
إعداد
د. خلف المفتاح
باحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية واليهودية
سوريا
ارتبط ظهور الصحافة الورقية عموماً بالتقدم العلمي والتقاني واختراع المطابع، وكان مجال ذلك أوروبا في عصر النهضة ولا سيما ألمانيا وفرنسا. ومع التوسع الاستعماري في المنطقة العربية واحتلال فرنسا وبريطانيا لعدد من الأقطار العربية ومنها مصر، كان لا بد للمستعمر من نقل أو توطين بعض أشكال من تقانته وأدوات الحداثة التي امتلكها إلى الدول المستعمرة. وهذا حال المستعمر الفرنسي الذي تحرك ضمن محيط المتوسط مجال نفوذه الجيواستراتيجي، حيث كان لحملة نابليون بونابرت دورٌ كبيرٌ في ذلك، سيما وأن التنافس البريطاني الفرنسي كان قد تركز بشكل أساسي على منطقتي الشرقين الأوسط والأدنى.
إن التأسيس لنقطة البداية لولادة الصحافة الورقية الصادرة في المنطقة العربية يشير إلى أن أول صحيفة صدرت فيها كانت صحيفة التنبيه في مصر وباللغة الفرنسية، وذلك سنة ١٨٠٠ إبان الحملة الفرنسية على مصر حيث جلب نابليون أول مطبعة إليها. وبعد خروج المستعمر الفرنسي من مصر اهتم والي مصر محمد علي بتحديثها، فجلب العلماء وأشاد المصانع وقام بإرسال البعثات العلمية إلى الغرب بهدف توطين التقانة في مصر، وتساوق ذلك باهتمام بالصحافة، فكان باكورة ذلك صدور صحيفة الوقائع المصرية التي أبصرت النور عام ١٨٢٨ وكانت باللغة التركية. وفي ظل الإمبراطورية العثمانية بدأت إرهاصات أولى لذلك، وتمثل بصدور عدد من الصحف في المستعمرات الفرنسية والبريطانية، غير أن أول صحيفة صدرت باللغة العربية كانت مرآة الأحوال للسوري رزق الله حسون الحلبي وذلك عام ١٨٥٥م في مدينة إسطنبول عاصمة السلطنة العثمانية آنذاك.
أما صدور أول صحيفة عربية وفي بلد عربي وباللغة العربية فكانت صحيفة حديقة الأخبار لصاحبها خليل خوري وذلك سنة ١٨٥٨م في بيروت، لتكون أول صحيفة تصدر باللغة العربية في بلد عربي هي بلاد الشام، ثم أعقبها بعد ذلك صدور العديد من الصحف في البلدان العربية كسورية ومصر والجزائر والكويت والعراق وغيرها من بلدان عربية. ولعل صحيفة الأهرام المصرية هي أقدم صحيفة عربية استمرت في الصدور منذ عام ١٨٧٥ وحتى الوقت الراهن. ويشار إلى أن انطلاقة الصحافة في المنطقة العربية ترافق مع الإرهاصات الأولى لمشروع النهضة العربية وبداية الصدام بين العرب والترك وفكرة العروبة الناهضة وعصر القوميات، وما شكله ذلك من ردود فعل على مستوى الساحة القومية ولا سيما في بلاد الشام ووادي النيل.
ولا شك أن الصحافة العربية انطلقت بصورة أوسع مع بدايات القرن العشرين وانتشار المطابع والحركات السياسية والأحزاب والجمعيات السياسية والأدبية، والحاجة الماسة لنشر الأفكار والمبادئ والتوعية الاجتماعية في ظل حالة من الجهل والتخلف وَسَمَت إلى حد كبير الساحة العربية ومجتمعاتها التي عانت من الجهل والاستبداد وانعدام الحرية في ظل السيطرة العثمانية التي زادت على أربعة قرون ونيف. من هنا نلحظ الانتشار الواسع للصحافة مع بداية النهاية للسلطنة العثمانية، حيث بلغ عدد الصحف التي صدرت في بلاد الشام لوحدها سنة ١٩١٣ أكثر من ١٠٩ صحف توزعت في سورية ولبنان وفلسطين والأردن، ولم تَخْلُ محافظة أو مدينة من صحيفة أو أكثر، أخذاً بالاعتبار طبيعة الظروف التاريخية آنذاك سواء كان ذلك في حجم المطبوعة أو مضمونها وانتشارها. ومع خروج الأتراك من سورية وبداية العهد الفيصلي انتعشت الصحافة السورية، ولكن سرعان ما تراجعت بعد الاحتلال الفرنسي حيث تمت محاربة الصحافة التي واجهت المستعمر وحثت على الثورة، فتقلص عددها إلى العشرات. وسرعان ما استعادت زخمها بعد الثورة السورية الكبرى التي قادها سلطان باشا الأطرش لتصل إلى عشر صحف ومجلات جديدة كان من أبرزها صحيفتا الأيام والقبس.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية فجر الاستقلال شهدت الصحافة السورية ما يمكن تسميته طفرة إعلامية، فصدرت العديد من الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية ونصف الشهرية والشهرية والفصلية حيث بلغ عددها ثمانياً وأربعين مطبوعة، ما يعني أن سورية كانت الرائدة على المستوى العربي في هذا المجال. ومن أهم الصحف التي صدرت في تلك الفترة: صحيفة البعث التي صدرت سنة 1946 وكانت ولا زالت أقدم صحيفة سورية استمرت في الصدور حتى سقوط النظام 2024، إلى جانب صحف ومجلات أخرى منها:
في دمشق: سورية الجديدة، الحياة، ألف باء، الرأي العام، القبس، الأمة، بردى (التي سميت فيما بعد الوحدة ثم الثورة التي لا زالت تصدر حتى الآن بمسمى جديد)، وكذلك المنار، الرابطة الإسلامية، الزمان، إلى جانب صحف باللغة الفرنسية والأرمنية.
