On Research

مقالات تحليلية

أفغانستان والارتداد الحضاري: قراءة في تقرير اليونيسف وأبعاد الأزمة المركبة

Email :24

كتابة وتحليل

د. ريم أبو الخير

إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني

جمهورية مصر العربية

 

​تخوض أفغانستان منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021 تجربة قاسية من الهندسة الاجتماعية والسياسية، تجربة تضع البلاد في مسار صدام مباشر مع أولويات التنمية البشرية وحقوق الإنسان الأساسية. ولم يعد الأمر مجرد تكهنات أو قراءات سياسية، بل باتت الأرقام والتقارير الدولية ترسم لوحة قاتمة لواقع يقترب من حافة الانهيار الشامل.

​في هذا السياق، يأتي التقرير الأخير الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، والذي حمل عنوانًا دالًا ومقلقًا ألا وهو “تكلفة التقاعس عن تعليم الفتيات ومشاركة المرأة في القوة العاملة في أفغانستان”؛ ليسلط الضوء على عمق الهوة التي تنزلق إليها البلاد، رابطًا بين إقصاء النساء وتفكك القطاعات الخدمية، بالتوازي مع حملة ممنهجة لتكميم الأفواه وتجفيف منابع الوعي العام.

​أولًا: تقرير اليونيسف ونزيف الكفاءات النسائية (الأرقام والمؤشرات)

​يقدم تقرير اليونيسف قراءة كمية مرعبة لطبيعة النزيف الذي يواجه قطاعا التعليم والرعاية الصحية في أفغانستان بحلول عام 2030، إذا ما استمرت القيود الحالية التي تفرضها حركة طالبان، والتي قيدت تعليم الفتيات بما دون سن الثانية عشرة وحظرت عمل النساء في معظم وظائف القطاع العام.

خلص التقرير إلى مجموعة من المؤشرات الصادمة:

  • خسارة 25 ألف امرأة: تواجه أفغانستان خطرًا داهمًا بفقدان جهود أكثر من 25 ألف كادر نسائي مؤهل في قطاعي الصحة والتعليم بحلول عام 2030.
  • التعليم في خطر: يتوقع التقرير خسارة ما يصل إلى 20 ألف معلمة، وهو ما يعادل ربع القوة العاملة التعليمية مقارنة بعام 2021.
  • الانهيار الصحي القادم: يوثق التقرير احتمال خسارة 5400 عاملة في قطاع الصحة بحلول 2030، مع إمكانية قفز هذا الرقم إلى 9600 عاملة بحلول عام 2035.

​وتكتسب هذه الأرقام خطورة مضاعفة بالنظر إلى طبيعة المجتمع الأفغاني؛ فالنظام الاجتماعي يفرض فصلًا صارمًا بين الجنسين، ولهذا يجب على المريضات مراجعة طبيبات وممرضات، وتُفضل المعلمات لتدريس الفتيات. وبالتالي، فإن غياب الكادر النسائي لا يعني فراغًا وظيفيًا فحسب، بل يعني حرفيًا حرمان ملايين النساء والأطفال من الرعاية الصحية والتعليم.

​وهو ما عبرت عنه المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، بتحذيرها الصريح:

​”لا يمكن لأفغانستان أن تتحمل فقدان معلمات وممرضات وطبيبات وقابلات وإخصائيات اجتماعيات في المستقبل، وسيكون هذا هو الواقع إذا استمر استبعاد الفتيات من التعليم”.

​ثانيًا: التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للإقصاء

​لم يتوقف تقرير اليونيسف عند الأبعاد الإنسانية، بل تجاوزها ليقيس الأثر المالي لسياسات الإقصاء على اقتصاد منهار أساسًا. تشير تقديرات المنظمة إلى أن هذا التراجع المتزايد في مشاركة المرأة سيكلف الاقتصاد الأفغاني أثرًا سنويًا لا يقل عن 5.3 مليار أفغاني (نحو 84 مليون دولار أمريكي)، وهو ما يمثل %0.5 من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

​اجتماعيًا، أثرت هذه القيود بالفعل على مليون فتاة على الأقل حُرمن من مقاعد الدراسة الثانوية والجامعية، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم بحلول عام 2030، مما يعني نشوء جيل كامل من الفتيات يفتقر لأدنى مقومات التعليم الأساسي، وهو ما يمهد لارتفاع معدلات الأمية، الفقر، والزواج المبكر القسري.

​ثالثًا: واقع التعليم الرسمي الحكومي

​على الأرض، تترجم سياسات الحركة إلى أزمة حقيقية في إدارة المؤسسات التعليمية القائمة. فوفقًا لوثائق مسربة مؤخرًا من وزارة المعارف التابعة لطالبان، تواجه المدارس الحكومية في العاصمة كابل نقصًا حادًا وغير مسبوق في الكوادر التعليمية بعد قرار الحركة إلغاء أكثر من 6 آلاف وظيفة تعليمية كجزء من سياسة تقليص النفقات بنسبة %20 في المؤسسات المدنية.

​ولمواجهة هذا العجز، فرضت الوزارة إجراءات استثنائية تؤثر مباشرة على جودة التعليم:

  • تكديس الفصول: رفع عدد الطلاب في الصف الواحد إلى 45 طالبًا.
  • الإنهاك المهني: زيادة ساعات التدريس الأسبوعية للمعلمين إلى 23 ساعة.
  • إقصاء جرافي: استبدال المعلمات اللواتي يقطنّ في مناطق بعيدة بمعلمين رجال، ونقلهن دون مراعاة البعد الجغرافي.

​هذا التدمير الممنهج للبنية التحتية للتعليم الرسمي، الذي يعاني أصلًا من انخفاض الرواتب وتأخر صرفها، يقابله ازدهار كبير في قطاع بديل؛ حيث ركزت طالبان مواردها على توسيع المدارس الدينية (الكتاتيب والمطابع الدينية)، والتي تشير الإحصاءات الرسمية للحركة إلى تجاوز عددها 21 ألف مدرسة دينية في مختلف أنحاء البلاد، في محاولة لإعادة صياغة الهوية المعرفية والاجتماعية للأجيال القادمة وفق أيديولوجيتها الخاصة.

​رابعًا: تكميم الأفواه وأمن الصحفيين

​لا يمكن فصل الارتداد في قطاعي الصحة والتعليم عن الهجمة الشرسة التي تشنها السلطات الحاكمة على الفضاء الإعلامي؛ فحظر المعرفة يتطلب بالضرورة حظر الكلمة ونقل الحقيقة.

​تشهد العاصمة كابل تصاعدًا مقلقًا في ملاحقة الصحفيين واعتقالهم عبر جهاز الاستخبارات. ومؤخرًا، أدانت منظمة دعم الإعلام في أفغانستان (أمسو) اعتقال أحمد جاويد نيازي، المسؤول في وكالة أنباء “پيگرد”، من مكتبه واقتياده إلى مكان مجهول. ولا يعد نيازي حالة معزولة، إذ يقبع في سجون الحركة ما لا يقل عن ستة صحفيين آخرين بشكل دائم.

​حتى المؤسسات الإعلامية الكبرى التي حاولت التكيف مع اللوائح المتشددة لطالبان للبقاء قيد التشغيل، مثل شبكة “طلوع نيوز”، لم تسلم من الاستهداف؛ حيث طالت الاعتقالات الاستخباراتية صحفييها عمران دانش ومنصور نيازي. والمؤشر الأخطر هنا هو “حرب المصطلحات“؛ حيث اضطرت الشبكة تحت وطأة الضغط الأمني إلى تعديل منشوراتها وتخفيف لغتها من كلمة “اعتقال” إلى “توقيف”، مما يعكس حجم الرعب والرقابة الذاتية المفروضة على ما تبقى من وسائل إعلام محلية.

​هذا المشهد يفسر السقوط الحر لأفغانستان في المؤشرات الدولية؛ حيث تقبع اليوم في المرتبة 175 في مؤشر حرية الصحافة العالمي، متراجعة 53 مرتبة دفعة واحدة منذ عام 2021.

​أين تتجه أفغانستان؟

​إن القراءة المتقاطعة بين تقرير اليونيسف التحذيري والوثائق الحكومية المسربة وحملات قمع الصحافة، تكشف عن أزمة “مركبة البنية”؛ فطالبان لا تدير دولة بالمعنى التقليدي بقدر ما تقوم بعملية إحلال شاملة للمؤسسات المدنية.

​إن خسارة 25 ألف امرأة في مجالي الصحة والتعليم ليست مجرد رقم إحصائي في تقرير دولي، بل هي حكم بالإعدام المؤجل على الرعاية الطبية للنساء، وتدمير لما تبقى من نظام تعليمي رسمي. ومع غياب الصحافة الحرة التي تملك القدرة على الرصد والمكاشفة، يكتمل الطوق حول المجتمع الأفغاني.

​تواجه أفغانستان معضلة تاريخية، فإما أن تستجيب السلطات الحالية للنداءات الدولية -ومن بينها نداء اليونيسف الأخير- برفع الحظر عن النساء وحماية برامج تنمية المهارات، أو أن البلاد ستمضي قدمًا نحو عزلة دولية أعمق، وانهيار داخلي ستدفع ثمنه الأجيال الأفغانية القادمة من صحتها، وعقولها، ومستقبلها الاقتصادي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts