
إعداد
نورين محمود أحمد
كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
مصر
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع التسعينيات من القرن العشرين، اعتبر الاتحاد السوفييتي القوة الشرقية المكافئة والمجابهة للمعسكر الغربي المتمثل في الولايات المتحدة وحلفائها. فكان العالم في تلك الفترة يتصف بما يُعرف بالثنائية القطبية، أي “وجود دولتين لهما نفس القوة ونفس الوزن السياسي تسيطران على العالم وتتحكمان في مجريات أحداثه”، وهو ما خلق حالة توازن قوى عالمية، وجعل العالم في حالة أشبه بالاستقرار، ولكن ليس بمعناه الحرفي، بل الاستقرار هنا يعني ثباتاً وعدم هيمنة من طرف على الآخر فيما عُرف بـ “سياسة الردع المتبادل”.
ولذا، مثّل انهيار الاتحاد السوفييتي نقطة فارقة في التاريخ الدولي؛ إذ نتج عن ذلك الانهيار تغير كبير في ميزان القوى الدولية، وتحول العالم من ثنائي القوة إلى ما يُعرف بالقطب الأوحد، مما مهد الطريق للولايات المتحدة الأمريكية لتكون القوة الدولية الوحيدة المهيمنة على العالم، وجعل من العولمة بكافة أنواعها واقعاً مُعاشاً.
ولكن هنا يأتي السؤال الأهم: ما السبب في انهيار الاتحاد السوفييتي؟ هل كما هو شائع يُعتبر رئيس الاتحاد السوفييتي الأخير “ميخائيل جورباتشوف” وسياساته المستحدثة على الاتحاد هما السببان الأساسيان في ذلك الانهيار؟ أم أن هناك أسباباً أخرى؟ هذا ما سنوضحه باستفاضة في السطور القادمة بالتسلسل الزمني والأدلة التاريخية.
عوامل غير مباشرة أدت تدريجياً إلى الانهيار:
أ) السياسة السوفييتية المتبعة تجاه المعسكر الغربي “كسياسة رد فعل”: حرص الاتحاد السوفييتي منذ بداية الحرب الباردة على تبني سياسة “رد الفعل” في أغلب سياساته تجاه المعسكر الغربي؛ فلم تأتِ منه المبادرة في سياسات عدة، بل فضل الاعتماد على التقليد مع إضفاء بعضٍ من الصبغة السوفييتية عليها. فمثلاً “حلف وارسو” (الذي يمثل التحالف العسكري لدول الكتلة الشرقية تجاه أعدائه من دول الكتلة الغربية، والذي تم إنشاؤه عام 1955) لم يكن إلا رد فعل لحلف “الناتو” (التحالف العسكري للكتلة الغربية ضد الكتلة الشرقية الذي تم إنشاؤه قبل ذلك بحوالي ست سنوات، أي عام 1949).
لم يكن ذلك الدليل الوحيد الشاهد على سياسة التقليد السوفييتية، بل يمثل “الكوميكون” -والذي يُعرف أيضاً بخطة مولوتوف وتم إنشاؤه في 1949- رد فعل لخطة “مارشال” الأمريكية التي تم إطلاقها لأول مرة عام 1947 بهدف إعادة بناء اقتصادات الدول الواقعة غرب أوروبا ومساعدتها على التعافي من آثار الحرب العالمية الثانية، إلى جانب هدف مهم من إنشائه متمثل في تعزيز العلاقات التجارية بين دول الكتلة الغربية وبعضها البعض، وهو السبب نفسه لإنشاء الكوميكون. وحتى “مبدأ ترومان” (سياسة الاحتواء للتوسع السوفييتي) قابله رد فعل أو تقليد من الاتحاد فيما عُرف بـ “الكومنفورم” وهدفه منع التوسع الغربي وحماية دول الكتلة الشرقية منه!
ب) اختلاف التوجهات وتضارب وجهات النظر بين قادة السوفييت وبعضهم البعض:
بعد وفاة ستالين (أول زعيم للاتحاد السوفييتي ومؤسسه الرئيسي) عام 1953، تولى حكم الاتحاد قائد آخر يختلف معه في العقيدة والتوجهات يُدعى خروتشوف. لم يكتفِ خروتشوف بتعديل بعض السياسات التي سادت سابقاً، بل أعلن صراحةً حماقة القائد السابق وانتقده بشكل صريح وواضح، وأعلن عن مجموعة من الإصلاحات فيما عُرفت بـ “النزعة ضد الستالينية”، وهو ما مثّل هجوماً صريحاً لا من زعيم غربي، ولكن من قائد سوفييتي مثله على زعيم سوفييتي، بل على مؤسس الاتحاد السوفييتي.
أظهر ذلك بوضوح حالة التباين والتضارب الموجودة بين القادة السوفييت، وأوضح أن الأساس الذي يرتكز عليه الاتحاد السوفييتي أساسٌ ضعيف قائم على التشتت والتناقض؛ فكيف لقائد سوفييتي أن ينتقد وبشدة مؤسس الدولة التي يرأسها هو! لم يزعزع ذلك الثقة في الاتحاد السوفييتي داخله فقط، بل امتد تأثيره إلى الصين (أكبر دولة غير سوفييتية داعمة للشيوعية)، وساهم في إثارة انتقادٍ لاذعٍ من الزعيم الصيني الشيوعي ماو تسي تونغ، وزعزع مكانة الاتحاد في العالم الشيوعي.
ج) اتفاقية هلسنكي 1975، وبروز تناقض سياسات الاتحاد:
في عام 1975 أجرى الاتحاد السوفييتي اتفاقية مع الكتلة الغربية خلال فترة بين الكتلتين عُرفت بـ “الوفاق”. كانت اتفاقية هلسنكي نتاج سلسلة من المفاوضات أُجريت بين عدد من دول أوروبا بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وانضم إليهم لاحقاً الاتحاد السوفييتي. كان الهدف الأساسي من الاتفاقية: الحفاظ على حقوق الإنسان وحفظ الحريات العامة كحرية الفكر والاعتقاد والتعبير. بطبيعة الحال، انضمام الاتحاد السوفييتي (الذي يعتمد على سياسات السيطرة وإحكام القبضة على كافة أمور مرؤوسيهم) لا يتفق تماماً مع تلك السياسات الموحية بالديموقراطية الغربية؛ فما حدث في تشيكوسلوفاكيا فيما عُرف بـ “ربيع براغ” 1968، أو حتى جدار برلين عام 1961 الذي تم بناؤه بأوامر سوفييتية لمنع الهجرة من الشرق للغرب، يتناقضان تماماً مع ما تدعو إليه الاتفاقية؛ مما أثار هجوماً كبيراً من الداخل السوفييتي على سياسته المقيدة، وجعله يطالب بحقوقه بحجة قانونية بارزة، مما وضع الاتحاد في مأزق وبين تناقض واضح بين سياسته من جهة وتلك الاتفاقية من جهة أخرى.
د) حرب أفغانستان 1979 : 1989:
من وجهة نظري الشخصية تمثل حرب أفغانستان بداية النهاية للاتحاد السوفييتي؛ إذ استنزفت الحرب قدرات مادية وعسكرية كبيرة، وأثارت انتقاداً كبيراً للاتحاد في أعين العالم، وسوَّأت من صورته النمطية بفعل الترويج الأمريكي فيما عُرف بـ “البروباجندا” مستخدماً في ذلك قواه الناعمة، فخرج الاتحاد من تلك الحرب منسحباً مهزوماً مرهقاً مادياً ومعنوياً.
هـ) دهاء الرئيس الأمريكي ريغان:
بعدما تولى الرئيس الأمريكي ريغان الحكم، سعى إلى انتهاج سياسة جديدة في التعامل مع الاتحاد السوفييتي معتمداً في ذلك على دهائه السياسي، فأطلق مبادرة عُرفت بـ “حرب النجوم”، وتتمحور حول تعزيز القوى الدفاعية وإنشاء منظومة أسلحة فضائية رفيعة المستوى (في الواقع لم يكن يسعى ريغان لذلك فعلاً لإدراكه مدى الاستحالة سواء من الناحية المادية أو التقنية، ولكنه أراد فقط أن يتحقق رد الفعل السوفييتي، وقد كان). فاستجاب الاتحاد للمبادرة بإنفاق عسكري واسع وخوض سباق تسلح مرهق اقتصادياً بدون جدوى، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع وازدياد الأمر سوءاً.
و) جورباتشوف وسقوط الاتحاد:
تولى جورباتشوف الحكم في الاتحاد بعدما تفاقمت الأزمات بفعل العوامل المذكورة سابقاً؛ لذا عمل على تبني سياسات جديدة مأخوذة من الكتلة الغربية كمحاولة لإصلاح الأوضاع، وهنا تحققت نتائج عكسية وانهار الاتحاد السوفييتي عام 1991.
الخاتمة:
لم تكن سياسات جورباتشوف السبب الأساسي لانهيار الاتحاد السوفييتي، ولكنها كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. وإنما انهار الاتحاد السوفييتي بفعل عدة عوامل أخرى، منها القديم قِدم الاتحاد ذاته. فلم تكن سياسات الأخير إلا محاولة إصلاح، ولكن باءت بالفشل.