أما في حلب فصدرت عشرات الصحف والمجلات منها: حلب، الراية، الوطن، سورية، الجهاد العربي. وفي اللاذقية: ما صنع الحداد، اللاذقية، الزمر، الأدهمية، اللواء.
وفي السويداء: القلم العربي، المضحك المبكي، الصباح، اليقظة العربية.
وفي حمص: جادة الرشاد، دوحة الميماس، الأمل.
وفي دير الزور: صحيفة الفرات. كما صدرت العديد من الصحف في باقي المحافظات وكذلك المدن.
وبعد عام ١٩٦٠ تراجع عدد الصحف والمجلات في سورية. وبالنظر إلى الصحف الصادرة اليوم يمكننا القول إن صحيفة البعث كما أشرنا لا زالت أقدم صحيفة وقد صدرت في تموز ١٩٤٦ بعد ترخيصها من وزارة الداخلية، أما صحيفة الثورة فقد كان اسمها بردى ثم سميت الوحدة تيمناً بالوحدة السورية المصرية، وصدر العدد الأول منها في ١٩ آذار عام ١٩٥٩، وسميت الثورة بعد وصول البعث للحكم في الثامن من آذار، وصدر العدد الأول منها في ١-٧-١٩٦٣. وبعد ذلك بأقل من سنة صدرت صحف الجماهير في حلب والعروبة في حمص والفداء في حماة. أما صحيفة تشرين (التي أصبح اسمها حالياً الحرية) فقد صدرت في تشرين الأول عام ١٩٧٥، ثم صدرت صحيفة الوحدة في اللاذقية عام ١٩٨٤ والفرات في دير الزور عام ٢٠٠٤. وكل الصحف المحلية المشار إليها صدرت عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع. وإضافة للصحف المشار إليها صدرت صحف ناطقة باسم أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وكذلك صحافة ومجلات خاصة بالمنظمات والنقابات المهنية وبعض الوزارات والهيئات المدنية.
وشهد الإعلام السوري انفتاحاً واسعاً بعد عام ٢٠٠٠ وجرى تطوير قانون الإعلام وأفسح المجال واسعاً لترخيص المطبوعات بكل أنواعها، حيث بلغ المرخص منها أكثر من مئتي مطبوعة من أهمها الدومري التي توقفت عن الصدور، ثم صحيفة الوطن التي احتفلت منذ عدة سنوات بمرور عشر سنوات على انطلاقتها واكتسبت مساحة واسعة من الانتشار، إضافة لصحيفة القرار والأيام التي صدرت مؤخراً. ويشار إلى مجموعة من المجلات التي استمرت بالصدور على الرغم من ظروف الأزمة وضيق مساحة التوزيع وصعوبة التنقل، من أهمها مجلة الأزمنة واليسار والعالم وعالم الاختراع.
مما سبق يتبين دور السوريين في ولادة الصحافة العربية والدور الذي لعبته في مواجهة الاستعمار ومشاريع الهيمنة، والأهم من ذلك الوعي الذي ساهمت في تشكيله والهوية والرسالة التي حملتها الصحافة السورية، وهي رسالة العروبة والإنسانية والدفاع عن حقوق العرب والمساهمة في بناء وعي قومي عربي بمواجهة كل أشكال الاستهداف، سيما في وقتنا الحاضر حيث تواجه الأمة العربية أكبر تحدٍ وجودي يستهدف الهويتين الوطنية والقومية.



Ricardo Gibba
(العربية) مذكرة استراتيجية: من سحر الكتبة إلى التكنولوجيا 5.0 بقلم: ريكاردو جيبا – خبير التكنولوجيا 5.0 إن تطور البشرية محكوم بقفزات تقنية تعيد تعريف موازين القوى. قديماً، كان "الكتبة" يمتلكون قوة قُرئت كالسحر في مجتمعات سادها الأميّة، حيث كانت المعرفة حكراً على نخبة ضيقة. وكما أنقذ اختراع الكهرباء والنفط الحيتان من الانقراض عبر استبدال زيت الحيتان (الذي كان "نفط" ذلك العصر)، فإن التكنولوجيا تتطور لحماية الوجود الإنساني وتطويره. نحن اليوم في عصر التكنولوجيا 5.0، حيث التناغم بين الإنسان والذكاء الاصطناعي هو المعيار الجديد للسيادة التقنية. بالنظر إلى ما أورده د. خلف المفتاح حول نشأة الصحافة العربية، نجد أن "توطين التقانة" في القرن التاسع عشر كان السند الحقيقي للنهضة. إن الصحافة لم تكن مجرد ورق، بل كانت الخوارزمية السيادية التي شكلت الوعي القومي بمواجهة الاستعمار. نحن كاستشاريين، نرى في هذا السرد التاريخي تأكيداً على أن "الحقيقة التقنية" هي الوريث الشرعي لسحر الكتبة القدامى، وهي الأداة التي نستخدمها اليوم في معهدكم لضمان الدقة الاستراتيجية والأمن المعرفي.