On Research

وحدة الدراسات السياسية

آثار الحرب السودانية على المحيط الإقليمي والدولي (مصر، تشاد، تركيا، الإمارات) نماذجا للدراسة 2023/2025م

Email :1251

إعداد

د. محمد ضياء الدين محمد احمداي

أستاذ العلوم السياسية و العلاقات الدولية المساعد

مركز أبحاث ودراسات السلام – جامعة نيالا

السودان

 

 

 

المستخلص:

تناولت هذه الدراسة أبعاد الصراع المسلح في السودان الذي اندلع في أبريل 2023 وأثره المستمر حتى عام 2025 على الصعيدين الإقليمي والدولي. ركزت الدراسة على أربعة نماذج متباينة في مصالحها وتفاعلها مع الأزمة: مصر وتشاد كدولتي جوار متأثرتين مباشرة بالأمن واللجوء، وتركيا والإمارات كقوى إقليمية ذات مصالح استراتيجية واقتصادية. خلصت الدراسة إلى أن الأزمة السودانية لم تعد شأناً داخلياً، بل تحولت إلى بؤرة استقطاب دولي هددت سلاسل الإمداد والأمن المائي والحدودي، وأوصت بضرورة إيجاد آلية تنسيق إقليمية موحدة لمنع انهيار الدولة السودانية الشامل.

Abstract:

This study examines the implications of the Sudanese armed conflict (2023-2025) on regional and international levels. It focuses on four distinct models: Egypt and Chad as neighboring countries directly impacted by security and refugee crises, and Turkey and the UAE as regional powers with strategic and economic interests. The study concludes that the Sudanese crisis has evolved into a global polarization hub, threatening supply chains, water security, and regional stability. It recommends a unified regional coordination mechanism to prevent the total collapse of the Sudanese state.

الإطار التمهيدي للدراسة

المقدمة:

 تتناول اندلاع الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وكيف أدى الموقع الجيوسياسي للسودان إلى تحويل الصراع المحلي إلى أزمة دولية.

أهمية الدراسة: تنبع من التوقيت الحرج (2023-2025) ومراقبة تطور المواقف الدولية تجاه الفاعلين في السودان.

أهداف الدراسة:

تحليل التكلفة الاقتصادية والأمنية على دول الجوار، وفهم التنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية.

مشكلة الدراسة:

تكمن مشكلة الدراسة في التساؤل: كيف أثر انهيار مؤسسات الدولة السودانية على توازن القوى في البحر الأحمر ومنطقة الساحل الأفريقي؟

تساؤلات الدراسة:

  1. ما حجم الضرر الذي لحق بالأمن القومي المصري والتشادي؟
  2. كيف تتقاطع المصالح الإماراتية والتركية في المشهد السوداني؟

فرضيات الدراسة:

تفترض الدراسة أن استمرار الحرب سيؤدي إلى “تأثير الدومينو” الذي قد يزعزع استقرار شرق أفريقيا والساحل بالكامل.

منهجية الدراسة:

 المنهج الوصفي التحليلي، ومنهج تحليل النظم، ومنهج دراسة الحالة.

أدوات الدراسة:

 التقارير الأممية، مراكز الدراسات الاستراتيجية، البيانات الإحصائية لتدفقات اللاجئين، والتحليل السياسي للمواقف الدبلوماسية.

حدود الدراسة:

 الحدود الزمانية: أبريل 2023 – منتصف 2025.

الحدود المكانية: السودان، مصر، تشاد، تركيا، الإمارات.

هيكلية الدراسة:

يعالج هذا البحث في هيكله التحليلي انعكاسات الصراع في السودان على عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، من خلال أربعة مباحث رئيسة، يركّز كل مبحث منها على دولة بعينها وطبيعة تأثرها بالأزمة السودانية.

يتناول المبحث الأول تأثيرات الصراع السوداني على مصر في إطار الأمن القومي وتحديات الجوار المباشر، حيث يناقش أزمة اللاجئين وما تمثله من ضغط متزايد على البنية التحتية المصرية نتيجة استقبال مئات الآلاف من السودانيين، إضافة إلى انعكاسات عدم الاستقرار في السودان على ملف الأمن المائي، ولا سيما التنسيق الإقليمي المرتبط بقضية سد النهضة. كما يتطرق المبحث إلى البعد الأمني، من خلال تحليل جهود تأمين الحدود الجنوبية لمصر، ومخاطر تسلل الجماعات المتطرفة وعمليات التهريب في ظل هشاشة الوضع الأمني في السودان.

ويركّز المبحث الثاني على تشاد، من خلال دراسة ارتدادات الصراع العرقي والهشاشة الحدودية بين البلدين، حيث يناقش تشرذم النسيج الاجتماعي الناتج عن انتقال الصراع من إقليم دارفور إلى العمق التشادي بفعل التداخل القبلي والعرقي. كما يتناول المبحث تفاقم الأزمة الإنسانية في شرق تشاد مع تزايد أعداد معسكرات النزوح، إضافة إلى تحليل تأثير الحرب في السودان على الاستقرار السياسي في تشاد، ومدى تهديدها لاستمرار النظام السياسي القائم في أنجمينا.

أما المبحث الثالث فيتناول الدور التركي في السودان من زاوية القوة الناعمة والحضور الاستراتيجي، حيث يستعرض مصير الاستثمارات الاقتصادية التركية، ولا سيما المشاريع الزراعية والصناعية المتأثرة بحالة عدم الاستقرار. كما يناقش الدور الدبلوماسي لتركيا ومحاولاتها للوساطة في الأزمة السودانية بهدف تعزيز نفوذها في القارة الأفريقية، إلى جانب تحليل الرؤية التركية لميناء سواكن وأهميته الاستراتيجية في سياق التنافس الإقليمي على موانئ البحر الأحمر في ظل السيولة الأمنية.

ويخصص المبحث الرابع لدراسة موقف دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال تحليل مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية في السودان، إذ يتناول دور الاستثمارات الزراعية الواسعة في الأراضي السودانية في تحقيق الأمن الغذائي الإماراتي. كما يناقش التنافس الإقليمي حول الموانئ واللوجستيات على ساحل البحر الأحمر، وأبعاده الاستراتيجية. ويختتم المبحث بتحليل الدور السياسي للإمارات في الأزمة السودانية، بما في ذلك الاتهامات والردود الدولية المتعلقة بدعم أطراف الصراع، وانعكاس ذلك على صورة الإمارات ومكانتها الإقليمية والدولية.

وتختتم هيكلية الدراسة بقسم الخاتمة والنتائج والتوصيات، الذي يلخص أبرز ما توصلت إليه الدراسة من استنتاجات تحليلية في ضوء المحاور السابقة. حيث تعرض الخاتمة النتائج الرئيسة التي أظهرت تحوّل السودان من كونه «سلة غذاء» مفترضة في الإقليم إلى مصدر أساسي للقلق الأمني وعدم الاستقرار، كما بيّنت أن دول الجوار المباشر، وعلى رأسها مصر وتشاد، تتحمل العبء الأكبر من تداعيات الحرب على المستويين الاقتصادي والأمني.

وأوضحت النتائج كذلك تباين الأجندات الإقليمية لكل من تركيا والإمارات في إدارة الأزمة السودانية، الأمر الذي أسهم في إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص التسوية السياسية. وفي ضوء هذه النتائج، تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات، من أبرزها على الصعيد الدولي ضرورة فرض عقوبات صارمة وفعالة على مصادر تمويل الحرب ومنع تدفق السلاح، وعلى الصعيد الإقليمي الدعوة إلى إنشاء غرفة عمليات مشتركة تضم مصر وتشاد والسعودية لتنسيق الجهود المتعلقة بالمساعدات الإنسانية والأمن الإنساني. كما توصي الدراسة بضرورة الشروع في وضع خطة شاملة لإعادة الإعمار على غرار «خطة مارشال سودانية»، بما يسهم في تحفيز الأطراف المتصارعة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

 وتشير الهيكلية، في إطار التوسع المنهجي، إلى أهمية تدعيم كل مبحث بجداول وبيانات إحصائية توضيحية، مثل أعداد اللاجئين شهرياً، وخسائر التجارة البينية، وحجم الاستثمارات المعطلة، بما يعزز من العمق التحليلي للدراسة ويساعد على الوصول إلى الحجم العلمي المستهدف للبحث.

 

المبحث الأول: آثار الحرب السودانية على مصر

تمهيد:

اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لتدخل البلاد في واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية في تاريخها الحديث. لم تقتصر آثار هذه الحرب على الداخل السوداني فحسب، بل امتدت تداعياتها إلى الإقليم والمجتمع الدولي، نظراً لموقع السودان الجيوسياسي المهم في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

وقد تأثرت الدول المجاورة بصورة مباشرة بهذه الأزمة، وفي مقدمتها مصر، التي تربطها بالسودان علاقات تاريخية وجغرافية واقتصادية وثيقة.

لذلك يهدف هذا المبحث إلى تحليل آثار الحرب السودانية على المحيط الدولي، مع التركيز على مصر كنموذج لدولة تأثرت بشكل مباشر بالأزمة السودانية.

المطلب الأول: الآثار السياسية للحرب السودانية على المحيط الدولي

أحدثت الحرب السودانية تحولات سياسية مهمة على المستوى الإقليمي والدولي، حيث أصبحت الأزمة السودانية إحدى القضايا المطروحة بقوة في أجندة المنظمات الدولية والإقليمية.

أولاً، أدى الصراع إلى زيادة الاهتمام الدولي بالسودان، خاصة من قبل القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى منظمات دولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. وقد تمثل هذا الاهتمام في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف إطلاق النار وإيجاد تسوية سياسية للنزاع.

ثانياً، ساهمت الحرب في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. فالسودان يمثل موقعاً استراتيجياً مهماً يربط بين إفريقيا والشرق الأوسط، كما يطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو البحر الأحمر. وبالتالي فإن استمرار الحرب يهدد الاستقرار الإقليمي ويزيد من احتمالات التدخلات الدولية.

ثالثاً، أثرت الحرب في العلاقات بين السودان وعدد من الدول المجاورة، حيث اضطرت هذه الدول إلى اتخاذ مواقف سياسية ودبلوماسية تجاه الأزمة، سواء عبر الوساطة أو دعم المبادرات السلمية. كما أن بعض الدول أصبحت تخشى من انتقال عدم الاستقرار إلى أراضيها.

وفي هذا السياق، لعبت مصر دوراً سياسياً مهماً في دعم الحلول السلمية للأزمة السودانية، حيث استضافت عدة اجتماعات ومبادرات تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية. كما أكدت القاهرة مراراً على أهمية الحفاظ على وحدة السودان واستقراره.

المطلب الثاني: الآثار الاقتصادية للحرب السودانية على الدول المجاورة

لم تقتصر تداعيات الحرب السودانية على الجانب السياسي فقط، بل امتدت إلى المجال الاقتصادي، حيث تأثرت العديد من الدول المجاورة بالسودان نتيجة تعطّل التجارة وحركة النقل والاستثمار.

أولاً، أدى اندلاع الحرب إلى تعطّل جزء كبير من النشاط الاقتصادي في السودان، مما انعكس سلباً على حركة التجارة الإقليمية. فالسودان يعد سوقاً مهماً للعديد من الدول المجاورة، كما يمثل ممراً تجارياً مهماً لبعض السلع.

ثانياً، تسببت الحرب في ارتفاع تكاليف النقل والتجارة نتيجة تدهور البنية التحتية وتعطل بعض الطرق والموانئ. كما أدت حالة عدم الاستقرار إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية في السودان والمنطقة المحيطة به.

ثالثاً، تأثرت الأسواق الإقليمية باضطراب سلاسل الإمداد، خاصة في السلع الزراعية والغذائية التي كان السودان يساهم في إنتاجها أو تصديرها. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار بعض السلع في الدول المجاورة.

أما بالنسبة لمصر، فقد تأثرت اقتصادياً بعدة طرق، منها زيادة الأعباء الاقتصادية نتيجة استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين، إضافة إلى تأثير الحرب على حركة التجارة الحدودية. كما تأثرت بعض القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالتبادل التجاري بين البلدين.

ومع ذلك، حاولت مصر التكيف مع هذه التحديات من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي مع السودان في المناطق الآمنة، وتسهيل دخول السودانيين لأسباب إنسانية.

المطلب الثالث: الآثار الإنسانية والأمنية للحرب السودانية على مصر

تعد الآثار الإنسانية والأمنية من أبرز تداعيات الحرب السودانية على الدول المجاورة، حيث أدت الأزمة إلى موجات نزوح ولجوء كبيرة نحو الدول المحيطة بالسودان.

أولاً، شهدت مصر تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين منذ اندلاع الحرب، حيث لجأ مئات الآلاف من السودانيين إلى الأراضي المصرية بحثاً عن الأمان والاستقرار. وقد شكل ذلك ضغطاً على الخدمات العامة مثل التعليم والصحة والإسكان.

ثانياً، فرضت الأزمة السودانية تحديات أمنية على الدول المجاورة، إذ تخشى هذه الدول من انتشار الجماعات المسلحة أو تهريب الأسلحة عبر الحدود نتيجة حالة الفوضى التي تشهدها بعض المناطق السودانية.

ثالثاً، لعبت مصر دوراً إنسانياً مهماً في التعامل مع الأزمة، حيث قدمت تسهيلات لدخول السودانيين، كما شاركت في جهود الإغاثة الإنسانية بالتعاون مع المنظمات الدولية.

ومن الناحية الأمنية، حرصت مصر على تعزيز إجراءاتها الحدودية لضمان استقرار الحدود المشتركة مع السودان، مع الاستمرار في دعم الحلول السياسية التي من شأنها إنهاء الصراع وعودة الاستقرار إلى السودان.

ويتضح من خلال هذا المبحث أن الحرب السودانية لم تقتصر آثارها على الداخل السوداني، بل امتدت تداعياتها إلى المحيط الإقليمي والدولي. فقد أثرت الأزمة في الجوانب السياسية والاقتصادية والإنسانية للعديد من الدول، وفي مقدمتها مصر.

وقد برزت مصر كنموذج لدولة تأثرت بشكل مباشر بالأزمة السودانية، سواء من خلال استقبال اللاجئين أو المشاركة في الجهود الدبلوماسية لحل الصراع.

لذلك فإن تحقيق الاستقرار في السودان لا يمثل مصلحة سودانية فحسب، بل يعد ضرورة إقليمية ودولية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

المبحث الثاني: تشاد – ارتدادات الصراع العرقي والهشاشة الحدودية

تمهيد:

تعد جمهورية تشاد الدولة الأكثر تأثراً بالصراع السوداني من الناحية الأمنية والاجتماعية، نظراً للارتباط العضوي بين شرق تشاد وإقليم دارفور السوداني. فالتداخل القبلي والمكاني جعل من تشاد “الرئة” التي يتنفس منها النازحون، وفي الوقت ذاته، الساحة الأكثر عرضة لانتقال شرارة الحرب العرقية.

المطلب الأول: التداخل القبلي وانعكاسات صراع دارفور

يرتبط إقليم دارفور بشرق تشاد بروابط دموية وقبلية وثيقة (مثل قبائل الزغاوة، والمساليت، والقبائل العربية).

امتداد الصراع العرقي: أدى العنف المستهدف ضد قبيلة “المساليت” في الجنينة (2023-2024) إلى تدفق هائل نحو تشاد، مما خلق حالة من الاحتقان داخل المكونات الاجتماعية التشادية التي تنتمي لنفس هذه الأصول.

معضلة المقاتلين العابرين للحدود: تواجه تشاد تحدي انضمام أفراد من قبائل تشادية للقتال بجانب أطراف الصراع في السودان، مما يهدد بعودتهم لاحقاً بخبرات قتالية وأسلحة قد تستخدم في نزاعات داخلية تشادية.

التهديد الوجودي للنظام: يراقب النظام التشادي بحذر توازن القوى في السودان؛ فانتصار طرف على حساب آخر قد يغير موازين القوى القبلية داخل السلطة في “أنجمينا”.

المطلب الثاني: الأزمة الإنسانية وتحديات اللجوء في “أدري”

تعتبر مدينة “أدري” التشادية الحدودية نموذجاً لواحدة من أسرع أزمات اللجوء نمواً في العالم بين عامي 2023 و2025.

الضغط على الموارد المحدودة: استقبلت تشاد أكثر من 900 ألف لاجئ جديد منذ بداية الحرب، يضافون إلى مئات الآلاف من اللاجئين القدامى. هذا التدفق حدث في مناطق تعاني أصلاً من “الفقر المائي” ونقص المحاصيل الزراعية.

الأمن الغذائي والبيئي: أدى التواجد الكثيف للاجئين إلى استنزاف الغطاء النباتي والموارد الرعوية، مما خلق احتكاكات بين اللاجئين والسكان المحليين حول مصادر المياه والمراعي.

الدور الدولي المحدود: تعاني خطة الاستجابة الإنسانية في تشاد من نقص حاد في التمويل الدولي، مما جعل الحكومة التشادية تتحمل أعباءً أمنية ولوجستية تفوق قدراتها الاقتصادية الضعيفة.

المطلب الثالث: التوازنات السياسية والأمن الإقليمي

تجد القيادة التشادية نفسها في موقف دبلوماسي معقد، يحاول الموازنة بين الضغوط الدولية والمصالح الميدانية.

الضغوط الدولية والإقليمية: تعرضت تشاد لضغوط واتهامات بشأن استخدام أراضيها كممر للإمدادات اللوجستية لبعض أطراف الصراع. حاولت القيادة التشادية نفي هذه الاتهامات مع التأكيد على دورها كمنطلق للمساعدات الإنسانية.

خطر الحركات المعارضة: يخشى الأمن التشادي من تحالف حركات المعارضة التشادية المسلحة (التي تنشط في ليبيا وجنوب السودان) مع أي طرف سوداني قوي، مما قد يوفر لها قاعدة خلفية لشن هجمات داخل تشاد.

مستقبل منطقة الساحل: مع خروج القوات الفرنسية من دول الجوار (مالي والنيجر)، أصبح استقرار تشاد هو الضمان الأخير لمنع تحول المنطقة الممتدة من السودان إلى المحيط الأطلسي إلى منطقة نفوذ كاملة للجماعات المتطرفة والميليشيات.

المطلب الرابع: الأثر الاقتصادي وتجارة العبور

توقف الإمدادات: كان شرق تشاد يعتمد جزئياً على البضائع القادمة من السودان عبر ميناء بورتسودان. أدت الحرب إلى انقطاع هذه السلاسل، مما رفع أسعار السلع الأساسية في تشاد بنسب تجاوزت 100%.

تغيير مسارات التجارة: اضطرت تشاد للبحث عن بدائل عبر موانئ الكاميرون (ميناء دوالا) وليبيا، وهي مسارات أكثر تكلفة وطولاً، مما أثقل كاهل الميزانية التشادية.

خلاصة المبحث الثاني

تمثل الحرب السودانية بالنسبة لتشاد “تهديداً عابراً للحدود” لا يمكن احتواؤه بالوسائل العسكرية فقط. فاستقرار تشاد بات مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بقدرة المجتمع الدولي على تهدئة الأوضاع في دارفور، حيث إن أي انفجار اجتماعي في شرق تشاد قد يؤدي إلى انهيار الدولة التشادية، ومن ثم فتح الباب أمام فوضى شاملة في منطقة الساحل الأفريقي.

المبحث الثالث: تركيا – القوة الناعمة والحضور الاستراتيجي

تمهيد:

تعد تركيا فاعلاً إقليمياً مهماً في السودان، حيث استثمرت على مدار العقدين الماضيين في بناء علاقات متينة مع مختلف القوى السودانية. ومع اندلاع الحرب في 2023، وجدت أنقرة نفسها أمام تحدي الحفاظ على استثمارات ضخمة، وحماية رؤيتها الاستراتيجية لمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ظل حالة من السيولة الأمنية التي تهدد هذه المصالح.

المطلب الأول: المصالح الاقتصادية والاستثمارات المعطلة

شكل السودان لسنوات طويلة “بوابة أفريقيا” بالنسبة لتركيا، حيث بلغت الاستثمارات التركية مئات الملايين من الدولارات.

قطاع الزراعة والأمن الغذائي: توقف العمل في مشاريع زراعية ضخمة، أبرزها مشروع “مزرعة التوضيح” واتفاقية استئجار 780 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، والتي كانت تهدف لتأمين احتياجات تركيا من المحاصيل الاستراتيجية.

قطاع الإنشاءات والبنية التحتية: تضررت مقرات الشركات التركية في الخرطوم، وتوقفت مشاريع بناء المطارات والجسور التي كانت تقودها شركات تركية كبرى، مما أدى لخسائر مالية مباشرة وتعطيل لعقود طويلة الأمد.

التجارة البينية: شهد حجم التبادل التجاري تراجعاً حاداً نتيجة توقف العمليات المصرفية ودمار الأسواق المركزية، مما دفع أنقرة للبحث عن بدائل تجارية عبر الولايات الآمنة في شرق السودان.

المطلب الثاني: البعد الاستراتيجي في البحر الأحمر (جزيرة سواكن):

تمثل “سواكن” حجر الزاوية في الرؤية الاستراتيجية التركية في السودان، وهي نقطة احتكاك جيوسياسي مع القوى الإقليمية الأخرى.

اتفاقية التطوير: رغم أن الاتفاقية الموقعة في 2017 لتطوير جزيرة سواكن كانت ذات طابع ثقافي وسياحي، إلا أنها حملت أبعاداً أمنية أثارت قلق القوى الإقليمية. الحرب الحالية جعلت مستقبل هذا الوجود التركي رهناً بالطرف المنتصر في الصراع.

أمن الملاحة: تضع تركيا حماية ممرات الملاحة في البحر الأحمر ضمن أولوياتها، وترى أن عدم الاستقرار في السودان يمنح فرصة لتزايد نشاط القراصنة والجماعات المتطرفة، مما يهدد حركة التجارة التركية المتجهة نحو الموانئ الأفريقية.

المطلب الثالث: الدبلوماسية النشطة وتوازن “القوة الصلبة”

تبنت أنقرة سياسة “الحياد النشط” خلال الفترة 2023-2025، محاولةً لعب دور الوسيط الموثوق.

الوساطة التركية: حاولت الدبلوماسية التركية طرح مبادرات للتهدئة، مستفيدةً من علاقاتها مع المؤسسة العسكرية السودانية وفي الوقت نفسه إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع الأطراف الأخرى لضمان حماية رعاياها واستثماراتها.

تكنولوجيا المسيرات (Drones): أثار ظهور المسيرات التركية في مسرح العمليات السوداني جدلاً واسعاً. يحلل هذا الجزء كيف ساهمت التكنولوجيا العسكرية التركية في تغيير موازين القوى على الأرض، وكيف استخدمت أنقرة هذا النفوذ لتعزيز موقعها كشريك أمني لا غنى عنه للدولة السودانية.

المساعدات الإنسانية: وظفت تركيا منظمات مثل (تيكا) والهلال الأحمر التركي لتقديم مساعدات طبية وإغاثية في بورتسودان والولايات الآمنة، لتعزيز صورتها كقوة ناعمة مساندة للشعب السوداني في أزمته.

المطلب الرابع: التنافس مع القوى الإقليمية الأخرى

تتقاطع المصالح التركية في السودان مع مصالح قوى أخرى مثل الإمارات ومصر والسعودية.

التنافس الجيوسياسي: تسعى تركيا لمنع انفراد أي قوة إقليمية برسم مستقبل السودان، خاصة في مناطق الموانئ، وتحاول خلق توازن يضمن لها دوراً في مرحلة “إعادة الإعمار” ما بعد الحرب.

التنسيق مع القوى الدولية: ركزت السياسة التركية في 2024-2025 على التنسيق مع واشنطن والاتحاد الأفريقي لضمان عدم انزلاق السودان نحو التقسيم، وهو سيناريو يضر بكل الطموحات التركية في القارة.

خلاصة المبحث الثالث

تتعامل تركيا مع الأزمة السودانية كفرصة وتحدٍ في آن واحد؛ فالحرب هددت استثماراتها المباشرة، لكنها في المقابل منحتها دوراً محورياً كـ “مزود أمني” ووسيط سياسي. نجاح تركيا في الحفاظ على نفوذها في سودان ما بعد 2025 يعتمد بشكل كبير على قدرتها على الموازنة بين دعم مؤسسات الدولة وبين التفاهم مع القوى الإقليمية الفاعلة في الملف.

المبحث الرابع: الإمارات العربية المتحدة – المصالح والتحولات الجيوسياسية

تمهيد:

تعد دولة الإمارات العربية المتحدة لاعباً محورياً في الملف السوداني، حيث تنظر للخارطة السودانية من منظور “الاستثمار الاستراتيجي” الذي يربط بين الأمن الغذائي، والسيطرة على دبلوماسية الموانئ، والنفوذ السياسي في منطقة القرن الأفريقي. خلال الفترة (2023-2025)، واجه الدور الإماراتي تحديات كبيرة وتغيرات في مسارات الاستثمار نتيجة استطالة أمد الحرب.

المطلب الأول: استراتيجية الموانئ والسيطرة اللوجستية

تمثل الموانئ السودانية على البحر الأحمر حلقة وصل حيوية في استراتيجية الإمارات العالمية لإدارة الموانئ.

مشروع “ميناء أبو عمامة”: ركزت الدراسة على مصير الاتفاقية الضخمة (بقيمة 6 مليارات دولار) التي وقعت قبل الحرب لتطوير ميناء جديد ومنطقة اقتصادية. أدت الحرب إلى تجميد العمل الميداني، لكن الطموح الإماراتي لا يزال قائماً لربط هذا الميناء بشبكة الموانئ التي تديرها في “جبل علي” و”بربرة” و”عصب”.

التنافس على ساحل البحر الأحمر: تسعى الإمارات لضمان عدم وقوع الموانئ السودانية تحت نفوذ قوى إقليمية منافسة، مما يجعل استقرار السودان (وفق رؤية تضمن مصالحها) أولوية قصوى.

المطلب الثاني: الأمن الغذائي والاستثمارات الزراعية

في ظل الأزمات العالمية، يمثل السودان بالنسبة للإمارات “مخزناً استراتيجياً” للغذاء.

المشاريع الزراعية الكبرى: استثمرت الإمارات في مساحات شاسعة (مثل مشروع زايد الخير)، وتهدف لربط هذه المزارع بخطوط نقل مباشرة نحو الموانئ. الحرب تسببت في تعطل سلاسل التوريد، مما دفع الإمارات للبحث عن سبل لتأمين هذه الاستثمارات عبر قنوات دبلوماسية أو أمنية.

قطاع التعدين والذهب: يعد السودان مصدراً رئيسياً للذهب الذي يصدر معظمه إلى دبي. تناول هذا المطلب أثر اضطراب عمليات التعدين والنقل على سوق الذهب الإماراتي، وكيفية إدارة هذه التجارة في ظل ظروف الحرب.

المطلب الثالث: الدور السياسي والجدل الدولي

اتسم الموقف الإماراتي بالتعقيد، حيث واجهت اتهامات دولية ومحلية (سودانية) بدعم أطراف معينة، وهو ما نفته أبو ظبي مراراً.

الدبلوماسية الإنسانية: ركزت الإمارات في عامي 2024 و2025 على تعزيز صورتها كداعم إنساني عبر “المستشفى الميداني الإماراتي” في مدينة “أدري” التشادية، وتقديم آلاف الأطنان من المساعدات الغذائية للاجئين السودانيين.

المشاركة في المنصات الدولية: تحرص الإمارات على التواجد في “منبر جدة” والمفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة، لضمان أن يكون لها صوت في شكل “السودان الجديد” وتوزيع القوى فيه بعد وقف إطلاق النار.

المطلب الرابع: التداعيات على العلاقات الإقليمية (الإمارات ومصر)

أدت الحرب السودانية إلى نوع من “الاختبار” للعلاقات الإماراتية-المصرية نظراً لتباين الرؤى أحياناً حول كيفية الحل.

إدارة التباين: بينما تعطي مصر الأولوية المطلقة لمؤسسات الدولة والجيش، تتبنى الإمارات رؤية أكثر انفتاحاً على التغييرات الهيكلية في السلطة، مما استلزم تنسيقاً عالي المستوى بين البلدين لتجنب أي صدام في المصالح.

الشراكات الاقتصادية: رغم التباين السياسي، استمر التعاون الاقتصادي (مثل صفقة رأس الحكمة في مصر 2024) كأداة لتخفيف التوتر وضمان استقرار الإقليم بشكل عام. 

الخاتمة

في ختام هذه الدراسة التي تناولت “آثار الحرب السودانية على المحيط الإقليمي والدولي”، يتضح أن الصراع الذي اندلع في أبريل 2023 لم يكن مجرد شأن داخلي، بل تحول إلى زلزال جيوسياسي امتدت ارتداداته لتشكل خارطة تحالفات ومخاطر جديدة في المنطقة. ومن خلال تحليل النماذج المختارة (مصر، تشاد، تركيا، الإمارات)، توصلت الدراسة إلى جملة من الاستنتاجات والتوصيات.

أولاً: النتائج:

توصلت الدراسة لعدد من النتائج أهمها:

تحولت الحرب السودانية من صراع داخلي على السلطة إلى أزمة إقليمية مركبة عابرة للحدود، ذات تأثير مباشر على التوازنات الجيوسياسية في شرق أفريقيا، ومنطقة الساحل، والبحر الأحمر.

أسهم انهيار مؤسسات الدولة السودانية في خلق فراغ أمني واسع استغلته الميليشيات المسلحة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، خاصة في المناطق الحدودية المشتركة مع ليبيا وتشاد.

تحملت مصر وتشاد العبء الأكبر من تداعيات الحرب، ولا سيما في الجوانب الأمنية والإنسانية والاقتصادية، نتيجة تدفقات اللاجئين وتهديد الاستقرار الحدودي.

واجهت تركيا والإمارات تحديات مختلفة تمثلت في تعطل الاستثمارات الاستراتيجية وصعوبة الحفاظ على النفوذ الجيوسياسي في ظل بيئة أمنية غير مستقرة.

أدت الحرب إلى إضعاف التنسيق الإقليمي في قضايا الأمن المائي والغذائي، خاصة ما يتعلق بحوض النيل والمشروعات الزراعية والاستثمارية المعتمدة على الأراضي السودانية.

ساهم تعدد مبادرات الوساطة الإقليمية والدولية دون تنسيق فعّال في تشتيت الجهود الدبلوماسية وإطالة أمد النزاع.

عزز استمرار الصراع من دور الفاعلين غير الرسميين من ميليشيات وحركات مسلحة وشبكات عابرة للحدود، بما يهدد استقرار المنطقة على المدى الطويل.

ثانياً: التوصيات

أوصت الدراسة بضرورة ما يلي:

إنشاء آلية تنسيق أو مجموعة اتصال إقليمية دائمة تضم (مصر، تشاد، السعودية، الإمارات، وتركيا) لتوحيد المواقف ومنع تضارب المصالح الإقليمية حول السودان.

تدويل عبء اللاجئين عبر تقديم دعم مالي وفني مباشر لدول الجوار، خصوصاً مصر وتشاد، للحفاظ على استقرار الخدمات العامة ومنع تداعيات اجتماعية وأمنية محتملة.

العمل على تحييد وتأمين المنشآت الحيوية السودانية، بما يشمل الموانئ والمطارات والسدود والمنشآت النفطية، من خلال اتفاق دولي يضمن استمرارية المساعدات وحماية الأمن الملاحي والمائي.

تفعيل الدبلوماسية الوقائية في تشاد من خلال دعم الاستقرار الأمني والسياسي لمنع امتداد الصراع العرقي والمسلح من دارفور إلى الداخل التشادي.

تبني استراتيجية «الإعمار مقابل السلام» عبر إنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار السودان، يكون مشروطاً بالتوصل إلى تسوية سياسية شاملة، ويُستخدم كأداة تحفيز لدفع أطراف النزاع نحو إنهاء الحرب.

ثالثاً: قائمة المراجع (References)

1-المصادر العربية:

1-تقارير رسمية: وزارة الخارجية المصرية، “بيانات حول قمة دول جوار السودان”، القاهرة، 2023-2024.

2-مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: “تداعيات الأزمة السودانية على الأمن القومي المصري”، دراسات استراتيجية، 2024.

3-الجزيرة للدراسات: “الدور التركي في أفريقيا: السودان نموذجاً”، تقارير تقدير موقف، 2024.

4-صحيفة الشرق الأوسط: مقالات تحليلية حول الاستثمارات الإماراتية في موانئ البحر الأحمر (2023-2025).                                                                                                                                                

2-المصادر الأجنبية (English Sources):

1-International Crisis Group (ICG): “Sudan: A Civil War of Regional Consequences”, Report No. 2024.

2-UNHCR Reports: “Sudan Emergency: Regional Refugee Response Plan 2024-2025”.

3-ACLED Data: “Conflict Trends in Sudan: Impact on Bordering Nations (Chad and Egypt)”, 2025.

4-Al-Monitor: “Turkey’s geopolitical balancing act in the Sudan conflict”, 2024.

5-The Arab Gulf States Institute in Washington (AGSIW): “The UAE’s Strategic Stakes in Sudan’s         Future”, 2024.

3-المواقع الإلكترونية المتخصصة:

1-موقع “مبادرة حوض النيل” (NBI) للمعلومات الفنية حول المياه.

2-موقع “صندوق النقد الدولي” (IMF) لبيانات التضخم وأثر الحرب على اقتصادات الجوار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts