
إعداد
محسن الشوبكي
خبير أمني واستراتيجي
المملكة الأردنية الهاشمية
الملخص التنفيذي
يشكل انتقال ملف معتقلي تنظيم داعش وعائلاتهم من إدارة محلية إلى إدارة الدولة السورية المركزية أحد أكثر التحولات الأمنية حساسية في المشهد السوري المعاصر. لا يُقرأ هذا الانتقال بوصفه إجراءً إدارياً تقنياً، بل باعتباره إعادة تموضع لمنظومة الضبط والسيطرة في منطقة شهدت مستويات مرتفعة من الهشاشة الأمنية والتداخلات الإقليمية والدولية. الكتلة البشرية المرتبطة بهذا الملف، والتي تتجاوز أربعين ألف فرد، تضم مقاتلين ذوي خبرات قتالية وتنظيمية، إلى جانب عائلات تشكلت داخل بيئة مغلقة أيديولوجياً واجتماعياً. هذا الواقع يضع تحدياً مركباً أمام أي سلطة تتولى إدارة الملف، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن، والعدالة، والاستقرار المجتمعي، والشرعية السيادية ضمن معادلة شديدة الحساسية.
السياق العام وخصائص بيئة التهديد
تشير المعطيات المتداولة إلى وجود ما يقارب اثني عشر ألف مقاتل محتجزين في مراكز احتجاز، إضافة إلى نحو ثلاثين ألف فرد من العائلات في المخيمات. يتمثل التحدي النوعي في أن نسبة معتبرة من هذه الكتلة السكانية، ولا سيما الأطفال واليافعين، خضعت لسنوات من التنشئة داخل فضاء مغلق قائم على خطاب تعبوي، ما يرفع احتمالات إعادة إنتاج السلوك المتشدد في حال غياب مسارات تفكيك نفسي واجتماعي ممتدة زمنياً.
على المستوى الجغرافي، ما تزال مساحات واسعة من البادية والمناطق الطرفية تمثل بيئة مرنة لحركة الخلايا الصغيرة، مستفيدة من اتساع الرقعة وصعوبة الضبط المستمر وتداخل خطوط السيطرة. ويتقاطع ذلك مع هشاشة اقتصادية وخدمية مزمنة في العديد من مناطق الشرق السوري، بما يخلق قابلية اجتماعية للاختراق والاستقطاب غير المباشر، ومع دخول الجيش السوري لهذه المناطق فإن ذلك سيمنع وجود فراغات أمنية.
ظاهرة التهريب قبيل انتقال الملف: السياق والدوافع
تشير معطيات ميدانية متقاطعة مؤخراً إلى قيام قوات سورية الديمقراطية بتسهيل خروج مئات من مقاتلي تنظيم داعش من بعض السجون التي كانت تسيطر عليها قبل انسحابها، وذلك في المرحلة التي سبقت بدء ترتيبات تسليم الملف إلى الدولة السورية. لم تظهر هذه التحركات بوصفها استجابة طارئة لخلل أمني محدود، بل جاءت ضمن حسابات ضغط سياسية وميدانية مرتبطة بإعادة ترتيب السيطرة والتموضع في المنطقة الشرقية.
من منظور تحليلي، يمكن فهم هذا السلوك ضمن مجموعة دوافع متداخلة. أولها محاولة الاحتفاظ بأوراق تأثير تفاوضية عبر إبقاء مستوى التهديد قائماً وعدم تسليم ملف مستقر بالكامل، بما يسمح بإعادة توظيفه في توازنات إقليمية ودولية لاحقة. ثانيها السعي إلى إفشال الحكومة السورية بهذا الملف. ثالثها استخدام ملف المعتقلين كأداة لإعادة خلط المشهد الميداني وإرسال رسائل غير مباشرة حول كلفة أي تغيير في ترتيبات السيطرة القائمة.
يعكس هذا النمط من السلوك طبيعة إدارة أمنية مؤقتة قائمة على منطق إدارة الأزمة لا حلها، ويُظهر كيف يمكن لتعدد المرجعيات وغياب السيادة الموحدة أن يحولا ملفاً أمنياً بالغ الحساسية إلى أداة مساومة. كما يفسر جانباً من هشاشة منظومة الاحتجاز السابقة، ويُبرز الحاجة إلى إعادة تدقيق شاملة فور انتقال السيطرة، منعاً لتسلل عناصر خطرة إلى البيئات المفتوحة، ولا سيما البادية والمناطق الطرفية.
الدولة السورية بوصفها فاعلاً سيادياً
تتعامل الدولة السورية، بوصفها السلطة السيادية التي ستتولى إدارة الملف، مع هذا الاستحقاق ضمن بيئة عالية المخاطر تراكمت فيها فجوات أمنية ومؤسساتية خلال سنوات من الإدارة غير المركزية. من زاوية تحليلية محايدة، لا يُقاس التحدي بخطاب السيطرة أو الاستعادة، بل بقدرة المنظومة المؤسسية على إعادة بناء آليات الضبط القانوني والأمني، وإغلاق الثغرات التي سمحت سابقاً بتسرب عناصر خطرة، وتنظيم العلاقة بين الأمن والمجتمع المحلي على أسس مستقرة.
إن طبيعة هذا الانتقال تفرض ضغوطاً كبيرة على منظومات القضاء، والإدارة المحلية، والأجهزة الأمنية، في آن واحد، بما يجعل إدارة التوازن بين متطلبات الصرامة الأمنية والحفاظ على الاستقرار المجتمعي عاملاً حاسماً في منع توليد موجات توتر جديدة.
الأبعاد الاجتماعية والنفسية طويلة المدى
تحولت المخيمات خلال سنوات إلى فضاءات شبه مغلقة لإعادة إنتاج هوية قائمة على العزلة والاصطفاف والشك بالمحيط الخارجي. الأطفال الذين نشأوا في هذه البيئة لا يحملون فقط آثار صدمات نفسية ممتدة، بل أيضاً منظومات قيم مشوهة تجاه المجتمع والدولة والعنف والاختلاف. إن الانتقال غير المنضبط لهذه الفئات إلى بيئاتها الأصلية قد يفتح مسارات احتكاك اجتماعي حاد، ويعيد إنتاج أنماط رفض متبادل قابلة للاستثمار من قبل شبكات متشددة أو إجرامية.
كما أن المجتمعات المحلية التي عانت سابقاً من العنف والإكراه قد تظهر مستويات عالية من الحساسية والرفض تجاه عودة هذه الكتل البشرية، ما يخلق بيئة توتر صامتة إذا لم تُدار بوعي اجتماعي طويل الأمد.
البيئة الإقليمية والدولية المؤثرة
يرتبط هذا الملف عضوياً بحركة المقاتلين الأجانب وبشبكات التمويل والتهريب العابرة للحدود، كما يتأثر بمستوى الانخراط السياسي والأمني للقوى الدولية المعنية. إلا أن هذا الانخراط يبقى متغيراً وغير مضمون الاستمرارية، تبعاً لتحولات الأولويات الدولية والتوازنات الإقليمية. هذا الواقع يضع أي مقاربة داخلية أمام هامش مخاطرة مرتفع في حال الاعتماد المفرط على دعم خارجي غير مستقر.
السيناريوهات المستقبلية المحتملة
يتجه المسار المتوقع إلى ثلاثة اتجاهات عامة:
- المسار الأول: يقوم على استقرار تدريجي ناجم عن ضبط انتقال الملف، وإغلاق الثغرات الأمنية، وتراجع قدرة الخلايا المتشددة على الحركة والتجنيد، بما يؤدي إلى انخفاض ملموس في مستوى التهديد خلال الأعوام القليلة القادمة.
- المسار الثاني: يتمثل في توازن هش، تتحقق فيه مكاسب أمنية مباشرة مقابل بطء في المعالجة الاجتماعية والاقتصادية، ما يبقي بؤراً كامنة قابلة للاشتعال عند أي ضغط داخلي أو إقليمي مفاجئ.
- المسار الثالث: يقوم على تعثر وتصاعد، ينتج عن تسرب عناصر خطرة أو ضعف في التنسيق المؤسسي أو نقص الموارد، ما يؤدي إلى إعادة تنشيط التهديد في البادية والمناطق الهشة، وعودة الاستنزاف الأمني بصورة متدرجة.
الخلاصة
يعكس ملف تفكيك ما يمكن تسميته بالخلافة المحبوسة اختباراً مركباً لقدرة أي سلطة سيادية على إدارة تهديد غير تقليدي متعدد المستويات. لا تنحصر فعالية المعالجة في الجانب الأمني وحده، بل في القدرة على تفكيك البنى الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تسمح بإعادة إنتاج التطرف. إن التعامل مع هذا الملف بوصفه مساراً زمنياً طويلاً، لا أزمة ظرفية، يمثل عاملاً حاسماً في منع تراكم المخاطر وإعادة تدوير العنف في البيئة الشرقية السورية.


