئيس دونالد ترامب أو التيار “الترامبي” داخل المشهد السياسي الأمريكي، رافعة استراتيجية مهمة لنتنياهو على المستوى الداخلي. هذا الدعم الخارجي يسهم في إعادة إنتاج صورته كزعيم قادر على تأمين غطاء دولي للمشاريع الأمنية والسياسية الكبرى؛ ما يعزز مؤشرات الثقة لدى الناخب اليميني بقدرته على تحقيق مكاسب ملموسة، ويعمل كحائط صد أمام الضغوط الداخلية. ومع ذلك، يبقى هذا العامل مزدوج الأثر، إذ قد يتحول في حال تبدل المزاج الدولي أو تعمق العزلة الغربية إلى عبء سياسي يُستثمر ضده من قبل خصومه، بدلًا من أن يكون مصدر قوة داعمًا لاستمراره.
- النزوح الليبرالي والتحول الديموغرافي يشهد الكيان الصهيوني اتجاهًا متصاعدًا في الهجرة العكسية، لا سيما في أوساط النخب العلمانية والليبرالية، وهو ما يؤدي إلى تراجع تدريجي في الكتلة التصويتية التقليدية لتيارات المعارضة. في المقابل، يتميز المجتمع المتدين باستقرار ديموغرافي مرتفع ومعدلات نمو أعلى، ما يرفع وزنه النسبي داخل صناديق الاقتراع. يصب هذا الخلل الديموغرافي المتزايد في مصلحة معسكر اليمين، ويمنحه أفضلية بنيوية طويلة الأمد، بغض النظر عن التبدلات الظرفية في المزاج السياسي العام.
- تنامي التدين والعنصرية كتيار مركزي تؤكد التحولات الاجتماعية داخل الكيان الصهيوني وجود انزياح متسارع نحو مزيد من التدين والتشدد القومي، ترافقه شرعنة متزايدة لخطابات الإقصاء والعنصرية ذات الطابع القومي والديني، خصوصًا في أوساط الأجيال الشابة. أدى هذا المسار إلى انتقال الأفكار الراديكالية من هامش النظام السياسي إلى مركزه، لتصبح جزءًا مقبولًا من الخطاب العام والممارسة السياسية. ونتيجة لذلك، تعزز حضور الأحزاب المتحالفة مع نتنياهو، وغدا التشدد معيارًا تنافسيًا رئيسيًا في استقطاب الناخبين، بدلًا من أن يكون عامل نفور أو إقصاء كما كان في مراحل سابقة.
- المعارضة وأزمة البديل القيادي على الرغم من وجود تقديرات تشير إلى تفوق عددي نظري للمعارضة في بعض السيناريوهات الانتخابية، فإن هذا التفوق يصطدم بأزمة بنيوية في القيادة والتنظيم؛ فالتشتت الداخلي وغياب التنسيق بين مكوناتها يحولان دون قدرتها على ترجمة هذا التفوق إلى سلطة فعلية. كما تفتقر المعارضة حتى الآن إلى شخصية “كاريزمية” قادرة على كسر احتكار نتنياهو للملف الأمني، وهو ما يجعلها عاجزة عن تقديم بديل مقنع للناخبين في لحظة سياسية تتسم بالاستقطاب والخوف الوجودي.
- الحصانة السلطوية والمآلات القانونية في ظل انسداد أفق العفو الخاص وتراكم الضغوط القضائية، تبدو السلطة السياسية الملاذ القانوني الوحيد لنتنياهو. وتدل المؤشرات كافة على إصراره على خوض أي استحقاق انتخابي مقبل مهما بلغت حدة المواجهة القانونية، مستفيدًا من الثغرات التي يتيحها القانون الإسرائيلي والتي تسمح له بالترشح. ويشير التقدير الاستراتيجي إلى أن نتنياهو سيواصل مقايضة بقائه السياسي بحريته الشخصية، معتمدًا على حالة الاستقطاب المجتمعي وضعف جبهة خصومه.
الخلاصة الاستراتيجية يتلخص المشهد السياسي في عام 2026 في حالة من الصمود السياسي القائم على أغلبية برلمانية حالية، يقابلها استعصاء انتخابي مستقبلي ناتج عن هشاشة الائتلاف وتغير موازين المجتمع. يستفيد نتنياهو من صعود التيارات المتدينة، وتراجع الكتلة الليبرالية، ومن دعم أمريكي استثنائي، لكنه في المقابل يواجه تراجعًا في فرص الاستقرار البرلماني طويل الأمد. وبهذا، يستمر الكيان الصهيوني في الدوران داخل حلقة مفرغة من عدم اليقين السياسي، حيث لا سقوط حاسم ولا استقرار مستدام.


