
إعداد
عبدالرحمن ممدوح الجمل
بكالوريوس الاقتصاد
كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الأسكندرية
جمهورية مصر العربية
مقدمة
يعتبر التضخم من أبرز التحديات الاقتصادية التي واجهتها مصر في السنوات الأخيرة؛ حيث أصبح محل اهتمام لكلٍ من صانعي القرار والفرد على حد سواء. نجد أنه بحلول عام 2026 بدأ ظهور مؤشرات من الاستقرار النسبي في التضخم، وذلك بعد سلسلة من الصدمات التي أثرت على القوة الشرائية للجنيه المصري. يمثل التضخم في مصر ظاهرة اقتصادية مركبة تتداخل فيها العوامل المحلية المرتبطة بهيكلة الاقتصاد والسياسات النقدية مع الضغوط العالمية الناتجة عن اضطراب سلاسل الإمداد وتقلبات أسعار الطاقة والغذاء. وقد شهدت مصر في الفترة الأخيرة موجات تضخمية متباينة بدأت بضغوط حادة عقب الأزمات الجيوسياسية وتحرير سعر الصرف، وصولاً إلى مرحلة حالية من البطء التدريجي المستهدف.
أولاً: تعريف التضخم
لا يوجد تعريف محدد وقاطع للتضخم، ولكن بشكل عام هو عبارة عن ارتفاع مستمر في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات، وبناءً على ذلك نجد أن التضخم يتضمن ما يلي:
- أن يكون ارتفاع الأسعار مستمراً وليس مؤقتاً.
- أن يشمل هذا الارتفاع مجموعة كبيرة من السلع والخدمات (صندوق النقد العربي، 2021).
ثانياً: أسباب التضخم
توجد أسباب متعددة للتضخم، منها ما يلي:
- زيادة التكاليف: حيث إن زيادة تكاليف إنتاج السلع تدفع أصحاب الأعمال من أجل زيادة أسعار البضائع الخاصة بهم، سواء بسبب زيادة أسعار المواد الخام أو مطالبة العمال برفع أجورهم أو زيادة أسعار الإيجارات.
- زيادة الطلب: يحدث ذلك نتيجة زيادة الطلب عن مقدرة السوق على العرض، وغالباً ما يحدث في الدول التي تتطور بسرعة أو عندما تقلل الدولة من الضرائب.
- طباعة النقود: حيث يؤدي ذلك إلى تضخم العرض النقدي وتضعف القدرة الشرائية للعملة، وبصفة خاصة في حالة عدم وجود مخزون يغطيها من العملات الأجنبية.
- الكوارث الطبيعية والحروب: حيث يقلل ذلك من إنتاج السلع ويزيد الطلب عليها، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار نتيجة ارتفاع الطلب عن العرض.
- تقلبات سوق النفط: حيث نجد أن هذه التقلبات تتأثر بمجموعة من العوامل منها الطلب والعرض والمنافسة، كما تحدد أسعار النفط العالمية بشكل مباشر أسعار المحروقات والسلع الأخرى مما يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم.
- الإنفاق العام المتزايد: حيث يؤدي الإنفاق العام المتزايد عن الحاجة بشكل كبير إلى ارتفاع معدلات التضخم؛ حيث يؤدي ذلك إلى زيادة الإنفاق الحكومي والاستهلاك، بالإضافة إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات مما يؤدي إلى زيادة الأسعار (البلتاجي، 2023).
ثالثاً: أنواع التضخم
أ- من حيث تدخل الدولة في الأسعار:
- التضخم المفتوح (الظاهر): يتمثل هذا النوع في زيادة الطلب مما ينتج عنه زيادة مستمرة في المستوى العام للأسعار دون أي تدخل للسلطات الحكومية لمحاولة التقليل من هذه الارتفاعات. يوجد لهذا النوع مسميات كثيرة منها التضخم الصريح أو الطليق أو الحر؛ حيث تزيد الأسعار استجابةً لفائض الطلب بصورة تلقائية وبحرية من أجل تحقيق التوازن بين الطلب والعرض.
- التضخم الحبيس (المكبوت): عبارة عن تضخم مستمر غير واضح، ناتج عن تدخل الحكومة في المستوى العام للأسعار من خلال قيامها بإصدار تشريعات وضوابط إدارية تعمل على تقييد الأسعار، مما يؤدي إلى التقليل من قدرة العوامل الاقتصادية على العمل بحرية مطلقة بما يكفل عدم تجاوزها للحد الأقصى من الارتفاعات الخاصة بها.
- التضخم الكامن (الخفي): هذا النوع عبارة عن ارتفاع ملحوظ في الدخول النقدية دون أن تجد لها أي منفذ للإنفاق، فيظل التضخم كامناً لا يسمح له بالظهور. غالباً ما تتدخل العوامل والظروف الاقتصادية من أجل إجبار الدولة على التقليل من ظهور الظواهر التضخمية (البطرني، 2021).
ب- من حيث مصدر الضغط التضخمي:
- تضخم جذب الطلب: يحدث هذا النوع عندما يتزايد الطلب الكلي للسلع والخدمات بسرعة أكبر من زيادة العرض الكلي، مما يؤدي إلى زيادة المستوى العام للأسعار. يحفز هذا النوع من التضخم الإنفاق الحكومي أو انخفاض معدلات الضرائب أو زيادة عرض النقود، فجميع هذه العوامل تؤدي إلى حدوث خلل في معادلة العرض والطلب الكليين فيما يتعلق بالقدرات الإنتاجية للاقتصاد.
- التضخم بسبب التكاليف: يحدث نتيجة الزيادة المستمرة في أسعار السلع الاستهلاكية والصناعية الناتجة عن زيادة تكاليف الإنتاج وبصفة خاصة أسعار عوامل الإنتاج.
- التضخم المستورد: يحدث نتيجة تأثر المستوى العام للأسعار المحلية بالعوامل الخارجية مثل ارتفاع أسعار المستوردات المختلفة كالوقود. يظهر هذا النوع في الاقتصاديات الصغيرة والمفتوحة على الاقتصاديات الأخرى (المرجع السابق).
ج- من حيث حدة التضخم:
- التضخم الجامح: يعد أخطر أنواع التضخم تأثيراً على الاقتصاد الوطني؛ حيث إن الأسعار تزيد بشكل مستمر وسريع جداً مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض الأجور الحقيقية للعمالة.
- التضخم السريع: يكون أقل خطورة من التضخم الجامح، حيث إن الأسعار تزيد بشكل مستمر وسريع ولكن بمعدلات أقل من التضخم الجامح.
- التضخم الزاحف: عبارة عن ارتفاع المستوى العام للأسعار بصورة بطيئة ولكنها مستمرة، وهذا النوع لا يشعر الأفراد بخطورته إلا بعد فترة زمنية رغم وجوده بصورة مستمرة (مرجع سابق).
رابعاً: إحصائيات عن معدلات التضخم في مصر
تطور معدلات التضخم في مصر خلال الفترة (2020-2024)

يتضح من ذلك:
- بدأ التضخم عند مستويات منخفضة ومستقرة نسبياً في عام 2020 حيث سجل نحو 5.045%.
- استمر الاستقرار في معدل التضخم مع ارتفاع طفيف جداً في عام 2021 حيث سجل نحو 5.214% وذلك بسبب:
- نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي: حيث كانت مصر لا تزال تجني ثمار المرحلة الأولى من برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ في عام 2016.
- انخفاض أسعار الطاقة العالمية: حيث انخفض الطلب العالمي على الوقود أثناء جائحة كورونا عام 2020 مما أدى إلى إبقاء تكاليف النقل والإنتاج منخفضة.
- استقرار سعر الصرف: حيث كان سعر الجنيه المصري في حالة استقرار أمام الدولار مما أدى إلى جعل تكلفة السلع المستوردة ثابتة.
- بدأت القفزة الكبيرة في معدل التضخم في عام 2022 حيث ارتفع التضخم بأكثر من الضعف ليصل إلى 13.896%، وجاء ذلك بسبب:
- الأزمة الروسية الأوكرانية: حيث أدت هذه الحرب إلى حدوث قفزة هائلة في أسعار القمح والطاقة على مستوى العالم، وبما أن مصر مستورد أساسي لهذه السلع فقد تأثرت بشكل مباشر.
- بداية خفض قيمة الجنيه: حيث شهد عام 2022 بداية موجات انخفاض قيمة العملة مما أدى إلى ارتفاع تكلفة السلع المستوردة من الخارج.
- وصل معدل التضخم إلى الذروة في عام 2023 حيث سجل نحو 33.885%، وجاء ذلك بسبب:
- أزمة العملة الصعبة: حيث أدى نقص الدولار إلى ظهور سوق موازية بأسعار مرتفعة جداً، مما دفع التجار لتسعير السلع طبقاً لسعر السوق السوداء وليس السعر الرسمي.
- البضائع المتكدسة في الموانئ: حيث إن تأخر عملية خروج المواد الخام من الموانئ بسبب نقص السيولة الدولارية أدى إلى انخفاض المعروض من السلع.
- الارتفاعات المتتالية في أسعار الوقود والكهرباء: حيث انعكس ذلك على تكاليف شحن السلع والمنتجات الغذائية.
- حدوث تراجع في معدل التضخم في عام 2024 حيث سجل نحو 28.271%، وجاء ذلك بسبب:
- السياسة النقدية المشددة: حيث قام البنك المركزي المصري في ذلك الوقت بزيادة أسعار الفائدة من أجل سحب السيولة من الأسواق وتخفيض عملية الاستهلاك.
- صفقات استثمارية كبرى مثل مشروع رأس الحكمة: حيث أدت تدفقات السيولة الدولارية الكبيرة إلى القضاء على السوق الموازية، مما أحدث استقراراً نسبياً في أسعار بعض السلع الرئيسية.
- سجل معدل التضخم السنوي تراجعاً ليصل إلى 10.3% خلال شهر سبتمبر 2025، مقابل 11.2% خلال شهر أغسطس 2025 وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي أشارت إلى ارتفاع التضخم الشهري بنسبة 1.5% عن شهر أغسطس 2025. وبحسب الإحصاء، بلغ الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين نحو 260.9 نقطة لشهر سبتمبر 2025.
- أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين بلغ نحو 264.2 نقطة خلال شهر ديسمبر 2025، مسجلاً بذلك معدل تضخم سنوي قدره 10.3% مقابل 23.4% في ديسمبر 2024.
- نجد أن معدل التغير الشهري في الرقم القياسي الأساسي لأسعار المستهلكين الذي يُعِدّه البنك المركزي المصري سجل نحو 0.2% في ديسمبر 2025، مقابل 0.9% في ديسمبر 2024 و0.8% في نوفمبر 2025. وعلى أساس سنوي، نجد أن معدل التضخم الأساسي سجل نحو 11.8% في ديسمبر 2025 مقابل 12.5% في نوفمبر 2025.
خامساً: نتائج التضخم في مصر (الإحصائيات وفقاً لشهر ديسمبر 2025 مقارنة بنوفمبر 2025)
- تراجع أسعار الغذاء: لا يعني ذلك أنه لم يعد هناك تضخم، إنما يعني أن الارتفاعات المستمرة في المستوى العام لأسعار الغذاء انخفضت في ذلك الوقت؛ أي ما زال هناك تضخم ولكن بمعدل منخفض، حيث انخفضت أسعار مجموعة الطعام والمشروبات بنسبة -0.8% على أساس شهري، مدفوعة بهبوط أسعار اللحوم والدواجن بنسبة -1.1% والخضراوات بنسبة -2%.
- ضغوط تصاعدية: حيث شهد قطاع السكن والمرافق الذي يشمل الكهرباء والغاز والمياه ارتفاعاً بنسبة 1.5%، كما نجد أن أسعار الملابس والأحذية ارتفعت بنسبة 0.7%.
- استقرار سعر الصرف: ساهم استقرار سعر صرف الجنيه المصري في الحد من تضخم السلع المستوردة.
التوصيات
- العمل على تنويع المحفظة الاستثمارية: من الضروري تقسيم المدخرات وعدم وضع جميع الأموال في سلة واحدة، وذلك بين:
- الذهب: يظل ملاذاً آمناً طويل الأجل للتحوط من التقلبات الجيوسياسية.
- الأسهم: مع انخفاض الفائدة، تتجه السيولة عادة للبورصة، مما يؤدي لانتعاش أسعار الأسهم خاصة في قطاعات السياحة والتصدير.
- العقارات: من الأفضل التركيز على العقارات التجارية والإدارية التي تدر دخلاً إيجارياً ثابتاً، أو العقارات السياحية.
- التوسع في النشاط الإنتاجي: نقص الفائدة يعني تراجع تكلفة التمويل، مما يعد مناسباً لتفعيل الخطط التوسعية المؤجلة أو شراء آلات ومعدات حديثة.
- التركيز على قطاعات النمو: وتتمثل القطاعات الأكثر استفادة في عام 2026 في:
- قطاع السياحة: بفضل زيادة تدفقات النقد الأجنبي.
- قطاع التكنولوجيا المالية: مع تسارع التحول الرقمي في مصر.
- قطاع الصناعات التحويلية: خاصة التي تعتمد على مدخلات إنتاج محلية وتهدف للتصدير.
- تطوير الهيكل الإنتاجي: ضرورة تطوير قطاع الصناعة التحويلية لمواكبة التطورات التكنولوجية، لضمان تلبية الطلب المحلي وتخفيض حجم الواردات التي تعد سبباً رئيسياً للتضخم المستورد.
- وضع ضوابط للأسعار: عبر محاربة احتكار المواد الاستهلاكية المهمة وتحديد أسعار السلع، وفرض عقوبات على المخالفين خاصة فيما يتعلق بالمواد الأساسية والغذائية.
- خفض الإنفاق الحكومي: يساهم ذلك في خفض النقود المتداولة وبالتالي خفض معدلات التضخم.
- زيادة معدلات الضرائب: يؤدي ذلك للحد من الطلب على السلع والخدمات وبالتالي انخفاض التضخم.
- زيادة سعر الفائدة: قيام البنوك برفع سعر الفائدة يشجع الأفراد على الادخار، مما يقلل من السيولة والطلب وبالتالي تنخفض معدلات التضخم.
المصادر
- البطرني، رنا محمد محمد، (2021)، “أثر معدل التضخم والبطالة في النمو الاقتصادي“، مجلة الدراسات التجارية المعاصرة، كلية التجارة، جامعة كفر الشيخ، المجلد السابع، العدد الحادي عشر.
- البلتاجي، محمد جابر عبدالحميد، (2023)، “تأثير الأزمة الروسية الأوكرانية علي معدلات التضخم في مصر“، المجلة القانونية، كلية الحقوق، جامعة المنصورة، المجلد السابع عشر، العدد الخامس.
المواقع الإلكترونية:
- بوابة الأهرام: تراجع معدل التضخم السنوي في مصر خلال ديسمبر الماضي. https://gate.ahram.org.eg/News/5457481.aspx
- صندوق النقد العربي: التضخم: أسبابه، آثاره، وسبل معالجته. https://www.amf.org.ae/ar/tags/altdkhm-asbabh-atharh-wsbl-maljth
- البنك المركزي المصري: بيان التضخم ديسمبر 2025. https://www.cbe.org.eg


