On Research

مقالات تحليلية

إسرائيل والنموذج الحديث للمنطقة العازلة: الأمن الذاتي أم إعادة إنتاج السيطرة؟

Email :3266

إعداد

عبد الرحمن محمد محمد غزالة 
 كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية

جمهورية مصر العربية

المقدمة: في عام 1907م، وقعت كلٌ من بريطانيا العظمى وروسيا القيصرية “اتفاقية الوفاق” بينهما، التي قضت بتقسيم النفوذ في إيران؛ حيث جعلت شمال البلاد واقعاً تحت النفوذ الروسي، والجنوب تحت النفوذ البريطاني، أما الوسط فكان منطقة محايدة أو منزوعة السلاح، أو بالمسمى السياسي “منطقة عازلة” بين مناطق نفوذ الدول الكبرى. والحق أنها لم تكن المرة الأولى؛ فالإمبراطوريتان البريطانية والروسية -نتيجة للتنافس التاريخي بينهما، ولأن النفوذ الروسي كان آخذاً في التوسع بآسيا الوسطى مما جعل الروس يقتربون شيئاً فشيئاً من “درة التاج البريطاني” (الهند)- اتفقتا عام 1880م على جعل أفغانستان دولة حاجزة لضمان عدم الاحتكاك بينهما. وفي الحقيقة، نرى في أوروبا نفسها أن دولاً كانت تظهر وتختفي حسب الحاجة، مثل بولندا، ودولاً أخرى مثل يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، قد تم إنشاؤها جميعاً من طرف القوى الكبرى.

وهذا يقودنا إلى تساؤل في غاية الأهمية: ما هي غاية وضع الدول أو المناطق الحاجزة أو العازلة؟

هنالك سببان رئيسان لا ثالث لهما:

  1. منع الاحتكاك بين القوى الكبرى وتقسيم مناطق النفوذ بينها.

  2. منع التحالف بين الدول الكبرى.

ففي الحالة الأولى:

  • تكون الدولة ضعيفة.

  • لا تملك استقلالاً في القرار السياسي.

  • تتأرجح بين القوتين الواقعة بينهما.

  • لا تملك قوة رادعة.

  • غالباً ما تكون سياستها حيادية نوعاً ما لكيلا تستفز الطرفين.

  • إذا قامت حرب بين الدولتين، تكون هذه الدولة هي ساحة المعركة ذاتها. ومثال على ذلك: أوكرانيا في عهد “زيلينسكي”؛ فعندما أرادت الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) والانحياز لطرف على حساب الآخر متخليةً عن حيادها، كانت النتيجة هي الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022م، التي لم تضع أوزارها بعد.

أما الحالة الثانية:

  • تكون الدولة الحاجزة أو العازلة هي الذراع للدولة الكبيرة والقوية، التي تسعى لفرض الهيمنة في المنطقة المستهدفة.

  • تسعى الدولة الكبرى إلى جعلها الأقوى في المنطقة، وتحرص على التفوق النوعي لها في السلاح والاقتصاد، وتوفر لها دعماً دبلوماسياً في المحافل الدولية إن اقتضى الأمر.

  • غالباً ما تكون هذه الدولة مزروعة عمداً في المنطقة لتطبيق سياسة “فرِّق تَسُد”.

وهناك مثالان على هذا الأمر، هما: بولندا (التي وُضعت لمنع التحالف بين الروس والألمان)، وإسرائيل. ولنكون أكثر تحديداً، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعامل إسرائيل وكأنها قاعدة عسكرية لها شعب كامل، واقتصاد كامل، ومراكز بحثية خاصة، زُرعت لكي تمنع الوحدة بين العرب، وذلك بفصل الجناح الأفريقي عن الجناح الآسيوي؛ ولذلك نراها تُدعم بكل الأسلحة الممكنة من الطرف الأمريكي. ففي الحرب الإسرائيلية على غزة، قدمت الولايات المتحدة 38 مليار دولار كمساعدات عسكرية لإسرائيل، وذلك دون احتساب الحروب التي ساندتها فيها، مثل الحرب على الحوثيين، و”حرب الاثني عشر يوماً” على إيران، ناهيك عن بطاريات الصواريخ وصواريخ “سكود” والجنود الموجودين على الأرض.

وفي الواقع، نرى إسرائيل مولعة بفكرة “المنطقة العازلة”؛ إذ إن كل الحروب التي خاضتها مع جيرانها تبعتها اتفاقيات سلام تحدد مناطق عازلة أو خطاً معيناً يُمنع فيه وجود آليات عسكرية ثقيلة. ففي سوريا، تم وضع خط عام 1974م (اتفاقية فك الاشتباك) الذي يضم منطقة الجولان وما حولها كمنطقة عازلة يُمنع فيها أي تواجد عسكري. وحتى بعد تراجع سيطرة النظام السوري، أخذت إسرائيل تتوسع في الجنوب السوري؛ لأنها تعلم تماماً أنه عندما يحين وقت المفاوضات، فإن المنطقة العازلة التي وُضعت سابقاً ستتوسع.

وفي مصر أيضاً، وعقب معاهدة السلام، تم تقسيم سيناء إلى ثلاث مناطق داخل الأراضي المصرية، وهي: (المنطقة “ج”: التي يجب أن يكون بها قوات شرطية مدنية فقط، والمنطقة “ب”: وهي منطقة يُسمح بوجود الجيش فيها ولكن بعدد محدود من الأفراد وبلا أسلحة أو معدات ثقيلة، والمنطقة “أ”: وهي التي تقع على الضفة الشرقية لقناة السويس ويوجد بها الجيش المصري بشكل كامل). وأي تحرك في أي منطقة من هذه المناطق يجب إخطار الجانب الإسرائيلي به. ولكن، لمصر أيضاً منطقة عازلة على الأراضي الإسرائيلية وهي (المنطقة “د”)، وهي الخط الحدودي بين إسرائيل ومصر؛ لذا ليس مستغرباً توجس مصر من الاحتلال الإسرائيلي لمحور “فيلادلفيا” (صلاح الدين) حيث إنه يعد جزءاً من المنطقة “د”.

وفي لبنان، عقب الانسحاب الإسرائيلي، وعقب الحرب مع حزب الله في الجنوب اللبناني، تم رسم ما يعرف بـ”الخط الأزرق”، الذي ينص على عدم وجود أي قوات خاصة بالجيش اللبناني إلا ما بعد حدود نهر الليطاني؛ أي أنه في الجانب اللبناني يوجد الجيش ومعه قوات “اليونيفيل”، وتوجد “اليونيفيل” كقوات فصل بين الجانبين. وحتى في الحرب الأخيرة على غزة، نراها تنشئ “محور نتساريم” لتفصل بين الشمال والوسط والجنوب، وتحتل “محور صلاح الدين” لفصل غزة عن محيطها العربي.

وفي الحقيقة، إن المناطق العازلة -كما رأينا- تضمن لإسرائيل عدة أمور:

  • أولها: ضمان مجالها الحيوي وأمنها؛ حيث إن هذه المناطق تكون منزوعة السلاح أو مسلحة بتسليح لا يرقى لمستوى الجيوش، مما يمثل خط دفاع أولياً لها.

  • ثانيها: تمثل هذه المناطق “خنجراً” في ظهر هذه الدول؛ حيث تعد النقطة الأضعف التي يسهل على إسرائيل احتلالها أو استغلالها للتدخل في الشأن الداخلي، فأي اضطراب يحدث في هذه المنطقة يعطي مبرراً وذريعة للتدخل الإسرائيلي، كما أنها تجبر هذه الدول على التنسيق مع إسرائيل إذا أرادت نشر أي قوات.

وتجدر الإشارة إلى أنه تاريخياً، كانت هناك مناطق تقوم بالوظيفتين معاً؛ فجدار برلين -على سبيل المثال لا الحصر- كان يعد منطقة عازلة توضح حدود نفوذ المعسكر الشرقي عن المعسكر الغربي، بالإضافة إلى دوره في منع توحيد ألمانيا وإبقائها مقسمة بين الكتلتين.

خاتمة: إن المناطق الحاجزة تمثل خطاً دفاعياً أولياً للدول، وتساعدها على تحقيق أهدافها ومصالحها القومية، كما يمكن القول إنها تساعد على تطبيق سياسة “الاحتواء” للخصم، كما ه


و الحال مع الدول العربية في المثال الإسرائيلي. وشيء آخر يساعد إسرائيل، هو أن العديد من الدول العربية -وتحديداً الخليجية منها- لا ترى إسرائيل كتهديد، وإنما يرون أن إيران هي العدو. وربما تكون الضربة الإسرائيلية لقطر -التي استهدفت وفد حماس المفاوض- بمثابة جرس الإنذار الذي يُقرع ليقول إن الدور آتٍ على الجميع لا محالة.. فهل يستيقظ العرب يا ترى؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts