
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
(إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني)
جمهورية مصر العربية
تُعد العلاقات بين أفغانستان وباكستان واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا في جنوب آسيا، إذ تتشابك فيها اعتبارات التاريخ والهوية والحدود مع حسابات الأمن القومي والتوازنات الإقليمية. فهي علاقة لا يمكن وصفها بالتحالف المستقر، ولا بالعداء الصريح، بل هي أقرب إلى شراكة قسرية تحكمها الجغرافيا وتقيّدها الشكوك المتبادلة.
أولًا: الجذور التاريخية… أزمة خط ديورند وهوية منقسمة
تعود إشكالية العلاقات إلى نهاية القرن التاسع عشر، حين رُسم “خط ديورند” عام 1893 بين أفغانستان والهند البريطانية؛ هذا الخط، الذي ورثته باكستان بعد استقلالها عام 1947.
كانت أفغانستان الدولة الوحيدة التي اعترضت على انضمام باكستان إلى الأمم المتحدة بعد استقلالها، في إشارة مبكرة إلى عمق الخلاف. ظلّت كابل ترفض الاعتراف الرسمي بخط ديورند كحدود دولية نهائية، بينما تعتبره إسلام آباد حدًا سياديًا غير قابل للنقاش. وهكذا تحول الملف الحدودي إلى عنصر دائم في توتر العلاقات، يتجدد كلما تصاعدت الحساسيات القومية أو وقعت اشتباكات حدودية.
تكمن حساسية هذا الملف في أن الخط قسّم قبائل البشتون بين دولتين، وهو ما غذّى في مراحل معينة خطاب “بشتونستان” الداعي إلى إقامة كيان مستقل. ورغم أن الحكومات الأفغانية لم تتبنَّ رسميًا مشروع الانفصال في العقود الأخيرة، فإن القضية بقيت ورقة سياسية حاضرة في الذاكرة التاريخية.
من جانبها، تنظر باكستان إلى أي نقاش حول الحدود بوصفه تهديدًا مباشرًا لوحدتها الإقليمية، خاصة أن إقليم “خيبر بختونخوا” والمناطق القبلية السابقة يمثلان عمقًا أمنيًا حساسًا. لذلك، شرعت إسلام آباد في السنوات الأخيرة في بناء سياج أمني على طول الحدود، وهو ما أثار اعتراضات من الجانب الأفغاني ووقعت بسببه اشتباكات متفرقة.
ثانيًا: الحرب الباردة… من الجوار المتوتر إلى التحالف الوظيفي
مع الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979، دخلت العلاقة مرحلة جديدة. أصبحت باكستان قاعدة خلفية رئيسية لدعم “المجاهدين” الأفغان بدعم أمريكي وسعودي، عبر جهاز الاستخبارات الباكستاني. خلال تلك الحقبة، تحولت الحدود إلى ممر للأسلحة والمقاتلين، وبرزت شبكة علاقات أمنية عميقة بين الفصائل الأفغانية والمؤسسة العسكرية الباكستانية.
في هذه المرحلة، اكتسبت باكستان نفوذًا استراتيجيًا داخل أفغانستان، ورأت في دعم قوى موالية لها وسيلة لتأمين “العمق الاستراتيجي” في مواجهة الهند. لكن هذا الانخراط المكثف ترك آثارًا طويلة الأمد، تمثلت في عسكرة المناطق الحدودية.
وقد أدى هذا إلى انتشار السلاح وتنامي الحركات الجهادية وتغلغل الجماعات المسلحة، كما عززت دور المؤسسة العسكرية الباكستانية في صياغة السياسة الإقليمية. خلال تلك الحقبة، لم تعد العلاقة مع أفغانستان مجرد علاقة جوار، بل أصبحت جزءًا من لعبة أممية كبرى بين واشنطن وموسكو.
هذا التداخل بين المحلي والدولي ترك إرثًا طويل الأمد، حيث بقيت شبكات النفوذ التي تأسست في الثمانينيات مؤثرة في المشهد الأفغاني حتى بعد انتهاء الحرب الباردة.
ثالثًا: صعود طالبان… رهانات النفوذ وحدود السيطرة
في تسعينيات القرن الماضي، ومع صعود حركة طالبان وسيطرتها على كابل عام 1996، وجدت باكستان فرصة لترسيخ نفوذها في أفغانستان. كان مفهوم “العمق الاستراتيجي” حاسمًا في التفكير العسكري الباكستاني، حيث رأت إسلام آباد في طالبان حليفًا أيديولوجيًا وأمنيًا يحقق الاستقرار على حدودها الغربية ويحدّ من النفوذ الهندي في أفغانستان.
دعمت إسلام آباد طالبان سياسيًا واقتصاديًا، وساهمت في تسهيل انفتاحها الخارجي المحدود. غير أن هذا الرهان لم يكن خاليًا من المخاطر؛ إذ أدى احتضان بعض الجماعات المسلحة إلى ارتدادات داخلية لاحقًا، حين ظهرت جماعات متمردة تستهدف الدولة الباكستانية نفسها.
رابعًا: مرحلة ما بعد 2001… الشكوك المتبادلة
جاءت هجمات 11 سبتمبر 2001 قلبت المعادلة. وجدت باكستان نفسها مضطرة للتحالف مع الولايات المتحدة في “الحرب على الإرهاب”، في وقت كانت فيه طالبان تعيد تنظيم صفوفها عبر المناطق الحدودية. وجدت إسلام آباد نفسها في موقف بالغ الحساسية، فهي مطالبة بمحاربة حلفاء الأمس، وفي الوقت ذاته تحاول الحفاظ على نفوذها داخل الساحة الأفغانية. هذا الوضع خلق توترًا داخليًا في السياسة الباكستانية بين مقتضيات التحالف الدولي وحسابات النفوذ الإقليمي.
خلال العقدين اللذين أعقبا إسقاط نظام طالبان، اتهمت الحكومات الأفغانية المتعاقبة باكستان بإيواء أو دعم عناصر من الحركة، بينما اشتكت إسلام آباد من تزايد النفوذ الهندي في أفغانستان عبر مشاريع تنموية وقنصليات متعددة، واتهمتها بالتقارب مع الهند والسماح باستخدام أراضيها للإضرار بالأمن الباكستاني.
وأصبحت الحدود مسرحًا لاتهامات متبادلة، وشهدت المناطق القبلية الباكستانية عمليات عسكرية واسعة ضد جماعات مسلحة، بعضها مرتبط بحركة “تحريك طالبان باكستان”. وهكذا باتت العلاقة الأمنية معقدة، فطالبان الأفغانية ليست بالضرورة حليفًا مباشرًا لباكستان في كل الملفات، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالجماعات الباكستانية المسلحة.
خامسًا: عودة طالبان إلى الحكم 2021… آمال لم تتحقق بالكامل
مع انسحاب القوات الأمريكية وعودة طالبان إلى الحكم في أغسطس 2021، توقعت دوائر في إسلام آباد أن يشهد التعاون الأمني تحسنًا ملحوظًا. غير أن الواقع أظهر استمرار التحديات، خصوصًا مع تصاعد نشاط “تحريك طالبان باكستان”، التي تتهمها باكستان بالعمل ضدها من الأراضي الأفغانية، وعدم اتخاذ إجراءات كافية ضد عناصر هذه الجماعة.
وقعت اشتباكات متفرقة على الحدود، وأُغلقت المعابر في بعض الفترات، ما انعكس سلبًا على التجارة وحركة المدنيين. وأدركت باكستان أن التأثير على كابل لا يعني بالضرورة القدرة على ضبط كل الفصائل المسلحة.
كما أن طالبان الأفغانية، بعد وصولها إلى السلطة، تسعى لإظهار قدر من الاستقلالية في القرار، ما يعني أن حساباتها لا تتطابق دائمًا مع المصالح الباكستانية. وقد تجلى ذلك في استمرار الاشتباكات الحدودية وإغلاق بعض المعابر التجارية.
سادسًا: البعد الاقتصادي… فرص واعدة ومخاطر مستمرة
رغم التوترات، يشكل الاقتصاد عنصرًا مهمًا في العلاقة. تعتمد أفغانستان إلى حد كبير على الموانئ الباكستانية للوصول إلى الأسواق العالمية، كما يمثل السوق الأفغاني متنفسًا للبضائع الباكستانية.
مشروع خط أنابيب “تابي” يعدّ مثالًا على الطموحات المشتركة في مجال الطاقة، إذ يمكن أن يحوّل أفغانستان من ساحة صراع إلى معبر اقتصادي استراتيجي. كما تسعى الصين، في إطار “الحزام والطريق”، إلى تعزيز الربط الإقليمي بما يخدم مصالحها التجارية.
لكن هذه المشاريع تبقى رهينة الاستقرار الأمني، وهو شرط لم يتحقق بصورة كاملة حتى الآن.
سابعًا: ملف اللاجئين… عبء إنساني وأداة سياسية
يمثل ملف اللاجئين الأفغان في باكستان أحد أكثر ملفات العلاقة تعقيدًا مع أفغانستان، نظرًا لامتداده الزمني وتشابكه مع الأبعاد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. فمنذ الغزو السوفيتي عام 1979 استقبلت باكستان موجات متتالية من اللاجئين، واستقر ملايين منهم في الأقاليم الحدودية والمدن الكبرى، حتى نشأت أجيال كاملة وُلدت وتعلمت داخل المجتمع الباكستاني. ومع تراجع الدعم الدولي وتزايد الضغوط الاقتصادية الداخلية، باتت السلطات الباكستانية تنظر إلى استمرار هذا الوجود بوصفه عبئًا على سوق العمل والخدمات والبنية التحتية، فضلًا عن المخاوف الأمنية المرتبطة بحركة الحدود غير المنضبطة. في المقابل، ترى كابل أن أي عمليات ترحيل واسعة، خصوصًا في ظل هشاشة الاقتصاد الأفغاني، قد تؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية داخل البلاد. وهكذا يتحول الملف إلى أداة سياسية غير مباشرة؛ فمستوى التشدد أو المرونة في التعامل مع اللاجئين يرتبط غالبًا بمناخ العلاقات الثنائية، ما يجعل القضية تتجاوز بعدها الإنساني لتصبح عنصرًا مؤثرًا في حسابات الثقة والتعاون بين الجانبين.
ثامنًا: التوازنات الإقليمية… الصين والهند وإيران
لا يمكن فهم العلاقات الأفغانية–الباكستانية دون وضعها في إطار أوسع يشمل التنافس مع الهند، والدور الإيراني، والتأثير الصيني المتصاعد عبر مشروع “الحزام والطريق”.
ترى باكستان أن استقرار أفغانستان ضروري لحماية مشاريعها الاقتصادية الكبرى، بينما تسعى الصين إلى ضمان أمن استثماراتها ومنع انتقال الاضطرابات إلى إقليم شينجيانغ. أما الهند، فتمثل عامل قلق دائم لإسلام آباد في الساحة الأفغانية.
علاقة محكومة بالجغرافيا ومختبرة بالأمن
العلاقات بين أفغانستان وباكستان ليست مجرد علاقات ثنائية تقليدية، بل هي علاقة وجودية تتأثر بكل تحول داخلي أو إقليمي. فالحدود الطويلة، والروابط القبلية، والتشابكات الأمنية تجعل من القطيعة أمرًا شبه مستحيل، كما تجعل من الاستقرار الكامل هدفًا صعب التحقيق.
في المحصلة، تبقى العلاقة محكومة بثنائية “الحاجة المتبادلة والشك المتبادل”. فاستقرار أفغانستان ضرورة لأمن باكستان، واستقرار باكستان ممر حيوي لأفغانستان نحو العالم. وبين الطموحات الاقتصادية والهواجس الأمنية، سيظل مستقبل هذه العلاقة رهنًا بقدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما ضمن إطار مؤسسي يحدّ من الانزلاق إلى التوتر المفتوح.
إنها علاقة تختصر معضلة جنوب آسيا: جغرافيا واحدة، تاريخ متداخل، وأمن لا ينفصل.



Ricardo Gibba
"Congratulations, Dr. Reem Abu El-Kheir, for such a deep and well-structured strategic analysis. As a professional focused on 'Zero Defect' standards and operational excellence, I truly appreciate high-level technical content that brings clarity to complex scenarios. Excellent contribution to the LinkedIn network!"