On Research

مقالات تحليلية

مصر في مرآة المرشد: خامنئي بين عبد الناصر والإخوان… صراع الفكرة والسلطة

Email :2249

كتابة وتحليل

د. ريم أبو الخير

(إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني)

جمهورية مصر العربية 

 

 

 

ليست العلاقة بين علي خامنئي ومصر مجرد ملف دبلوماسي بين عاصمتين في الشرق الأوسط، بل هي حكاية تداخل معقّد بين الفكرة والسلطة، بين الثورة والقومية، بين المسجد والدولة. مصر ظلت حاضرة في الوعي السياسي للمرشد الإيراني بوصفها أكثر من دولة عربية؛ بل بوصفها مختبرًا تاريخيًا لصراع المرجعيات في العالم الإسلامي.

من طهران إلى القاهرة، لم تكن المسافة جغرافية فقط، بل فكرية وعقائدية واستراتيجية. خامنئي قرأ مصر عبر كتبها قبل أن يقرأها عبر سفاراتها، وتأمل تجربتها الثورية قبل أن يراقب تحالفاتها السياسية. رأى في عبد الناصر رمزًا للتحرر، لكنه انتقد قمعه للإسلاميين. تعاطف مع الإخوان فكريًا، لكنه قدّم نموذجًا مختلفًا للحكم قائمًا على ولاية الفقيه. وبين الإعجاب والتحفظ، وبين التقاطع والاختلاف، تشكّلت صورة مصر في خطاب المرشد الإيراني.

هذه العلاقة إذن ليست قصة ودّ أو خصومة عابرة، بل مرآة تعكس صراعًا أعمق حول سؤال الحكم والشرعية والهوية في الشرق الأوسط: هل تقود الأمة فكرة قومية؟ أم مشروعًا إسلاميًا حركيًا؟ أم ثورة دينية مؤسسية؟ في هذا المفترق، تقف مصر في قلب المعادلة، ويقف خامنئي مراقبًا ومفسّرًا ومنافسًا في آنٍ واحد.

من هو علي خامنئي؟ (الخلفية الفكرية والسياسية)

وُلد علي خامنئي عام 1939 في مدينة مشهد الإيرانية، ونشأ في بيئة دينية شيعية تقليدية، لكنه سرعان ما تجاوز الإطار الحوزوي الضيق إلى فضاء الفكر السياسي الإسلامي العابر للحدود. انخرط في النشاط المعارض لنظام الشاه، واعتُقل أكثر من مرة، ثم أصبح أحد أبرز تلاميذ روح الله الخميني قائد الثورة الإيرانية عام 1979.

بعد وفاة الخميني عام 1989، تولّى خامنئي منصب المرشد الأعلى، وهو الموقع الذي يجمع بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية العليا في النظام الإيراني. ومع مرور الوقت، تطور دوره من قيادة انتقالية إلى مرجعية استراتيجية تحدد توجهات الدولة في السياسة الخارجية، خاصة في ما يتعلق بالعالم العربي.

ما يميز خامنئي فكريًا أنه لم يكن منغلقًا على الإنتاج الفقهي الشيعي، بل انفتح مبكرًا على أدبيات الحركات الإسلامية السنية، واعتبر أن مشروع “الحاكمية” و”إقامة الدولة الإسلامية” يتجاوز الانقسامات المذهبية، ليشكّل إطارًا جامعًا لما سماه لاحقًا “الصحوة الإسلامية”.

خامنئي وفكر الإخوان… الترجمة بوصفها انحيازًا

من النقاط الجوهرية في فهم علاقة خامنئي بمصر، علاقته الفكرية بأدبيات جماعة الإخوان المسلمين، وخاصة كتابات سيد قطب.

قام خامنئي بترجمة بعض أعمال سيد قطب إلى الفارسية، وكتب مقدمات تشيد بعمق طرحه العقائدي. كان يرى في قطب مفكرًا ثوريًا أعاد تعريف العلاقة بين الإسلام والسياسة، وطرح مفهوم “الجاهلية المعاصرة” و”حاكمية الله” باعتبارهما أساسًا لتغيير جذري في بنية الدولة والمجتمع.

هذا التفاعل لم يكن مجرد إعجاب ثقافي، بل انطوى على تقاطع سياسي عميق:

  • كلا المشروعين (الإخواني والإيراني) يرفضان الفصل بين الدين والدولة.
  • كلاهما يتبنى خطابًا تعبويًا ضد الهيمنة الغربية.
  • كلاهما يسعى لإعادة تشكيل المجتمع وفق تصور عقائدي شامل.

ومع ذلك، ظل الفرق الجوهري في البنية المرجعية: الإخوان يقوم مشروعهم على فكرة “الجماعة الحركية” التي تصل إلى الحكم عبر المجتمع، بينما يقوم النظام الإيراني على نظرية “ولاية الفقيه” التي تمنح القيادة السياسية شرعية دينية عليا فوق مؤسسات الدولة.

رغم هذا الاختلاف، رأى خامنئي أن التجربة الإخوانية في مصر تمثل حليفًا فكريًا طبيعيًا في مواجهة الأنظمة القومية أو الليبرالية.

الرئيس عبد الناصر في عيون خامنئي… الإعجاب المشروط

يشكّل عهد الرئيس جمال عبد الناصر محطة محورية في قراءة خامنئي لمصر.

  1. الإعجاب بخطاب التحرر الوطني

خامنئي – كقائد ثوري – لم يُخفِ تقديره لعبد الناصر بوصفه رمزًا للتحرر من الاستعمار البريطاني ومقاومة الهيمنة الغربية. تجربة تأميم قناة السويس، ودعم حركات التحرر العربي، ورفع شعار القومية العربية، كلها عناصر جعلت عبد الناصر في نظره زعيمًا استنهض الجماهير وواجه الغرب بشجاعة. في الخطاب الإيراني الرسمي، غالبًا ما يُستدعى الرئيس عبد الناصر كنموذج لزعيم تحدى المعادلات الدولية، حتى وإن اختلفت المرجعيات.

  1. الانتقاد بسبب قمع الجماعات الإسلامية

لكن الإعجاب كان دائمًا مشروطًا. فالصدام بين عبد الناصر وجماعة الإخوان المسلمين، وخصوصًا إعدام سيد قطب عام 1966، شكّل نقطة خلاف عميقة. من منظور خامنئي، كانت هذه المواجهة خطأً استراتيجيًا؛ لأن عبد الناصر – في رأيه – حارب التيار الإسلامي بدل احتوائه أو التحالف معه. وهنا يتجلى الفارق بين مشروع قومي يرى في الدين عنصرًا ثقافيًا داعمًا، ومشروع ديني يرى في الدولة أداة لتطبيق الشريعة.

إذن، صورة عبد الناصر في عقل خامنئي مزدوجة:

  • زعيم تحرري مقاوم للاستعمار.
  • لكنه أخطأ حين قدّم القومية على المرجعية الإسلامية.

كامب ديفيد… لحظة القطيعة الرمزية

مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد في عهد الرئيس أنور السادات، دخلت العلاقات المصرية الإيرانية في مرحلة توتر عميق، خاصة بعد الثورة الإيرانية عام 1979.

من منظور خامنئي، مثّلت كامب ديفيد انتقال مصر من موقع المواجهة إلى موقع التسوية مع إسرائيل، وهو ما يتناقض مع العقيدة السياسية للنظام الإيراني القائمة على “المقاومة”.

هذه اللحظة لم تكن سياسية فقط، بل رمزية أيضًا:

  • مصر الناصرية كانت تمثل الاستقلال.
  • مصر ما بعد كامب ديفيد أصبحت – في الخطاب الإيراني – جزءًا من منظومة إقليمية مرتبطة بالغرب.

ومنذ ذلك الحين، ظل الخطاب الإيراني يميّز بين “مصر الدولة” و”مصر النظام”، في محاولة للحفاظ على خطاب إيجابي تجاه الشعب المصري والنخب الثقافية والدينية.

ثورة 2011… حلم التقارب الذي لم يكتمل

مع ثورة 25 يناير 2011 وصعود الرئيس محمد مرسي، اعتبر خامنئي أن مصر تدخل مرحلة “صحوة إسلامية” تشبه – في تصوره – الثورة الإيرانية.

رحّبت طهران آنذاك بأي تقارب محتمل، وظهرت إشارات دبلوماسية محدودة لإعادة بناء العلاقات. لكن الفوارق الاستراتيجية بين البلدين، والاصطفافات الإقليمية، وعدم استقرار الداخل المصري حينها، حالت دون تحول هذا التقارب إلى شراكة حقيقية.

بالنسبة لخامنئي، مثّلت تلك المرحلة فرصة لإعادة تموضع مصر داخل محور إقليمي مختلف، لكنها لم تستمر.

مصر في الاستراتيجية الإيرانية… أكثر من مجرد دولة عربية

في الرؤية الاستراتيجية لخامنئي، مصر ليست دولة عادية، بل هي:

  1. قلب العالم العربي ثقافيًا ودينيًا.
  2. مركز توازن إقليمي يؤثر في فلسطين وغزة وسيناء.
  3. قوة سُنية كبرى يمكن أن تعيد تشكيل معادلات المنطقة إذا تغيّر تموضعها السياسي.

لذلك، تبقى مصر في الخطاب الإيراني دولة “مفتاحية”، حتى في فترات البرود الدبلوماسي.

صراع المرجعيات لا صراع الدول

علاقة خامنئي بمصر تتجاوز كونها مجرد علاقة بين طهران والقاهرة، فهي في الواقع انعكاس لصراع أعمق بين ثلاثة مشاريع كبرى:

  • المشروع القومي العربي الذي مثّله الرئيس عبد الناصر.
  • المشروع الإسلامي الحركي الذي مثّله الإخوان.
  • المشروع الثوري الشيعي المؤسسي الذي يقوده خامنئي.

يتقاطع خامنئي مع الرئيس عبد الناصر في مقاومة الغرب، ويتقاطع مع الإخوان في شمولية الإسلام السياسي، لكنه يختلف معهما في بنية الشرعية ومفهوم القيادة.

وهكذا تبقى مصر، في وعي المرشد الإيراني الراحل، ساحة رمزية للصراع بين الفكرة القومية والفكرة الدينية، وبين الدولة الوطنية والمشروع الأممي. إنها ليست مجرد دولة على ضفة النيل، بل عقدة استراتيجية في معادلة الشرق الأوسط، حيث تتصارع الأفكار قبل أن تتصارع الجيوسياسة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts