On Research

وحدة الدراسات السياسية

“مصر في إفريقيا: الجغرافيا، التاريخ، واستراتيجيات الدور الإقليمي في القرن الإفريقي وحوض النيل”

Email :3424

إعداد

عبد الرحمن محمد محمد غزالة

كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية

جمهورية مصر العربية 

 

 

 

المستخلص:

انطلاقاً من أن السياسة الخارجية للدول هي عبارة عن برنامج عمل الدولة في المجال الخارجي في إطار علاقاتٍ الأصلُ فيها التنافس، وسعياً منها لتحقيق أمنها والحفاظ على استقلالها وسيادتها؛ وجب عليها إيجاد طريقٍ لتحقيق أهدافها القومية التي تؤدي في النهاية إلى تحقيق مصالحها القومية. لذا، كان لزاماً علينا استشراف ما يمكن لمصر فعله من أجل تحقيق هذه الغاية؛ فالمصالح القومية هي الغايات طويلة الأمد التي تحافظ على استقرار السياسات الخارجية المصرية، وتمثل الحكم المعياري لأهدافها المختلفة. وانطلاقاً من فكرة “دوائر الاهتمام” الخاصة بالدولة المصرية، وأولها الدائرة الإفريقية وتحديداً دول حوض النيل والقرن الإفريقي، تهدف الدراسة إلى بيان دور مصر في هذا الصدد عبر التاريخ، ولماذا تُعد مصر حاملاً للتوازن الإقليمي؟ وكيف كان تأثير الموقع الجغرافي على السياسات المصرية عبر العصور المختلفة؟ مع بيان كيفية تعظيم مصر لهذا الدور، ورصد أبرز التحديات التي قد تواجهها.

الكلمات المفتاحية:

السياسة الخارجية المصرية، المصالح القومية، الأمن القومي، التوازن الإقليمي، الدائرة الإفريقية، دول حوض النيل، القرن الإفريقي، الموقع الجغرافي، الاستقرار الإقليمي، العلاقات الدولية، الاستراتيجية الإقليمية، النفوذ الإقليمي.

Abstract:

Based on the premise that a state’s foreign policy represents its program of action in the external sphere—within a framework of relations whose original nature is often characterized by rivalry—and in pursuit of achieving security while preserving independence and sovereignty, states must identify appropriate means to attain their national objectives, which ultimately lead to the realization of their national interests. Accordingly, this study examines what Egypt can do to achieve this goal. National interests are understood as long-term objectives that ensure the stability of Egyptian foreign policy and serve as the normative standard guiding its various aims. Drawing upon the concept of Egypt’s circles of interest—foremost among them the African circle, particularly the Nile Basin countries and the Horn of Africa—the study aims to clarify Egypt’s role in this regard throughout history, explain why Egypt is considered a pillar of regional balance, analyze how its geographical location has influenced its policies across different historical eras, and demonstrate how Egypt can enhance this role while identifying the major challenges it may face.

Keywords:

Egyptian foreign policy, national interests, national security, regional balance, African circle, Nile Basin countries, Horn of Africa, geographical location, regional stability, international relations, regional strategy, regional influence.

أولاً: المشكلة البحثية

مثّل البعد الإفريقي إحدى الدوائر الرئيسية في السياسة الخارجية المصرية منذ نشأة الدولة الحديثة، بحكم الارتباط الجغرافي والتاريخي والمائي والأمني، خاصة فيما يتعلق بنهر النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر. إلا أن هذا الدور شهد تذبذباً بين الصعود والانكفاء تبعاً للتحولات الداخلية والإقليمية والدولية.

وفي ظل تصاعد التنافس الدولي والإقليمي في إفريقيا، وتزايد التحديات المرتبطة بالأمن المائي، وعدم الاستقرار في دول الجوار، برزت تساؤلات حول طبيعة الدور المصري في القارة، ومدى قدرته على استعادة موقعه كركيزة للتوازن الإقليمي.

ومن هنا تتمثل المشكلة البحثية في التساؤل الرئيس الآتي:

إلى أي مدى أسهم الموقع الجغرافي والتاريخي لمصر في تشكيل دورها الإفريقي، وكيف أُعيدت صياغة هذا الدور في ظل التحولات الإقليمية والدولية المعاصرة؟

ثانياً: التساؤلات البحثية

  1. كيف أثّر الموقع الجغرافي لمصر في تشكيل توجهاتها الإفريقية عبر العصور المختلفة؟
  2. ما طبيعة تطور الدور المصري في إفريقيا منذ الدولة الحديثة وحتى عام 2025؟
  3. لماذا تُعد مصر ركيزة توازن إقليمي في القارة الإفريقية؟
  4. ما أبرز التحديات التي تواجه السياسة المصرية في دائرتها الإفريقية، خاصة في حوض النيل والقرن الإفريقي؟
  5. كيف يمكن لمصر تعظيم نفوذها الإقليمي عبر أدوات القوة الصلبة والناعمة؟

ثالثاً: أهداف الدراسة

  1. تحليل أثر الجغرافيا في تشكيل الإدراك الاستراتيجي المصري تجاه إفريقيا.
  2. تتبع التطور التاريخي للدور المصري في القارة.
  3. تفسير محددات التوازن الإقليمي الذي تمثله مصر في إفريقيا.
  4. تقييم أدوات السياسة الخارجية المصرية في تعظيم النفوذ الإفريقي.
  5. استشراف مستقبل الدور المصري في ظل التحولات الإقليمية الراهنة.

رابعاً: أهمية الدراسة

  1. إبراز العلاقة بين الجغرافيا وصياغة السياسة الخارجية.
  2. فهم تحولات الدور المصري في إفريقيا من منظور استراتيجي.
  3. تحليل أبعاد الأمن القومي المصري في سياقه الإفريقي.
  4. الإسهام في الأدبيات الخاصة بدراسات التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط وإفريقيا.

خامساً: منهج الدراسة

تعتمد الدراسة على:

  • المنهج التاريخي: لتتبع تطور الدور المصري عبر المراحل المختلفة.
  • المنهج التحليلي: لتحليل محددات السياسة الخارجية المصرية.
  • مدخل الجيوبوليتيك: لفهم تأثير الموقع الجغرافي في صياغة الاستراتيجية.
  • مدخل دوائر الاهتمام: في تحليل أولويات السياسة الخارجية المصرية.

سادساً: الإطار الزمني

تمتد الدراسة من عام 1952 (قيام ثورة يوليو وبداية إعادة صياغة الدور الإقليمي المصري) حتى عام 2025، وهي فترة شهدت تحولات كبرى في علاقة مصر بإفريقيا؛ بدءاً من مرحلة جمال عبد الناصر ودعم حركات التحرر، مروراً بفترات التراجع النسبي، وصولاً إلى مرحلة إعادة التوازن بعد 2014.

سابعاً: الإطار المكانى

  • تركز الدراسة على:
  • دول حوض النيل.
  • دول القرن الإفريقي.
  • دول الجوار المباشر (السودان، ليبيا).
  • مع الإشارة إلى التفاعلات الإفريقية الأوسع داخل إطار الاتحاد الإفريقي.

مباحث الدراسة

المبحث الأول: الجغرافيا والتاريخ كمحددات للدور المصري في إفريقيا

يتناول هذا المبحث:

  • الخصائص الجغرافية لمصر وأثرها في تشكيل إدراكها الاستراتيجي.
  • تطور العلاقة المصرية الإفريقية عبر العصور.
  • دور نهر النيل في صياغة مفهوم الأمن القومي المصري.
  • تطور الحضور المصري في إفريقيا منذ محمد علي وحتى منتصف القرن العشرين.

المبحث الثاني: تطور الدور المصري في إفريقيا (1952–2013)

يركز هذا المبحث على:

  • مرحلة الصعود في عهد جمال عبد الناصر ودعم حركات التحرر.
  • دور مصر في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية.
  • تحولات السياسة الإفريقية في عهدي السادات ومبارك.
  • مظاهر التراجع النسبي وتأثير حادثة أديس أبابا 1995.

المبحث الثالث: إعادة تشكّل الدور المصري في إفريقيا (2014–2025)

يتناول هذا المبحث:

  • محددات العودة المصرية إلى إفريقيا بعد 2014.
  • رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي عام 2019.
  • التحركات المصرية في ملف سد النهضة.
  • الانخراط المصري في قضايا السودان وليبيا والقرن الإفريقي.
  • دور القوة الناعمة (الأزهر، الكنيسة القبطية، التعليم، الإعلام).

المبحث الرابع: تحديات وآفاق الدور المصري في النظام الإقليمي الإفريقي

ويشمل:

  • التنافس الدولي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
  • التحديات المرتبطة بالأمن المائي.
  • إشكالية الهوية والانتماء الإفريقي.
  • فرص التكامل الاقتصادي الإفريقي.
  • السيناريوهات المستقبلية للدور المصري في القارة.

ثامناً: الرؤية المستقبلية

تسعى الدراسة إلى تقديم تصور استراتيجي لتعظيم الدور المصري في إفريقيا قائم على:

  • تعزيز الشراكات لا الهيمنة.
  • تفعيل أدوات التكامل الاقتصادي.
  • توظيف القوة الناعمة.
  • تحقيق التوازن بين الردع والدبلوماسية.
  • بناء شبكة تحالفات إقليمية مرنة.

 

المقدمة:

“مصر هي الدولة الوحيدة التي تقع بين قارتين وتقترب من ثالثة”، اقتباس من كتاب “شخصية مصر” للجغرافي الراحل جمال حمدان.

ما يمكن استنباطه من هذا الاقتباس أن مصر تتميز بتعدد دوائرها عبر التاريخ، حيث مثّلت جسراً ثقافياً وحضارياً بين الشرق والغرب؛ لذا رأينا الغزاة عبر العصور يطمعون في نيلها، بدءاً من “الهكسوس” القادمين من الشرق، ومروراً بـ “الكوشيين” الأفارقة من الجنوب، وصولاً إلى “الإسكندر الأكبر” من الشمال، ومن بعده الرومان والعرب والعثمانيون والفرنسيون إبان حملة نابليون بونابرت، التي مثّلت لمصر نافذة أطلّت منها على الحداثة وما أثمرته الثورة الصناعية في أوروبا، وأخيراً الإنجليز الذين احتلوها منذ عام 1882م وحتى الجلاء في 1956م (طوال 74 عاماً).

ورغم هذا التعدد، تظل الدائرة الإفريقية أهم هذه الدوائر؛ فحوالي 94% من مساحة البلاد تقع في قارة إفريقيا، بينما تمثل شبه جزيرة سيناء 6% في الجزء الآسيوي. وما يزيد من أهمية إفريقيا لمصر وجود “نهر النيل”، أطول أنهار العالم، الذي ينبع من البحيرات الاستوائية ليصل إلى مصبه في البحر المتوسط عبر الأراضي المصرية؛ وكما قال المؤرخ اليوناني هيرودوت: “مصر هبة النيل”. ومع أهمية إفريقيا كفناء خلفي للدولة المصرية ومصدر لأمنها القومي، ومع حجم مواردها الهائلة، إلا أن 8.9% فقط من المصريين يعرفون أنفسهم كأفارقة، مما يدفعنا للتساؤل عن السبب. ولكن قبل الإجابة، يجب فهم الخصائص الطبيعية والجغرافية والثقافية والديموغرافية التي تمنح مصر ثقلها بإفريقيا[1].

المبحث الأول: الجغرافيا والتاريخ كمحددات للدور المصري في إفريقيا

تقع جمهورية مصر العربية في شمال شرق إفريقيا بمساحة مقدرة بمليون كم²، وبتعداد سكاني يصل إلى 110 ملايين نسمة، مما يجعلها الثالثة إفريقياً من حيث عدد السكان[2]، يتركز أكثر من 95% منهم في الدلتا والوادي. واللغة الرسمية بمصر هي العربية، ويتحدث بها أغلبية السكان، أي ما يقارب من 82 مليون نسمة[3]، وهي لغة يتحدث بها أكثر من 400 مليون شخص حول العالم[4].

اقتصادياً، تُعد مصر الأولى إفريقياً في جذب الاستثمارات الأجنبية، وثاني أكبر اقتصاد في القارة بناتج محلي إجمالي يصل إلى 400 مليار دولار سنوياً[5]. وكقيمة مضافة، تطل مصر على بحرين غاية في الأهمية (الأحمر والمتوسط)، وتضم أهم ممر بحري عالمي وهو “قناة السويس”، التي يعبر خلالها ما يربو على 14% من التجارة البحرية العالمية، حيث تربط آسيا والخليج العربي بأوروبا.

أما عسكرياً، فمصر هي الأولى إفريقياً والرابعة عشرة عالمياً من حيث القوة العسكرية[6]. وبالانتقال للتأثير الديني والثقافي، فقد ظلت الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية مرتبطة بالكنيسة القبطية المصرية طيلة 16 قرناً أو يزيد[7]. أما الأزهر الشريف، فيمثل ركيزة للقوة الناعمة عبر بعثاته الدينية إلى دول مثل مالى والسنغال واستقطابه للطلاب المسلمين ليس من أفريقيا فقط بل من كل أنحاء العالم مما شكل تركيزا للقوة الناعمة وإضافة لها. ناهيك عن التأثير الفني؛ إذ يكفي ذكر أن ملحن النشيد الوطني الجزائري هو الموسيقار المصري “محمد فوزي”، بالإضافة إلى تأثير كوكب الشرق أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، ودور “إذاعة صوت إفريقيا” التي كانت تبث باللغات الإفريقية المحلية، والإنتاج السينمائي الذي عزز مكانة مصر، وتحديداً في بلاد المغرب العربى في عصر الرئيس جمال عبد الناصر.

ولكن ما السبب وراء انفصال المصريين كشعب عن بعدهم الإفريقي؟

(مصر الآن لم تعد جزءاً من إفريقيا، بل هي الآن قطعة من أوروبا)؛ هذا التصريح جاء على لسان حاكم مصر وقتها الخديوي إسماعيل باشا، وفي الحقيقة هذا الأمر كان يعبر عن النظرة التي كان ينظر بها حكام مصر أثناء فترة حكم أسرة محمد علي؛ فمحمد علي باشا منذ اليوم الأول الذي وطأت فيه قدماه الأراضي المصرية، سعى إلى تحويلها إلى دولة حديثة مبنية على النسق الأوروبي، فقام بابتعاث البعثات إلى خارج البلاد وإلى أوروبا وتحديداً فرنسا، لذلك نشأ جيل جديد من المثقفين الذين تأثروا بالفكر الغربي مثل: (قاسم أمين، رفاعة الطهطاوي الذي أنشأ صحيفة الوقائع المصرية، الإمام محمد عبده وغيرهم… إلى آخره). بل وقام ببناء جيش نظامي حديث، وتحسين شبكات الري، واستيراد محاصيل زراعية جديدة، والتوسع في إنشاء المصانع، وقام بإنشاء سبعة دواوين (وزارات) لكي يتسنى له إدارة الشؤون الداخلية للبلاد، بل أزيدكم من الشعر بيتاً آخر؛ فقد استعان بالخبراء الأجانب وتحديداً الفرنسيين في المشاريع الهامة الداخلية مثل القناطر الخيرية أو شق الترع مثل ترعة الإبراهيمية.

وكان أول شيء فعله محمد علي عقب بناء الجيش وبناء النهضة المصرية هو تأمين المجال المصري، فنراه يسيطر على السودان، بل ويؤسس فيها نظاماً للري المتقدم، وأيضاً يسعى وراء الذهب السوداني؛ وفي الحقيقة، وعلى الرغم من أن محمد علي كان يسعى للتقارب أكثر مع أوروبا، إلا أنه كما أسلفنا كان يسعى إلى تأمين مصر، ولكن ليس بالشراكة بل بالتفوق العسكري، مما نقل هذا الشعور بالدونية نوعاً ما ناحية الأفارقة من النخبة الحاكمة، بل تسرب جزء منه إلى الشعب. وفي عهد الخديوي إسماعيل، فقد ذهب إلى أبعد من جده، فأسس لمجلس شورى النواب والذي يعد نوعاً ما محاكاة للأبنية التشريعية الموجودة، بل ونراه يؤسس لحديقة الحيوان وللأوبرا ويتوسع في العمران بالطراز الأوروبي، هذا إن لم نحتسب حفل افتتاح قناة السويس التي شُقت بأيادي المصريين العارية والتي أزهقت الكثير والكثير من الأرواح. وعلى الرغم من الترف الذي عاشه إسماعيل، إلا أنه كان مدركاً تماماً لأهمية الفناء الخلفي لمصر ومصدر حياتها؛ لذلك فإن مصر الخديوية دشنت أقصى اتساع لمصر بإفريقيا، حيث إن الإمبراطورية المصرية ضمت أجزاء من الصومال وإريتريا وجيبوتي وحتى بعض المناطق بإثيوبيا؛ وفي الحقيقة هذه التوسعات أيضاً دعمت النزعة الخاصة بانفصال القطر المصري أو حكام مصر عما عداهم من الأفارقة.[8].

أما عن مصر تحت الانتداب البريطاني؛ فوضع مصر كدولة منتدبة كان وضعاً مميزاً؛ فحاكم مصر احتفظ بكونه حاكم مصر والسودان، وكان له سلطة كانت صورية، نعم، ولكن هذا الوضع ساهم فيما بعد في خلخلة الاحتلال مستقبلاً؛ حيث إنه في عهد فؤاد الأول كان الملك هو صاحب السلطة الأكبر. ولكن ما يهمنا هنا هو إفريقيا؛ في الحقيقة، انطلاقاً من أهمية مصر كمستعمرة وأهمية قناة السويس كممر ملاحي، كان يجب تأمين جريان نهر النيل، فوقعت اتفاقية مع إمبراطور إثيوبيا عام 1929م، تتضمن أنه لن يتم إنشاء أية مشاريع تعيق جريان النهر إلى مصر، وذلك في مقابل التنازل عن إقليم بني شنقول التابع للسودان لإثيوبيا؛ وهذا ما يبطل مزاعم القيادة السياسية الإثيوبية الحالية من رفضها للاتفاقية باعتبارها إرثاً استعمارياً؛ فإذا كانت تريد إلغاء الاتفاقية، فيجب عليها إعادة الإقليم الذي بُني عليه السد إلى سيادة السودان.

المبحث الثاني: تطور دور مصر في إفريقيا (1952–2013)

عن مصر بعد يوليو 1952م، ولنجعل الموضوع أكثر تحديداً عقب تولي جمال عبد الناصر رئاسة البلاد؛ فقد تم وضع الدائرة العربية كأولوية، ولكن في الحقيقة الدائرة الإفريقية، أو حتى اتجاه دول العالم الثالث، أو الدول الحديثة العهد بالاستقلال، كانت لها الأولوية؛ فنرى الرئيس عبد الناصر يؤسس لإذاعة (صوت العرب) و(صوت إفريقيا) والتي كانت تخاطب الأفارقة بألسنتهم، وذلك من أجل دعم حركات التحرر، إضافة إلى هذا الدعم المادي والفعلي لحركات التحرر بدول مثل الكونغو والجزائر واليمن.

وإحدى الأسباب لدخول حرب اليمن، والتي أراها أنا، هي تأمين باب المندب، وهنا نرى التداخل بين الدوائر العربية والآسيوية والإفريقية، إضافة إلى هذا مساهماته في إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية 1963م، وتأسيسه مع نهرو في الهند، وجوزيف تيتو في يوغوسلافيا، وسوهارتو في إندونيسيا لحركة عدم الانحياز، والتي ساهمت في زيادة قوة تأثير مصر سياسياً على الساحة الدولية كزعيمة لدول العالم الثالث ولإفريقيا تحديداً. وقوتها الناعمة وخطابات الرئيس عبد الناصر الحماسية وشخصيته الكاريزمية كانت قد أثرت على من حوله من دول؛ ففي ليبيا نرى القذافي يصعد وينهي حكم أسرة السنوسي ويعلن قيام الجماهيرية الليبية وينادي بما ينادي به ناصر، وبالجزائر كذلك وبتونس. وتوجت مساعي الرئيس الراحل باتفاق 1959م بين مصر والسودان، والذي يضمن حصة مصر لتصل إلى 55 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، وكإجمالي 74 مليار متر مكعب، وذلك بعد حساب معدل البخر الذي يُقدر بحوالي 10 مليارات متر مكعب من المياه.

وإذا كانت مرحلة الراحل جمال عبد الناصر هي العصر الذهبي للعلاقة بين مصر وإفريقيا، ففي عهد الراحل محمد حسني مبارك مثلت مرحلة التراجع؛ فبداية عهد الرئيس مبارك كانت استكمالاً وشهدت محاولة للتنمية على جميع الأصعدة الاقتصادية حتى أن مصر تقلدت رئاسة الاتحاد الإفريقي (الوحدة الإفريقية سابقاً) مرتين، ولكن في عام 1995م، وعقب حادثة اغتيال الرئيس مبارك بأديس أبابا، بدأت مصر تنكفئ على نفسها فاسحة المجال لقوى مناوئة أو قوى لها مصالح مختلفة للتدخل بالقرن الإفريقي: إسرائيل وإثيوبيا، الإمارات العربية المتحدة في جيبوتي، والصومال في صوماليلاند (إقليم أرض الصومال الانفصالي)، تركيا بمنطقة الساحل والصحراء، حيث إن الخطوط الجوية التركية أصبحت تغطي دولاً عدة في إفريقيا، والتبادل التجاري أيضاً تزايد، هذا وناهيك عن الاستثمارات في المشاريع المختلفة ومنها مشاريع البنية التحتية في تلك الدول[9].

المبحث الثالث: إعادة تشكّل الدور المصري في إفريقيا (2014–2025)

يقودنا هذا إلى تحليل الوضع الراهن في الفترة من عام 2014 وحتى الآن، وهي المرحلة التي يمكن تسميتها بمرحلة “استعادة التوازن”. فمنذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية، اتخذت الدولة خطوات حثيثة لإعادة الدور المصري الإفريقي إلى سابق عهده؛ حيث توسعت مصر في إطلاق نسخ متتالية من “منتدى شباب العالم” و”ملتقى الشباب العربي والإفريقي”، مما جذب أعداداً كبيرة من الشباب الأفارقة وعزز قوة مصر الناعمة.

إضافة إلى ذلك، جاءت رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي عام 2019[10] لتمثل حجر زاوية في سعيها لتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)[11] ، مما وضع مصر في مكانة رائدة اقتصادياً وزاد من الاعتماد المتبادل بين دول القارة. ويظهر هذا الدور أيضاً من خلال فاعلية مصر في منظمة “الكوميسا”، والاستثمارات الضخمة في مجالات البنية التحتية، والاتصالات، ومشاريع المياه، لا سيما في دول حوض النيل؛ ففي تنزانيا نجد مشروع “سد جوليوس نيريري”[12]، وفي السودان وكينيا وأوغندا تحظى الاستثمارات الزراعية المصرية بالأولوية، وصولاً إلى جيبوتي التي تشارك مصر في إنشاء محطات للطاقة الشمسية بها، وهو ما أكدته الزيارة الرسمية لمسؤولي الصناعة والنقل مطلع العام الجاري[13].

دور مصر في تعزيز السلم والأمن بإفريقيا:

في الحقيقة، إن مصر تلعب دوراً هاماً في تحقيق الاستقرار ودعم السلم والأمن الإفريقيين؛ فعن طريق مبادرة (إسكات البنادق) التي أطلقتها الدولة المصرية، وضعت مصر نفسها كدولة فاعلة في مجال السلم والأمن الدوليين. إضافة إلى هذه المبادرة، تشارك مصر حالياً في جميع بعثات الأمم المتحدة الجارية في إفريقيا، وهي: بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO)، التي أنشئت بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 29 أبريل 1991م؛ وقوة الأمم المتحدة المؤقتة لأبيي (UNISFA)، التي أنشئت بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 27 يونيو 2011م؛ وبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (UNMISS)، التي أنشئت بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في يوليو 2011م؛ وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى (MINUSCA)، التي كلفها قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 10 أبريل 2014م؛ وبعثة منظمة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUSCO)، التي كلفها قرار مجلس الأمن في 28 مايو 2010م. كما أمدّت مصر أيضاً بعثتها لحفظ السلم والأمن بالصومال وفي الحقيقة (AMISOM)، إضافة إلى هذا دعونا لا ننسى دور مركز القاهرة الدولي لحل النزاعات، وقد احتلت مصر المركز الـ 13 عالمياً كأكثر الدول المشاركة بقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

وكامتداد بالالتزام تجاه دول الجوار، فمع نشوب الحرب الأهلية السودانية، استضافت القاهرة أطراف النزاع وعدداً من القوى المدنية، وذلك من أجل وضع خريطة الطريق لإنهاء حالة الانقسام والفوضى؛ كما استضافت مصر قمة الدول المجاورة للسودان في 13 يوليو 2023م، الذي دعا بيانه الأخير إلى الاحترام الكامل لسيادة السودان، والسلامة الإقليمية، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. البيان أكد على أنه ينبغي التعامل مع الصراع المستمر على أنه مسألة داخلية، وحذرت من أن التدخل الأجنبي لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب. كما أكدت على أهمية معالجة الأزمة الحالية والعواقب الإنسانية بشكل خطير وشامل.

أما عن ليبيا، فلقد سعت القاهرة بالمشاركة مع عدد من الأطراف الدولية لحل الانقسام المتجذر بين برلمان طبرق وطرابلس، وهذا بداية من مؤتمر برلين 2020م والذي دُشن تحت رعاية الأمم المتحدة، وكما واصلت مصر دعمها للعملية السياسية في ليبيا، حيث استضافت اجتماعاً تشاورياً رفيع المستوى جمع 96 عضواً من مجلس النواب الليبي و75 عضواً من المجلس الأعلى للدولة. وتركزت المناقشات على سبل دفع العملية السياسية قدماً ومعالجة الانقسامات المؤسسية التي تواجه البلاد. وأكد البيان الختامي الصادر في ختام الاجتماع أن العملية السياسية في ليبيا يجب أن تظل مملوكة بالكامل لليبيين وأن تُدار من خلال مؤسساتهم الرسمية. كما دعا إلى استمرار التنسيق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، فضلاً عن تنفيذ مخرجات الاجتماع الثلاثي بالقاهرة الذي عُقد تحت إشراف جامعة الدول العربية في 10 مارس 2024م. وأشار البيان كذلك إلى أهمية دور (UNSMIL)، مع التأكيد على ضرورة التزامها بولايتها الأصلية المتمثلة في دعم المؤسسات الليبية دون التدخل في عملية صنع القرار السياسي.

حتى في ملف سد النهضة وأزمة المياه، تمسكت مصر بدورها الخاص بتدعيم السلم والأمن ابتداءً من إعلان المبادئ 2015م، والذي يعتبر بادرة حسن نية بين الأطراف الموقعة، وكما أسست مبادرة دول حوض النيل التي كان غرضها تعزيز التعاون بين هذه الدول، وطيلة ثلاثة عشر عاماً تمسكت مصر بالدبلوماسية كمنهج، وتحلت بأعلى درجات ضبط النفس تجاه الجانب الإثيوبي الذي كان متزمتاً ومتعنتاً لأقصى درجة، وكان ختامها انسحابه من التوقيع على المسودة التي جاءت من قبل الوسيط الأمريكي في عام 2020م، والتصرفات الأحادية التي قامت بها في الفترة الأخيرة عقب افتتاح السد وتصريف المياه دونما أي إنذار مسبق، في خرق واضح للقانون الدولي الذي ينظم الأنهار التي تتحرك وتجري عبر أكثر من دولة[14].

المبحث الرابع: تحديات وآفاق الدور المصري في النظام الإقليمي الإفريقي والرؤية المستقبلية للاستراتيجية المصرية في إفريقيا:

كيف يمكن لمصر أن تعزز نفوذها في فنائها الخلفي؟

(أمريكا للأمريكيين)؛ هذا المبدأ الذي سكه مونرو هو الذي جعل الولايات المتحدة في منأى عن الصراعات في القارة الأوروبية لحوالي قرنين من الزمان، وجعلها الآن القطب الأقوى عالمياً؛ لذلك أرى أنه يجب أن نتبع نفس الاستراتيجية وأن نسير على نفس الخطى. بالتأكيد الهيمنة على إفريقيا بشكل كامل سيكون ضرباً من دروب الخيال؛ لذلك يجب علينا أن نحدد ما هي المناطق الحيوية ومناطق النفوذ التي يجب أن تكون تحت مجال هيمنتنا، وأولها هي الدول المتاخمة لحدودنا: ليبيا والسودان (وهذه سنعطيها اللون الأحمر).

​ودول القرن الإفريقي ودول حوض النيل، هذه المناطق يكفي أن تكون تحت هيمنتنا أجل، ولكن يجب أن يُسمح لهم بالتعامل مع دول أخرى، ولكن بشرط رضانا الخالص؛ وخاصة أن دولة مثل إثيوبيا، والتي ينبع منها النيل الأزرق والذي يشكل نسبة 85% من حصة المياه لمصر، تمثل منطقة حيوية، وأيضاً جيبوتي وإريتريا اللتان تطلان على البحر الأحمر وباب المندب، وأريد أن أضيف أن اليمن سيكون ضمن هذه الدائرة (اللون الأصفر) [15].

​أما عن الدول الإفريقية الأخرى، فهذه سنكتفي بالتواجد اقتصادياً وثقافياً والتعامل معها والتنسيق في الأمور الهامة والتي تمس السلم والأمن الدوليين والأمن القومي خاصة، والاستفادة الاقتصادية من مواد خام وأيدي عاملة؛ وبطبيعة الحال لن نكون نحن القوة الوحيدة المؤثرة بهذه المنطقة، وتشمل هذه المنطقة منطقة الساحل والصحراء وباقي الدول الإفريقية (ونعطيها اللون الأخضر).

الآلية المقترحة لتطبيق هذا التصور:

في الحقيقة، لن نتعب كثيراً لإيجاد النموذج المثالي الذي يمكننا أن نحذو حذوه؛ ففرنسا بعد الاستعمار تمثل خير مثال لهذا، وتحديداً في إفريقيا الفرانكفونية؛ فقد اعتمدت فرنسا على القواعد العسكرية الموجودة بمالي وغيرها من الدول، وأيضاً على التأثير الثقافي، فجعلتهم يتحدثون لغتها الفرنسية ويظنون أنهم امتداد للبر الرئيسي الفرنسي، إضافة إلى البعد الاقتصادي؛ حيث إن فرنسا مثلاً تملك أكبر احتياطي من الذهب، وذلك على الرغم من أنه لا يوجد منجم ذهب واحد على أراضيها، وإضافة إلى ذلك السيطرة المالية، وذلك عن طريق ما يعرف باسم الفرنك الإفريقي، والذي يضم كلاً من (بنين، بوركينا فاسو، مالي، السنغال، توجو… إلى آخره).”

أولاً: التواجد العسكري

في الحقيقة، إن مصر أبدت استعداداً في أكثر من موضع لاستخدام القدرة العسكرية خلال الفترة من 2014م إلى الآن؛ الأول عندما تزايد النفوذ التركي بالشكل الذي يخل بميزان القوة بالمنطقة، فتم رسم خط (سرت-الجفرة) كخط فاصل بين النفوذ المصري والنفوذ الليبي. وكذلك أيضاً ضد قوات الدعم السريع، حيث أكدت التقارير أنه تم استهداف عدد من مواقع تمركزهم من طيران مجهول، إضافة إلى ذلك اتهام قائد قوات الدعم السريع (حميدتي) صراحة بأن مصر هي التي استهدفت قواته. وآخرها إعلان وزير الخارجية أن كل الخيارات مطروحة بعد فشل مفاوضات سد النهضة، وأيضاً في الصومال فيما يخص بعثة حفظ السلام؛ كل هذا يعطينا مؤشراً أن مصر ليس لديها مانع في استخدام قدراتها العسكرية عند الحاجة، بل وأكثر من ذلك، فقد أشار موقع (Middle East Eye) أن مصر زودت السعودية بمعلومات استخباراتية هامة والتي استخدمتها في استهداف قوات المجلس الانتقالي الجنوبي باليمن. [16]

ولكن مع هذا، وللأسف، هذا ليس كافياً؛ فهنالك دول ما زالت تحاول تقويض وهدم وتهديد مصالح مصر بالمنطقة، منها دولة مجاورة ودولة عربية شقيقة؛ الأولى زودت إثيوبيا بمنظومة دفاع صاروخي (سبايدر) حول السد، والثانية سعت في تمويل السد، والاثنتان دعمتا الإقليم الانفصالي (صوماليلاند)، فالأولى أعلنت اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي؛ لذلك أقول أمام هذه العربدة يجب علينا الرد بحزم بالغ، ونستغل التوترات الحاصلة بين إريتريا وإثيوبيا لإنشاء قواعد عسكرية بها للدفاع عنها وتوقيع اتفاقيات دفاع مشترك. وكذلك الأمر في الصومال، وذلك لمساعدتها في مواجهة منظمة الشباب الإسلامية الإرهابية ولضمان استقرار القرن الإفريقي وباب المندب؛ وأيضاً دعونا لا ننسى أن العلاقات بين الصومال وإثيوبيا أصبحت أكثر توتراً من ذي قبل بسبب اعتراف إثيوبيا بإقليم أرض الصومال، وذلك مقابل حق انتفاع لاستخدام ميناء بربرة؛ ولذلك أرى أن على مصر استغلال هذا الأمر من أجل توقيع أيضاً اتفاقية دفاع مشترك بينها وبين الصومال.

وكذلك الأمر بالسودان، هذه الدولة التي يطلق عليها (سلة غلال الوطن العربي) والتي تمتلك ذهباً تستفيد منه دول أخرى خارج الإقليم، وتحديداً هذه الدولة العربية الشقيقة آنفة الذكر والتي تملك ميناء بورتسودان المطل على البحر الأحمر والمهم لحركة الملاحة فيه. ومن أجل تشجيع الاستثمار في السودان، لا بد من وجود ضمانة أمنية، كما أن وجود القواعد العسكرية بشكل فعلي على الأرض يساهم في جمع المعلومات بصورة أدق وتدعيم موقف الجيش السوداني. ويجب على الدول التي ليس لديها مشكلة والتي لديها توترات تظهر على السطح بين الفينة والأخرى، يجب استغلال هذا الأمر لصالحنا وإنشاء قاعدة عسكرية مصرية وزيادة التعاون الاقتصادي معها أيضاً.

وفي الحقيقة، إن هذا الحزام الذي ذكرته من الصومال وجيبوتي (وتحديداً جيبوتي التي تعتمد على القواعد العسكرية الموجودة على أراضيها للدفاع عن نفسها، فيوجد بها قواعد أمريكية، يابانية، فرنسية، وصينية) [17] وإريتريا، إنما يمثل حزاماً لاحتواء إثيوبيا؛ تلك الدولة الحبيسة يجب على مصر تضييق الخناق عليها أكثر وأكثر حتى تأتي راكعة، وتحديداً إريتريا، حيث إن إثيوبيا قامت بحشد عدد من قواتها على الحدود معها[18].

هناك أمر آخر، وهو أنه يجب علينا استخدام فكرة الحروب بالوكالة (Proxy Wars)؛ فإثيوبيا مثلاً تعاني من أزمة تغلغل، وتحديداً في إقليم تيغراي، لذلك لِمَ لا ندعمهم ونشغلهم بأنفسهم أكثر فأكثر؟ وذلك دونما أن تتلطخ أيدينا نحن بالدماء، وبالتأكيد هذا أقل تكلفة بكثير من إنزال معدات أو شيء من هذا القبيل، ولماذا يجب علينا فعل كل شيء بأنفسنا في حين وجود إمكانية لأن يقوم به غيرنا؟ بل وبالعكس، يمكن استخدام حجة التدخل الإنساني أو حق تقرير المصير من أجل توسعة نفوذنا أكثر فأكثر.

ثانياً: القوة الثقافية والناعمة

علينا نشر اللغة العربية الخاصة بنا، ونشر الديانة المسيحية على المنهج القبطي المصري والإسلامية كذلك؛ لأن القوة الروحية والدينية تكون أقوى من قوة الرصاصات. أما عن شق اللغة، فاللغة ليست مجرد كلام منطوق، إنما هي ثقافة كاملة، وإلا فكيف أقنعت فرنسا الدول الفرانكفونية بأنها امتداد لها؟ أو كما قال هيردر: (اللغة هي روح الأمة)، فعندما ننقل جزءاً من اللغة إليهم، ننقل إليهم جزءاً من روحنا.

أما عن التعليم، فيجب علينا التوسع في المنح الدراسية الممنوحة للطلبة الأفارقة تحديداً؛ لأنهم هم الذين سيتقلدون مناصب مرموقة بدولهم، لذلك سينشرون ثقافتنا ويصبحون جزءاً منا، وليس أظهر من ذلك دليلاً من إعلان السنغال اللغة العربية لغة رسمية، وهي دولة إسلامية وللأزهر دور فاعل بها دونما أي مجهود يذكر. أيضاً فيما يختص بالإنتاج الفني، فكما أصبحت مصر حاضنة للفنون بالعالم العربي، يمكننا أن نكون هوليوود إفريقيا التي تجذب إليها نوابغها وفنونها، ويا حبذا وجود أفلام تحكي عن التاريخ المشترك بين مصر وإفريقيا ودورها، وتكون موجهة للجمهور الإفريقي. ونأتي لجزء مهم جداً وهو اللاجئون الأفارقة والمهاجرون، وتحديداً من السودان؛ أرى أن الظروف قد منحتنا فرصة على طبق من ذهب، وذلك من أجل تعميق الروابط بإفريقيا، فبإدماج هؤلاء بالثقافة المصرية، وحينما يعودون إلى بلادهم سيكون جزء منهم قد أخذ من طباعنا إلى حد كبير جداً، وتحديداً بالسودان التي بيننا وبينها مصاهرة بالفعل، فوالدة الرئيس الراحل السادات هي من أصل سوداني…

ثالثاً: القوة الاقتصادية

إن إفريقيا، القارة الغنية بالموارد والضعيفة اقتصادياً، يجب أن يتم تداول مواردها هذه داخل إقليمها، ولا يجب أن تخرج خارجه، لا إلى فرنسا ولا إلى غيرها من الدول، وتحديداً الدول التي تبث الفتن مثلما يحدث الآن في السودان، والتي تدعم ميليشيات الدعم السريع من أجل الحصول على الثروات من ذهب وأراضٍ زراعية؛ لذلك أرى أنه يجب على مصر أن تفعل منطقة التجارة الحرة الإفريقية بشكل أسرع، إضافة إلى هذا ربط دول الجوار بها تحديداً (ليبيا والسودان)؛ فمصر هي الدولة التي تملك البنية التحتية الأكثر تقدماً بين هذه الدول، ولديها رؤوس أموال قادرة على إنشاء المشروعات، بداية من مشروعات إعادة الإعمار ومشروعات الري والزراعة، وانتهاءً بالاتصالات.

والسودان التي تتمتع بالأراضي الخصبة والتي تستغلها دول الخليج من أجل توفير احتياجاتها من الغذاء عن طريق تأجيرها، مصر هي الأولى بها من غيرها؛ فالأسرة العلوية هي التي بنت السدود ونظمت شبكات الري بالسودان.

وليبيا التي وُهبت موارد من الطاقة وساحلاً طويلاً على البحر الأبيض، يجب علينا وضع اتفاقية تجارة حرة كالتي وضعتها الولايات المتحدة مع دول أمريكا الشمالية NAFTA ، وكذلك وأن يكون لنا نصيب بالمواد الزاخرة بهذه الدول، وأن نعتمد أيضاً على الإنماء المتبادل، وأن لا نعطيهم الشعور بالاستغلال أو أننا أفضل منهم، فهذا هو الذي فعلته فرنسا وكانت النتيجة انقلابات في مالي وبنين وبوركينا فاسو؛ يجب أن نربطهم بنا ولكن ليس بالقدر الفذ الذي يجعل شعوبهم يعيشون في فقر مدقع، وما أعتقده هو أن الدولة المصرية مدركة لهذا الأمر.”

الرؤية المستقبلية

إن إفريقيا هي القوة التي ستصعد بالمستقبل بما تملكه من قدرات شابة وموارد، وذلك شئنا أم أبينا، هي الفناء الخلفي لنا، وأي تغيير ولو كان حتى طفيفاً قد يؤدي إلى نتائج غير محسوبة وغير متوقعة؛ لذلك يجب علينا أن نكون شبكة من التحالفات الإقليمية، ولذلك نرى هذا الحجم من التقارب بين مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية[19]، ولكن في نفس الوقت يجب أن نكون كالأخطبوط وأن نمد أذرعنا بجميع المناطق.

مصر أيضاً لديها شباب قوي، طاقة كامنة قادرة على الإبداع وتوليد الأفكار، لذلك نراها أيضاً تنحو ناحية الدبلوماسية الشبابية وغيرها من عمليات الحشد لهذه الطاقات. وفي الأخير، إن حتشبسوت أرسلت إلى بلاد بونت، وذلك من أجل التجارة وإنشاء علاقات قوية معهم، في إدراك من المصريين القدماء بأهمية إفريقيا وإدراكهم أن النيل هو شريان الحياة، فمع أن مصر تعتمد على مياه النيل بنسبة تصل إلى 90% في زراعة المحاصيل، فهذا يعطينا مؤشراً أن الوجود المصري أصبح مسألة وجودية لا مفر منها.

وكما قال ونستون تشيرشل: (لا يوجد صداقة دائمة أو عداوة دائمة إنما توجد مصالح دائمة)؛ لذلك أقول إنه يجب استغلال فرصة أن الرئيس ترامب الآن في صف مصر ومدرك لحقوقها، وبالتأكيد جزء من هذا الأمر هو غزة لأن اتفاق السلام الذي وُقع في شرم الشيخ تحت رعاية مصرية، وبالتأكيد أنه سيطلب في المقابل أن تكون مصر هي حارس البوابة وتحديداً لمعبر رفح، وهذا الأمر سيحمل لمصر نفوذاً أكبر وتأثيراً أكبر مع حدودها الشمالية الشرقية وتحديداً على إسرائيل الآخذة بالتوسع على حساب جيرانها في سوريا ولبنان.

وأرى أيضاً أن التقارب المصري التركي شيء جيد، وكذلك التقارب المصري السعودي، وتحديداً وزير الخارجية الأسبق عمرو موسى كان يرى في السعودية ومصر القوتين القادرتين على الهيمنة على النسق العربي؛ لذلك أرى أن هذه الصفقة من وجهة نظري ستكون Win-Win Situation وستحمل مكسباً لجميع الأطراف وتحديداً مصر، فمصر ستضمن أمنها المائي وستكسب نفوذاً بغزة[20].

وأرى فيما يتعلق بالقوى الكبرى المتصارعة على هيمنة النسق الحالي، فنرى أن مصر تفعل الشيء الصحيح فتحاول تحقيق الموازنة بين تحالفاتها العالمية، ولكن أدعو مصر إلى إعادة إحياء حركة عدم الانحياز مرة أخرى؛ ولذلك أرى أيضاً أن نتخذ من الدبلوماسية أداة، أو كما قال الأستاذ الدكتور أحمد وهبان عميد كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية بجامعة الإسكندرية: (الدبلوماسية هي أن تذبح خصمك دونما أن يقطر دماً).

الخاتمة

تخلص هذه الدراسة إلى أن موقع مصر الجغرافي الفريد، بوصفها دولة ارتكاز بين قارتي آسيا وإفريقيا ومشرفة على أهم الممرات البحرية العالمية، لم يكن مجرد معطى ثابت في معادلة سياستها الخارجية، بل كان المحدد الأكثر تأثيراً في تشكيل إدراكها لذاتها ولدورها الإقليمي. فمنذ فجر التاريخ، حين أدرك المصري القديم أهمية التواصل مع الجنوب كما في بعثات حتشبسوت إلى بلاد بونت، مروراً بعصور التوسع والانكفاء، وصولاً إلى الدولة الحديثة، ظل البعد الإفريقي حاضراً – وإن بدرجات متفاوتة – في معادلة الأمن القومي المصري.

لقد شهدت العلاقة المصرية–الإفريقية مراحل صعود وهبوط؛ فبينما مثّلت حقبة جمال عبد الناصر ذروة الحضور المصري في القارة عبر دعم حركات التحرر والمشاركة في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية، شهدت مراحل لاحقة قدراً من التراجع والانكفاء. غير أن التحولات الإقليمية والدولية، وتنامي التحديات المرتبطة بملف المياه وأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، أعادت التأكيد على أن الدائرة الإفريقية ليست خياراً تكتيكياً، بل ضرورة استراتيجية وامتداداً طبيعياً للأمن القومي المصري.

كما أظهرت الدراسة أن مفهوم (الهيمنة) بمفهومه التقليدي لم يعد قابلاً للتحقق في ظل تشابك المصالح وتعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين داخل القارة، وإنما الأجدى هو بناء شبكة نفوذ قائمة على الشراكات المتكافئة، والتكامل الاقتصادي، وتوظيف القوة الناعمة، والانخراط الفعّال في أطر العمل القاري مثل الاتحاد الأفريقي، بما يعزز الاعتماد المتبادل ويُرسّخ صورة مصر كركيزة توازن لا كطرف صراع.

إن التحديات التي تفرضها قضايا مثل سد النهضة، وعدم الاستقرار في السودان وليبيا، والتنافس الدولي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، تؤكد أن مستقبل الدور المصري في إفريقيا يتوقف على قدرة الدولة على تحقيق معادلة دقيقة بين الردع والدبلوماسية، وبين المصالح الوطنية والالتزامات القارية، وبين التحالفات الدولية واستقلال القرار الوطني[21].

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن إعادة تشكّل الدور المصري في النظام الإقليمي الإفريقي ليست مسألة استعادة ماضٍ بقدر ما هي عملية بناء مستقبل؛ مستقبل تُدار فيه المصالح عبر أدوات متعددة: اقتصادية وثقافية وأمنية وتنموية، في إطار رؤية شاملة تستند إلى أن أمن مصر يبدأ من محيطها الإفريقي، وأن استقرار القارة يمثل عمقاً استراتيجياً لا غنى عنه لبقاء الدولة وتعظيم مكانتها. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في توسيع دوائر النفوذ بقدر ما يكمن في ترسيخ دوائر الثقة، بما يجعل من مصر شريكاً مركزياً في صياغة معادلات السلم والتنمية في إفريقيا خلال العقود القادمة…

المصادر :

[1] Kashgari, Tamim K. “The African Dimension of Egyptian Foreign Policy.” Inquiries Journal/Student Pulse 3, no. 09 (2011). http://www.inquiriesjournal.com/a?id=574

[2] Worldometers. “Countries in Africa by Population.” Accessed [13/2/2025] https://www.worldometers.info/population/countries-in-africa-by-population/.

[3] Protranslate. “Arabic Speaking Population in the World.” https://www.protranslate.net/blog/en/arabic-speaking-population-in-the-world-2/.

[4] Encyclopaedia Britannica. “Egypt.” https://www.britannica.com/place/Egypt.

[5] DABA Finance. “Top 10 Largest African Economies by GDP in 2026.” https://www.dabafinance.com/en/insights/top-10-largest-african-economies-by-gdp-in-2026

[6] Tucker، Freya. “Egypt Ranks First Place for Most Powerful African Army.” Security Africa Magazine, January 18, 2025. https://securityafricamagazine.com/egypt-ranks-first-place-for-most-powerful-african-army/

[7] Wataninet. “The Egyptian and Ethiopian Churches Bound by History.” https://en.wataninet.com/coptic-affairs-coptic-affairs/coptic-affairs/the-egyptian-and-ethiopian-churches-bound-by-history/14719/.

[8] مرجع سبق ذكره، ص ٣

[9] مرجع سبق ذكره، ص٣

[10] Deutsche Welle (DW). “Egypt President Abdel Fattah El-Sissi Takes Over Chair of African Union.” https://www.dw.com/en/egypt-president-abdel-fattah-el-sissi-takes-over-chair-of-african-union/a-47444831

[11] Ministry of Foreign Affairs, Emigration and Egyptian Expatriates Affairs. Strategic Balance: A New Strategic Doctrine for Egypt’s Foreign Policy. Cairo: Ministry of Foreign Affairs, Emigration and Egyptian Expatriates Affairs, 2024.

[12] Egyptian Streets. “Egypt Constructed; Julius Nyerere Dam in Tanzania Nears Completion.” May 14, 2024. https://egyptianstreets.com/2024/05/14/egypt-constructed-julius-nyerere-dam-in-tanzania-nears-completion/

[13] Pamba, Edmond. “The River Nile Geopolitics: Egypt’s Opportunity for Strategic AU Engagement.” January 26, 2025.

[14] Ibrahim, Mahmoud Zakaria Mahmoud. Securing the Continent: Egypt’s Role in Conflict Settlement and Management in Africa. Policy Perspective 68. Information and Decision Support Center (IDSC), The Egyptian Cabinet, October 2025.

[15] Abdelatty, Badr. “Egypt Intends to Shoulder Its Role and Responsibilities in the Horn of Africa.” Tribune, Opinion section.

[16] Middle East Eye. “Egypt Shared Intelligence with Saudi Arabia and UAE on Activities in Yemen and Sudan.” https://www.middleeasteye.net/news/egypt-shared-intelligence-saudi-arabia-uae-activities-y

[17] AJ Net. “القواعد العسكرية الأجنبية في جيبوتي.” Accessed (13/2/2025) [https://www.ajnet.me/encyclopedia/2023/12/23/القواعد-العسكرية-الأجنبية-في-جيبوتي.

[18] International Crisis Group. Ethiopia, Eritrea and Tigray: A Powder Keg in the Horn of Africa. Africa Briefing No. 210, International Crisis Group, 18 February 2026. https://www.crisisgroup.org/brf/africa/ethiopia-eritrea/b210-ethiopia-eritrea-and-tigray-powder-keg-horn-africa

[19] Podcast El Hal Eh? “What After October 7? Amr Moussa Presents His Vision for the Arab World.” YouTube video. https://youtu.be/ZSRug1CN0e0 .

[20] NBC News. “Egypt Welcomes Trump Offer to Mediate Nile River Water Dispute with Ethiopia.” NBC News, January 17, 2026. https://www.nbcnews.com/world/africa/egypt-welcomes-trump-offer-mediate-nile-river-water-dispute-ethiopia-rcna254533

[21] Pamba, Edmond. “The River Nile Geopolitics: Egypt’s Opportunity for Strategic AU Engagement.” January 26, 2025.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts