دكتور حسين القاضي
(أستاذ متقاعد في جامعة دمشق- وزير سابق)
سوريا

ابراهيم عثمان
(ماجستير فى اقتصاديات النفط)
سوريا
الملخص
تستقصي هذه الدراسة الأهمية المحورية لقطاع الهيدروكربونات في صياغة المشهد السياسي ومسارات التنمية في سوريا عبر العقود الماضية. ولتحقيق أهداف البحث، تم تبني منهجية متكاملة تدمج بين التحليل التاريخي الاستراتيجي وبين دراسة ميدانية استطلعت آراء عينة قصدية مؤلفة من 40 خبيراً بمدد خبرة تتفاوت بين 10 إلى 30 عاماً. كشفت النتائج عن تضرر بنيوي حاد في قطاع الطاقة جراء النزاع المسلح، مما أدى لانكماش الإنتاج وتعطل مشاريع الربط الإقليمي لخطوط الأنابيب نتيجة التجاذبات الدولية. ورغم التباين في تقييم الجدوى التاريخية للتعاون مع الاتحاد السوفيتي، أبدى الخبراء تفاؤلاً بمستقبل الغاز السوري وقدرته على استعادة دور استراتيجي إقليمياً. وقد أكدت الاختبارات الإحصائية (معامل ألفا كرونباخ 0.967) دقة أداة البحث، لتخلص الدراسة إلى ضرورة مراجعة عقود الطاقة المبرمة أثناء الأزمة وتوسيع قاعدة الشراكات الدولية لضمان استدامة إعادة الإعمار.
الكلمات المفتاحية: سياسات الطاقة، خط التابلاين، خط الغاز العربي، خط الغاز القطري.
Abstract
This study investigates the central role of oil and natural gas in shaping Syrian policy and influencing the trajectory of economic and social development over the past decades. The research employed a dual methodological approach, combining a historical and policy analysis of international agreements and energy strategies with an empirical survey conducted among a purposive sample of 40 experts. The participants included engineers, technicians, and economists with professional experience ranging from ten years to more than three decades, thus providing a balanced representation of both technical and economic perspectives.
The findings demonstrate a near-consensus that the Syrian civil war has caused extensive destruction of the energy sector’s infrastructure, leading to a severe decline in fossil energy production. Political complexities and regional as well as international pressures were also found to have significantly obstructed the transit of oil and gas pipelines through Syrian territory, resulting in the loss of major potential economic opportunities. Nevertheless, the results reflect relative optimism regarding Syria’s future prospects in the gas sector, as most experts believe that there remain promising opportunities for increased production and strategic repositioning within the regional energy landscape. In contrast, opinions were divided over the effectiveness of cooperation with the Soviets, indicating a longstanding debate about the true benefits of such partnerships.
The statistical analysis, based on measures of central tendency and supported by a Cronbach’s Alpha coefficient of 0.967, confirmed the high reliability and internal consistency of the survey instrument. The study concludes with recommendations to reassess the energy-related contracts signed during the years of conflict and to pursue more diversified international cooperation. Such measures are deemed essential to stabilize the sector, enhance economic returns, and reinforce the role of energy as a key driver for Syria’s reconstruction and sustainable development.
المقدمة:
أحدث القرن العشرين نقلة استراتيجية نوعية، حيث تحول النفط والغاز إلى حجر الزاوية في صياغة موازين القوى العالمية. هذا التحول منح تفوقاً لافتاً للدول الغنية بالهيدروكربونات، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا، على حساب القوى الدولية التقليدية. وبالتوازي مع ذلك، برزت دول الخليج العربي كقوة اقتصادية صاعدة، مستندة إلى طفرة نمو استثنائية وبناء صناديق سيادية باتت اليوم ركيزة أساسية في هيكل الاقتصاد العالمي.
على الرغم من الزخم العالمي الداعي لتبني الطاقة النظيفة وحماية البيئة، إلا أن الواقع الاستثماري يعكس تمسكاً قوياً بالوقود الأحفوري؛ إذ شهدت نفقات التنقيب في الولايات المتحدة صعوداً مستمراً. وتجسد لغة الأرقام هذه الهيمنة، حيث قفز الإنفاق الاستثماري العالمي من 380 مليار دولار عام 2021م إلى نحو 500 مليار عام 2022م متأثراً بتداعيات الحرب الأوكرانية، ليواصل نموه مسجلاً 540 ملياراً في 2023م و570 ملياراً لعام 2024م، مما يبرهن على أن عصر الهيدروكربونات لا يزال ممتداً.
وتُعد الاستراتيجية السورية في إدارة موارد الطاقة نموذجاً لعدم الاتساق بين المتطلبات الاقتصادية والتوجهات السياسية. فمن جهة، برز طموح النخبة الاقتصادية الوطنية في توظيف النفط لتعزيز الروابط العربية وفتح آفاق استثمارية تتلاقى مع مصالح الدول المجاورة والشركات العالمية. ومن جهة أخرى، واجه هذا التوجه عائقاً متمثلاً في الخطاب القومي الراديكالي الذي وظّف الموارد الاقتصادية لخدمة أهداف سياسية بحتة، مما أدى إلى تغييب المصلحة الاقتصادية الفعلية لصالح الشعارات السياسية.
لم تكن التفاعلات السياسية في سوريا بمعزل عن المخاض الاستراتيجي الذي عاشه العالم العربي من المحيط إلى الخليج، بل شكلت انعكاساً دقيقاً للانقسام العربي الكبير بين تيارين: تيار محافظ تبنى العقلانية الاقتصادية والتحالف مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وتيار راديكالي غلّب الأيديولوجيا السياسية على الحسابات التنموية وارتمى في أحضان الاتحاد السوفيتي. هذا الصراع الثنائي جعل من قطاع الطاقة السوري ساحة اشتباك مثلت نموذجاً مصغراً للنزاع العربي والدولي، حيث تفاعلت فيه المصالح الاقتصادية مع الأجندات السياسية في تشابك معقد حدد مسارات الدولة السورية.
تتمحور إشكالية البحث حول قياس الانعكاسات الاقتصادية السلبية الناتجة عن تغليب الاعتبارات السياسية على المصالح التنموية.
ويهدف البحث إلى تقييم هذه السياسات واستقصاء الفرص الضائعة عبر فحص جدلية القيادة في الدولة: هل يقود الاقتصاد القاطرة، أم تخضع الدولة لتقلبات القرار السياسي؟ كما يسعى البحث لتقدير التكلفة التي تكبدها المجتمع جراء القرارات الارتجالية والمزايدات الشعبوية، سواء في بيئات الديمقراطية الهشة أو في ظل الأنظمة الشمولية والحزب القائد. وفي ظل مشهد الطاقة العالمي المعاصر لعام 2025، المتسم بعدم اليقين وتقلبات الطلب، تحاول الدراسة رسم خارطة لاستغلال الموارد المتبقية بكفاءة، مع التركيز على ضرورة دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات التنقيب والحفر وسلاسل الإمداد لتعظيم العوائد المجتمعية.
فرضيات الدراسة:
- الفرضية الأولى:يرى البحث أن غياب المسوحات الجيولوجية الشاملة والمحدثة للأراضي السورية قد حدّ من القدرة على الاستثمار الأمثل والموقوت للثروات الهيدروكربونية الكامنة.
- الفرضية الثانية:ثمة ارتباط بين الرفض السياسي للحكومة الديمقراطية (في أربعينيات القرن الماضي) لمشاريع نقل النفط الإقليمية (السعودية والعراقية) وبين خسارة عوائد اقتصادية كبرى، مما مهد الطريق لزعزعة الاستقرار السياسي ووقوع أول انقلاب عسكري.
- الفرضية الثالثة:تسببت الخصومة الأيديولوجية بين قطبي حزب البعث (دمشق وبغداد) في هدر فرص استراتيجية؛ إذ أدى عرقلة تدفق نفط كركوك عبر سوريا إلى تحويل مسارات الطاقة الدولية نحو الأراضي التركية (خط جيهان).
- الفرضية الرابعة:تُعزى خسارة سوريا لمكانتها كمركز عبور دولي للطاقة إلى تغليب الحسابات الجيوسياسية للمحور الإقليمي على الجدوى الاقتصادية لمشروع الغاز القطري، مما أدى لتعقيد المشهد السياسي الداخلي وإضعاف خيارات الدولة.
منهج البحث:
اعتمدت هذه الدراسة منهجية بحثية مركبة؛ حيث وظفت المنهج التاريخي لاستعراض محطات قطاع النفط والغاز في سورية، وتحليل سياسات الإنتاج والعبور وما ترتب عليها من تداعيات سياسية واقتصادية رسمت ملامح الموقع الاستراتيجي للبلاد، بهدف تقييم الفرص الضائعة وعلاقتها بالبنية السياسية القائمة. كما استعانت بالمنهج التجريبي (الميداني) من خلال استطلاع آراء عينة حصرية شملت 40 خبيراً يمثلون كامل الطيف الخبراتي في قطاع الطاقة السوري؛ وذلك لتمحيص فرضيات الدراسة واستشراف الإمكانات المتاحة لإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب التي استمرت أربعة عشر عاماً. ورغم تحديات شح البيانات الرسمية، فقد استغرق جمع المعلومات وقتاً إضافياً لضمان الاستقلالية والموضوعية.
هيكلية الدراسة:
- استعراض الأدبيات والدراسات السابقة.
- الخلفية التاريخية.
- تحليل كفاية الإنتاج المحلي.
- فرص الاستثمار في عبور الطاقة (الغاز العربي والقطري).
- الدراسة الميدانية والتحليل.
- النتائج والتوصيات.”
أولاً– استعراض الدراسات السابقة:
تعددت الدراسات التي تناولت قطاع الطاقة في سورية من زوايا اقتصادية، ومحاسبية، وجيوسياسية، وفيما يلي استعراض لأبرز ما قُدم في هذا الصدد:
ففي الجانب المتعلق بـالتجارة الدولية والاستقرار الاقتصادي، بحث قصي عبد الكريم إبراهيم في دور النفط السوري ضمن خارطة التجارة العالمية، موضحاً أهمية الصادرات النفطية كمورد محوري في ميزان المدفوعات السوري قبل عام 2011، مع التنبيه إلى هشاشة هذا الاعتماد نظراً لتقلبات الأسعار وحجم سورية المحدود كمصدر عالمي. وفي سياق متصل، قدمت زينب أحمد المدور تحليلاً قياسياً للفترة (1970–2014)، أثبتت فيه الحساسية العالية للاقتصاد السوري تجاه صدمات أسعار النفط العالمية، وتأثير ذلك المباشر على التضخم والمالية العامة، مؤكدةً على ضرورة إيجاد آليات تحوّط وتنويع لمصادر الدخل.
أما من منظور الأداء المؤسسي والبنيوي، فقد ركزت دراسة ثائر معروف على تحليل الأثر الاقتصادي للشركة السورية للنفط والغاز، كاشفةً عن أثر قيود الاستثمار وضعف الكفاءة التشغيلية على تراجع الإيرادات الحكومية. ومن زاوية محاسبية ورقابية، تناول بشير موسى وقاص (2002) إجراءات مراجعة نفقات التطوير في “شركة الفرات للنفط”، مبرزاً أهمية ضبط تكاليف الاسترداد في عقود تقاسم الإنتاج لتحسين الجدوى الاقتصادية والقرارات الاستثمارية للدولة والشركاء.
وفيما يخص التحديات الراهنة والأزمات، تصدى إبراهيم خليل عثمان لبحث أثر العقوبات الاقتصادية على قطاع النفط، مع التركيز على شركات عقود الخدمة، حيث بينت دراسته كيف أدت هذه العقوبات إلى رفع تكاليف التمويل وتعطيل سلاسل التوريد والتسويق، مما تسبب بخسائر إنتاجية واقتصادية فادحة. وأخيراً، ساهم أحمد الداهيك بدراسة فنية وتصنيفية حول “عائلات النفط الخام في حوض الفرات”، مما يوفر فهماً لخصائص الموارد النفطية في أهم الأحواض الإنتاجية السورية.
كما كتب ثائر معروف دراسة تحليلية للقطاع النفطي السوري وأثره على الاقتصاد الوطني – الشركة السورية للنفط والغاز نموذجاً. تقوم الدراسة بتحليل بنيوي لأهمية قطاع النفط في الناتج المحلي الإجمالي والإيرادات العامة، مع التركيز على نموذج الشركة الوطنية. تبين أن قيود الاستثمار وضعف الكفاءة التشغيلية أثرت على مستويات الإنتاج والإيرادات الحكومية. وتقترح الرسالة إصلاحات في الحوكمة وزيادة فعالية الإنفاق الاستثماري لتعزيز دور القطاع في الاقتصاد السوري.
تتمحور هذه الدراسة حول التحليل الجيوكيميائي الشامل للنفوط في نظام صدع الفرات بسورية، سعياً لتصنيفها وتحديد صلاتها التكوينية بصخور المصدر وآليات هجرتها. ومن خلال إخضاع أكثر من 80 عينة نفط وعشرات العينات الصخرية لمؤشرات تركيبية وجيوكيميائية متقدمة، خلص الباحث إلى تصنيف النفط في المنطقة إلى ثلاث عائلات رئيسة:
الأولى ناتجة عن صخور “تنف” السيلورية ذات النضج العالي، والثانية (2A) المرتبطة بتكوين “شيرانش” الطباشيري، والثالثة (2B) المنبثقة من تكوين “رِماح”. كما كشفت النمذجة عن وجود نفوط مختلطة في قطاعي الصدع الجنوبي والشرقي، ناتجة عن تداخل مساهمات سيلورية مع تكوين رماح. وسلطت الدراسة الضوء على ظاهرة التحلل الحيوي في المكامن الضحلة (شمال غرب الصدع) وأثرها في خفض جودة النفط (API). وتكمن القيمة العلمية لهذا البحث في تقديم سيناريوهات لهجرة النفط، والتأكيد على الفرص الاستكشافية الواعدة في المكامن الباليوزوية، مما يساهم في تقليل مخاطر الاستكشاف وتطوير قرارات الإنتاج.
ثانياً- الجذور التاريخية والتحولات السياسية والاقتصادية في سورية:
لم تظهر سورية بحدودها السياسية المعاصرة على الخارطة الدولية إلا في أعقاب سقوط الدولة العثمانية وإبرام معاهدة “سايكس بيكو” عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا، والتي أفضت إلى تقسيم بلاد الشام إلى كيانات سياسية شملت سورية ولبنان والأردن وفلسطين. ورغم محاولة تأسيس حكم وطني برئاسة الملك فيصل، إلا أن الصدام مع الطموحات الاستعمارية الفرنسية أدى إلى مواجهة عسكرية غير متكافئة عام 1920، انتهت بتبديد الجيش السوري ونفي الملك، لتبدأ مرحلة النضال الشعبي التي بلغت ذروتها في الثورة السورية الكبرى عام 1925، وانتهت بنيل الاستقلال الناجز عام 1946.
عاش القطر السوري بعد الاستقلال مرحلة ازدهار وصفت بـ”الربيع الاقتصادي”، حيث نجحت البرجوازية الوطنية في إرساء دعائم نهضة صناعية متينة، بدأت من قطاع الغزل والنسيج الذي حقق اكتفاءً ذاتياً وتصديرياً، وصولاً إلى صناعات الإسمنت والسكر. وقد واكب هذا التطور تحول قانوني في بنية الاستثمارات من المشروعات الفردية إلى الشركات المساهمة الكبرى، في ظل بيئة من الشفافية ونظام ديمقراطي برلماني كان الأرقى في المنطقة، عبّرت من خلاله الأحزاب عن مصالح الطبقة المنتجة.
إلا أن هذا الاستقرار لم يدم؛ إذ عجزت الحكومات المتعاقبة عن استشراف الأهمية الاستراتيجية للنفط والغاز كمحرك للنمو، وأخفق الاقتصاد في قيادة الدفة السياسية، مما جعل البلاد مسرحاً للانقلابات العسكرية. ومع وصول حزب البعث للسلطة عام 1963، خضعت سياسات الطاقة للتجاذبات الأيديولوجية؛ حيث ساد التوجس من الشركات الدولية خلال فترة التيارات اليسارية (بعد حركة 1966)، لينفتح باب التعاون لاحقاً عقب “الحركة التصحيحية” عام 1970.
ومع ذلك، ظلت الثروة النفطية رهينة للتحالفات السياسية؛ فالتوتر مع نظام صدام حسين أدى إلى إغلاق خط أنابيب كركوك-بانياس، كما تسبب التحالف مع إيران في إهدار فرص استراتيجية كشروع نقل الغاز القطري، وهو ما يراه محللون أحد المحفزات الجيوسياسية لاندلاع الثورة السورية.
أفرز الصراع المسلح واقعاً جديداً تمثل في سيطرة “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) على حقول النفط والغاز في الشمال الشرقي. ورغم افتقار هذه السيطرة للمشروعية القانونية عقب انسحاب الشركات الدولية بفعل “القوة القاهرة”، إلا أنها استثمرت هذه الآبار لبيع النفط الخام لأطراف الصراع المختلفة. وقد اتسم هذا الاستغلال بالبدائية، مما أدى إلى تدهور الطاقة الإنتاجية للآبار وتآكل التجهيزات الفنية نتيجة غياب الصيانة والخبرات المتخصصة، وهو ما انعكس سلباً على جودة النفط ومستقبل الثروة الوطنية.
ويمكن استعراض مراحل تطور السياسات النفطية السورية وفق التسلسل الآتي:
مرحلة الاستقلال والفرص الاقتصادية المهدرة:
شهدت سورية، في مرحلة ما بعد الاستقلال ورحيل القوى الاستعمارية، نهضة صناعية لافتة قادتها البرجوازية الوطنية. تمكنت هذه الطبقة من بناء صناعة محلية قوية اعتمدت على المواد الأولية كـالقطن والصوف، وطورت الصناعات الثقيلة الضرورية كـالإسمنت والسكر، محوّلة الورش الصغيرة إلى مصانع كبرى. اتسمت هذه المرحلة بنمو اقتصادي سنوي فاق 3%، وببنية تحتية قانونية متطورة للمشاريع (شركات مساهمة) تميزت بالحوكمة والشفافية.
إلا أن هذه الإنجازات الاقتصادية شابها قصور في رسم سياسة طاقة حكيمة. فبالرغم من تبني هذه الطبقة لسياسات خارجية “ناعمة” تستهدف التوسع في الأسواق العربية المشتركة، إلا أنها أهملت استثمار موارد الطاقة المتاحة محلياً، وفشلت في تسهيل عبور خطوط النفط والغاز عبر الأراضي السورية. هذا التناقض بين المصلحة الاقتصادية العليا والتوجهات السياسية ترك أثراً سلبياً عميقاً، خاصة في مجال الطاقة (الإنتاج والنقل)، وذلك على عكس قوى سياسية أخرى كانت تُغلّب الشعارات الأيديولوجية على المصالح الاقتصادية الوطنية.
يتجلى هذا القصور في إدارة ملفات الطاقة عبر النماذج التالية:
أ. مشروع خط “تابلاين” (Trans-Arabian Pipeline):
كان خط الأنابيب عبر الجزيرة العربية “تابلاين” مشروعاً استراتيجياً ضخماً أطلق في أواخر الأربعينيات لنقل النفط السعودي من حقل بقيق إلى ميناء صيدا اللبناني عبر الأراضي السورية. أسست شركة “تابلاين” عام 1945 بشراكة أمريكية لتقليص مسافة النقل البحري بحوالي 3,200 كيلومتر، متجاوزة قناة السويس ورسومها المرتفعة التي كانت تفرضها الشركة الأنجلوفرنسية. كان هذا المشروع سيوفر لسورية عوائد مالية مجزية مقابل العبور، ويمنحها استقراراً سياسياً مرتبطاً بالمصالح النفطية الدولية التي تضمن استمرار تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية.
المسار التاريخي والسياسي لخط “تابلاين” في سورية:
بدأت أعمال إنشاء خط الأنابيب عبر الجزيرة العربية (تابلاين) عام 1947 تحت إشراف شركة “بكتل” الأمريكية، ليمتد على مسافة 1,648 كيلومترًا عابرًا السعودية والأردن وسورية وصولًا إلى ميناء صيدا اللبناني. ورغم الأهمية الاستراتيجية للمشروع، إلا أنه اصطدم في بداياته بممانعة الحكومة السورية؛ نتيجة ضغوط الشارع القومي الذي كان يتبنى شعارات شعبوية مثل “بترول العرب للعرب”، دون إدراك للمكاسب الاقتصادية والجيوسياسية المرجوة.
عكست هذه الممانعة حالة من الانقسام السياسي العميق في سورية؛ فمن جهة، كانت أحزاب البرجوازية الوطنية (كحزب الشعب في حلب والحزب الوطني في دمشق) والحزب السوري القومي الاجتماعي، لا تمانع في تكامل المصالح الاقتصادية ضمن مشاريع إقليمية مثل “الهلال الخصيب” الذي حظي بمباركة بريطانية وهدف إلى توسيع الأسواق وتنشيط القاعدة الصناعية. ومن جهة أخرى، كان حزب البعث يتبنى رؤية وحدوية ذات صبغة “اشتراكية فلاحية” معادية للبرجوازية الوطنية، مما جعله يناهض مشروع الهلال الخصيب ويفضل الوحدة مع مصر، مقدّمًا المزايدات السياسية والشعاراتية على حساب الثورة الصناعية وبناء دولة ليبرالية قائمة على المنافسة.
هذا الاستعصاء البرلماني السوري، الناجم عن الخوف من الشارع “الغوغائي” والمزايدات الحزبية، أعاق اتخاذ قرارات استراتيجية بشأن مرور الأنبوب، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تعزز تحالفها النفطي مع المملكة العربية السعودية كحجر زاوية في سياستها بالشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية.
في هذا المناخ المتأزم، جاء انقلاب الزعيم حسني الزعيم عام 1949 كتحول جذري؛ حيث عطل الحياة الديمقراطية وحل البرلمان، لكنه سارع في المقابل إلى تحديث القوانين التجارية والضريبية وصادق على اتفاقية مرور “التابلاين”. وبحلول عام 1950، بدأ الخط عملياته التشغيلية بنقل حوالي 340 ألف برميل يوميًا، مما وفر للحكومة السورية إيرادات عبور سنوية بلغت نحو مليون وربع المليون دولار (قابلة للزيادة). ومع ذلك، لم يسلم الخط من التحديات الجيوسياسية اللاحقة، خاصة بعد حرب عام 1967، حين خضعت أجزاء منه للسيطرة الإسرائيلية، مما أدى إلى تعثر مساره التاريخي.
أدى قرار الحكومة السورية المنتخبة آنذاك إلى نتائج سلبية عديدة، أهمها: إهدار فرصة الحصول على رسوم عبور كانت ستعود بالنفع على سوريا، وضياع فرصة استراتيجية لتصبح سوريا لاعبًا أساسيًا في سوق نقل النفط بالشرق الأوسط، لا سيما وأن النقل بالأنابيب أقل تكلفة من النقل البحري عبر قناة السويس. كما ساهم هذا القرار، وغيره من القرارات المتأثرة بشعارات الشارع كرفض قرار تقسيم فلسطين عام 1947، في سقوط الحكومة الديمقراطية وفتح الباب أمام انقلابات عسكرية أدت بدورها إلى الاستبداد والفساد، مما هدد وحدة سوريا على المدى البعيد.
يُظهر هذا أن الديمقراطية وحدها لا تكفي لصنع السلم والاستقرار، بل هي نتاج توافقات سياسية محلية وإقليمية ودولية.
في سياق متصل، تم تدشين خط أنابيب النفط العراقي عبر سوريا نحو البحر الأبيض المتوسط عام 1952، ليصل إلى ميناء بانياس، بعد أن سهّل انقلاب حسني الزعيم الموافقة على مروره خلافًا لسياسة “بترول العرب للعرب” المتبعة سابقًا. كانت رسوم العبور مجزية، إلا أن الخلافات بين جناحي حزب البعث الحاكم في البلدين أدت إلى إغلاق الخط من الجانب السوري للضغط على العراق اقتصاديًا وسياسيًا. كانت سوريا تفتخر بالاستثمار الوطني للنفط وتتهم الدول المتعاونة مع الشركات الدولية بالعمالة، حتى أنها رفضت عرضًا عراقيًا مغريًا لبناء مصفاة نفطية مجانية تلبي احتياجات سوريا كافة، مما يؤكد أن السياسات كانت تهدف للحفاظ على السلطة بدلًا من خدمة مصالح الشعبين.
التكامل الاقتصادي والتحول الديمقراطي:
كان من المفترض أن تقوم السياسة الاقتصادية السورية على مبدأ التكامل مع العراق، بما يضمن تنمية متوازنة تخدم البلدين ويمهد الطريق لنظام ديمقراطي علماني يتجاوز الانقسامات الطائفية. فبدلاً من الصراع الذي طبع حكم حزب البعث في الدولتين عبر أقليات طائفية (حكم العرب السنة في عراق صدام حسين بنسبة 30%، وحكم الأقلية العلوية في سوريا بقيادة حافظ الأسد بنسبة 12%)، كان من شأن الاندماج بين الدولتين أن يخلق توازناً ديموغرافياً يلغي ثنائية “الأقلية والأكثرية”، ويؤسس لدولة علمانية وديمقراطية كما نص دستور البعث نظرياً، قبل أن يُعطلها الاستبداد.
تحديات مرحلة الاستقلال وسقوط الديمقراطية:
في مرحلة ما بعد الاستقلال، عانى النظام الديمقراطي السوري من عدم نضج الأحزاب السياسية، وعلى رأسها حزب البعث، حيث طغت المزايدات والشعارات على العمل المؤسسي. هذا الضعف السياسي أدى إلى فقدان ثقة القوى الإقليمية كالمملكة العربية السعودية، والدولية كالولايات المتحدة، مما جعل إسقاط تلك الحكومة نتيجة حتمية. كما يُؤخذ على تلك الحكومات افتقارها للرؤية الاقتصادية؛ إذ لم تُبدِ اهتماماً بإجراء مسوحات جيولوجية للتنقيب عن النفط والغاز بالتعاون مع شركات دولية كما فعلت دول الجوار.
من الانقلابات إلى سقوط النظام في 2024/2025:
إن الحماس الزائد في رفض قرار تقسيم فلسطين عام 1947 أدخل سوريا في دوامة حروب ومزايدات مهدت الطريق لسلسلة من الانقلابات العسكرية. انتهى هذا المسار بسيطرة اللجنة العسكرية باسم البعث عام 1963، ثم انفراد حافظ الأسد بالسلطة عام 1970 لمدة ثلاثة عقود، قبل أن يورثها لابنه بشار الأسد الذي استمر 24 عاماً. وانتهى هذا العهد بانهيار النظام في ديسمبر 2024 وبدايات 2025 على يد الفصائل المسلحة بقيادة أحمد حسين الشرع (أبو محمد الجولاني)، زعيم هيئة تحرير الشام والقوى المتحالفة معها، ليبدأ فصل جديد في تاريخ سوريا المعاصر.
المرحلة الثانية: الاستثمار الوطني للنفط والغاز في سوريا (تحولات السلطة والتوجه الاشتراكي)
شهدت سوريا في ظل الانقلابات العسكرية تركيزاً كلياً على القبضة الأمنية والعسكرية، مما أدى إلى تهميش الشأن الاقتصادي. ورغم محاولات حكومة الرئيس شكري القوتلي منح امتيازات نفطية بين عامي 1956 و1957، إلا أن المساعي العسكرية نحو الوحدة مع مصر عطلت تلك المشاريع. وبقيام “الجمهورية العربية المتحدة”، انتهجت دولة الوحدة سياسة معادية للشركات الدولية والاستعمار، خاصة بعد تأميم قناة السويس، واتجهت نحو توثيق الروابط مع الاتحاد السوفيتي. ولم يكن استثمار النفط أولوية لدى حكومة عبد الناصر بقدر اهتمامها بالتوسع السياسي وضم دول الجوار، مما أدى لتورطها في توترات إقليمية أضرت بالبورجوازية الوطنية السورية التي كانت تطمح لتوسيع الأسواق عبر مشروع “سوريا الكبرى”. كما ساهمت قوانين الإصلاح الزراعي والتأميم في تفتيت الملكية وتعطيل التنمية الاقتصادية الشاملة، واقتصر النشاط النفطي حينها على توقيع اتفاقية تعاون فني مع السوفيت.
بعد انهيار دولة الوحدة عام 1961 وما تلاها من اضطرابات، وصلت اللجنة العسكرية لحزب البعث إلى السلطة عام 1963، متبنيةً نهجاً اشتراكياً أكثر راديكالية، خاصة بعد حركة 23 شباط 1966 بقيادة صلاح جديد. وفي هذا المناخ، تقرر اعتماد مبدأ “الاستثمار الوطني” للنفط بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي، مما أثمر عن تأسيس “الشركة السورية للنفط” لاحقاً وبدء الإنتاج في حقل الرميلان عام 1968.
وقد حقق التعاون السوفيتي نتائج ملموسة تمثلت في تقديم الدعم الفني، تدريب الكوادر الهندسية السورية، وتنفيذ أعمال الحفر والمسح الجيولوجي؛ حيث نُفذ حفر 270 بئراً دخل بعضها حيز الإنتاج التجاري. كما توسع هذا النشاط ليشمل إنشاء وحدات معالجة في تل عدس والرميلان، وتدشين أول معمل للغاز المرافق في “السويدية” عام 1984، تلاه استثمار معمل الغاز الحر في “الجبسة” عام 1988، ليضع ذلك حجر الأساس لمنظومة النفط والغاز السورية التي استمرت حتى التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد وصولاً إلى سقوط النظام في عام 2025.
إنتاج النفط السوري: بدايات متواضعة وشراكة سوفيتية
ظل إنتاج النفط السوري، الذي بدأ عبر التعاون مع الاتحاد السوفيتي ثم تولته “الشركة السورية للنفط”، متواضعاً نسبياً. فبينما ارتفع الإنتاج من 7 ملايين برميل سنوياً عام 1966 إلى 59 مليون برميل عام 1984، فإنه بقي عند حاجز الـ 200 ألف برميل يومياً تقريباً حتى بداية التسعينيات. هذا التواضع في الإنتاج أثر سلباً على قدرة الاكتفاء الذاتي من الاستهلاك المحلي وعلى تمويل التنمية الاقتصادية في البلاد.
وفيما يلي أبرز الحقول التي جرى استكشافها وتطويرها في إطار الشراكة السوفيتية-السورية:
أولاً – حقول النفط:
- حقل الرميلان (الحسكة):
- يعد أكبر حقل نفطي في سوريا.
- تم تطويره بعد انسحاب الشركات الأمريكية (كالفالي) عام 1968.
- قدم السوفييت الدعم بالأجهزة والخبراء لتشغيل الآبار ورفع مستوى الإنتاج.
- حقل السويدية (شمال شرق الحسكة):
- يقع بالقرب من حقل الرميلان ودخل الخدمة أواخر الستينيات.
- جرى استثماره بخبرات سورية-سوفيتية مشتركة.
- حقل كراتشوك (المالكية – الحسكة):
- اكتُشف في السبعينيات.
- ساهم السوفييت في أعمال التنقيب وحفر عدد من الآبار.
- حقل تل عدس (قرب القامشلي – الحسكة):
- أحد الحقول القديمة التي أعيد استثمارها بمعدات سوفيتية.
- أنشئت فيه محطة لمعالجة النفط بدعم من الخبراء السوفييت.
- حقول الجبسة (دير الزور – الحسكة الجنوبية):
- اكتُشف فيها الغاز المصاحب للنفط منذ السبعينيات.
- شمل التعاون السوري-السوفيتي إنشاء وحدات متخصصة لفصل ومعالجة الغاز.
ثانياً – حقول الغاز
- غاز الجبسة (الحسكة الجنوبية – الشدادي)
- السوفييت ساعدوا في بناء معمل معالجة الغاز في الجبسةخلال الثمانينيات.
- استُخدم الغاز لإنتاج الطاقة الكهربائية والأسمدة.
- غاز دير الزور (حقول صغيرة متفرقة)
- بعض الحقول الغازية جرى استثمارها تجريبياً بدعم جيولوجيين سوفييت.
المرحلة الثالثة: الانفتاح على التعاون مع الشركات الدولية
بعد أن سيطر حافظ الأسد على السلطة في مواجهة تيار صلاح جديد المتشدد، عمد إلى سياسة انفتاح اقتصادي سمحت للشركات الدولية بالدخول إلى السوق السورية لتحقيق مكاسب اقتصادية أسرع. وقد شهدت هذه المرحلة دخول عدة شركات عالمية:
شركة شل (Shell): حلت الشركة الإنكليزية الهولندية محل شركة “بكتين” الأمريكية التي مُنعت من العمل بسبب إدراج سوريا ضمن الدول الراعية للإرهاب بعد حادثة لوكربي عام 1979م. نتج عن العقد، الذي كان من أهم عقود تقاسم الإنتاج لمدة عشر سنوات، تأسيس شركة الفرات للنفط (AFPC) بالاشتراك مع الشركة السورية للنفط.
شركة توتال (Total): تشكلت نتيجة العقد المبرم مع شركة “إلف” الفرنسية (التي استحوذت عليها توتال لاحقاً)، وأسفر عن تأسيس شركة دير الزور للنفط.
غلف ساندز بتروليوم (Gulfsands) / سينوكيم (Sinochem): وقعتا عقد مشاركة في الإنتاج عام 2003م لتطوير البلوك 26 في شمال شرق سوريا عبر شركة دجلة للنفط (DPC).
شركة ساينوبيك (Sinopec) الصينية: استثمرت في شركتي تقاسم إنتاج هما: شركة عودة للنفط وشركة كوكب للنفط.
شركة بتروكندا (Petro-Canada): من خلال الشركة المشتركة إيبلا لاستثمار غاز إيبلا، بمشاركة 10% لشركة “بتروفاك”.
شركة إينا (INA) الكرواتية: عملت بموجب عقد تقاسم إنتاج لتطوير غاز جحار وُقّع عام 1998م.
تجدر الإشارة إلى أن عمليات كافة هذه الشركات توقفت بعد عام 2011 بسبب العقوبات الدولية المفروضة على سوريا واندلاع الحرب الأهلية، حيث اضطرت الشركات للانسحاب، وتم تشغيل المواقع التي كانت تديرها “إينا” لاحقاً بخبرات وطنية سورية.
ثالثاً- تطور إنتاج النفط والغاز في سورية:
- تحولات إنتاج النفط الخام في سوريا حتى عام 2011:
| السنة | متوسط الإنتاج (ألف برميل/يوم) | البيان |
| 1968 | 10 | بداية الإنتاج التجاري من حقل السويدية بالحسكة |
| 1970 | 20 | توسع محدود في شمال شرق سورية |
| 1975 | 40 | دخول بعض الحقول الجديدة في الحسكة ودير الزور |
| 1980 | 170 | بداية الاعتماد الأكبر على النفط كمورد رئيسي |
| 1985 | 180 | استقرار نسبي في الإنتاج |
| 1990 | 340 | دخول حقول دير الزور (العمر، التنك، الورد) |
| 1995 | 600 | ذروة التوسع بعد استثمارات مع شركات عالمية (شل، توتال) |
| 1996–1997 | 580–590 | الوصول إلى الذروة التاريخية للإنتاج |
| 2000 | 525 | بداية التراجع التدريجي |
| 2005 | 400 | تناقص مستمر بسبب نضوب الحقول |
| 2010 | 385 | انخفاض ملحوظ، النفط يشكل 25% من الناتج المحلي تقريباً |
| 2011
|
330 | بداية الأزمة السورية وتراجع الاستثمارات الأجنبية |
يُظهر تتبع مسار إنتاج النفط السوري منذ بداياته التجارية تطوراً جذرياً بدأ في عام 1980؛ حيث شكل دخول الشركات الدولية نقطة تحول أدت إلى قفزة في كميات الإنتاج. وقد انعكس هذا النمو إيجاباً على الموازنة العامة للدولة، حيث ساهم في تقليص العجز ومعالجة العديد من الاختناقات الاقتصادية. ويمكن تلخيص أبرز محطات الإنتاج في الملاحظات التالية:
- الذروة الإنتاجية:سجلت سوريا أعلى مستوى تاريخي لإنتاج النفط في منتصف التسعينيات، بمعدل تراوح بين 590 إلى 600 ألف برميل يومياً.
- مرحلة التراجع:مع بداية عام 2000، بدأ المنحنى بالانخفاض نتيجة لنضوب الحقول المتقادمة وتراجع وتيرة الاكتشافات الجديدة.
أما فيما يتعلق بقطاع الغاز، فيمكن رصد تطور إنتاجه وفقاً للمعطيات التالية:
| السنة | إنتاج الغاز (مليار م³/سنة) | البيان |
| 1980 | 0.5 | بداية استثمار غاز حقول الحسكة (رميلان) بكميات صغيرة |
| 1985 | 1.2 | توسع محدود في شمال شرق سورية |
| 1990 | 2.0 | دخول بعض الحقول الغازية في المنطقة الوسطى (تدمر) |
| 1995 | 3.5 | زيادة الإنتاج مع مشاريع الغاز الجنوبي والوسطى |
| 2000 | 5.5 | بدء تطوير معامل غاز الجبسة والجبسة – دير الزور |
| 2005 | 7.0 | ارتفاع بفضل دخول معامل غاز جديدة (الجبسة، المنطقة الوسطى) |
| 2007 | 7.8 | بدء إنتاج معمل غاز دير الزور (Conoco) |
| 2009 | 8.5 | دخول معمل غاز إيبلا (توتال – المنطقة الوسطى) |
| 2010 | 8.7 | استمرار الزيادة مع تحسن المعامل |
| 2011 | 8.9 | استقرار نسبي قبل اندلاع الأزمة السورية |
قطاع الغاز السوري: الاستهلاك المحلي والاكتشافات الجديدة
اعتمدت سوريا بشكل جوهري على الغاز الطبيعي لتشغيل محطات توليد الكهرباء ومعامل الأسمدة، خاصة مع دخول محطات المعالجة الحديثة الخدمة في مناطق (دير الزور، إيبلا، والجبسة)؛ حيث ساهم الغاز في تغطية نحو 50% من احتياجات البلاد لتوليد الطاقة الكهربائية حتى عام 2011م.
أما بخصوص الاكتشافات الجديدة، فقد شهد عام 2010م اكتشاف حقول واعدة شمال غرب دمشق (منطقة قارة، البريج، ودير عطية)، لكنها لم تدخل حيز الإنتاج الفعلي إلا بعد عام 2015م، وذلك من خلال عقود مع شركات روسية (مرتبطة بمجموعة فاغنر حينها). وتشير التقديرات الراهنة إلى أن الإنتاج اليومي من هذه الحقول يتوزع كالتالي:
حقل قارة (1): ينتج حوالي 450 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي الحر.
حقل قارة (3): ينتج حوالي 450 ألف متر مكعب يومياً.
حقل البريج: يصل إنتاجه إلى نحو 200 ألف متر مكعب يومياً.
وعلى الرغم من أهمية هذه الكميات، إلا أن استثمارها بالكامل يتطلب استكمال بناء وتطوير محطات تجميع ومعالجة متطورة لضمان كفاءة التوزيع والاستهلاك.
التحولات في ميزان الطاقة السوري: انحسار النفط وصعود الغاز
يُظهر الرصد البياني تبادلاً في الأدوار بين قطاعي النفط والغاز في سوريا؛ فبينما تراجع إنتاج النفط، سجل الغاز نمواً مكّن الحكومة حتى عام 2011 من تصدير الفائض النفطي والاعتماد على الغاز محلياً. وتؤكد الدراسات السايزمية المعمقة وعمليات المسح في حقول شمال غرب دمشق وساحل المتوسط، أن سوريا تمتلك إمكانات غازية واعدة لم تُستغل بالكامل بعد، خاصة وأن المساحات الممسوحة فعلياً لا تتجاوز نصف الأراضي السورية. هذا الواقع يفتح الباب أمام تحول سوريا إلى دولة مصدرة للغاز في المستقبل القريب حال استكمال التنقيب.
تراجع الصادرات النفطية (2001-2011):
سجلت الصادرات النفطية تراجعاً ملحوظاً قبل توقفها التام، حيث:
- انخفضت عام 2010 إلى 149 ألف برميل يومياً(بتراجع 41.2% عن عام 2001).
- واصلت الانخفاض عام 2011 لتصل إلى 114 ألف برميل يومياً.
هذا التراجع عزز من استراتيجية إحلال الغاز الطبيعي كبديل أساسي لتوليد الكهرباء والاستهلاك المنزلي.
العقود الروسية والتحولات السياسية (بعد 2011 وصولاً لعام 2025):
اتسمت العقود المبرمة مع روسيا بطابع أمني واستراتيجي للالتفاف على العقوبات الدولية:
- عقد شركةSoyuzneftegaz (2013): شمل التنقيب في مساحة 2190 كم² قبالة طرطوس بتمويل روسي، لكنه توقف عام 2015 لدواعٍ أمنية.
- عقد شركةCapital Limited (2021): مُنح لهذه الشركة (المرتبطة بمجموعة فاغنر) حق حصري للتنقيب في البلوك البحري الجنوبي بمساحة 2250 كم². تضمن العقد مرحلة استكشاف لأربع سنوات ومرحلة إنتاج لـ25 عاماً.
الوضع الراهن في 2025:
عقب سقوط نظام بشار الأسد، دخلت العلاقات السورية-الروسية مرحلة جديدة من المفاوضات؛ حيث تسعى موسكو لتسوية وضع عقودها مع الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع لضمان تنفيذها مباشرة عبر شركات رسمية بدلاً من “فاغنر”، مستفيدة من رفع العقوبات الدولية.
بالتوازي مع ذلك، بدأت الحكومة السورية مباحثات فنية مع اليونان وقبرص لترسيم الحدود البحرية، بالتنسيق مع لبنان وتركيا. تهدف هذه التحركات إلى تأمين بيئة قانونية ومستقرة للتنقيب في شرق المتوسط، وهي المنطقة التي أثبتت جدواها اقتصادياً من خلال حقول الغاز النشطة في الدول المجاورة كإسرائيل ولبنان، مما يضع سوريا على أعتاب مرحلة جديدة من الاستقلال الطاقي.
أولاً: العقود الإيرانية ومعوقات التنفيذ
أبرمت إيران عدة عقود في قطاع الطاقة السوري عبر شركاتها الوطنية، ومن أبرزها:
- شركة بتروبارس(Petropars): لاستكشاف وتطوير حقل “الشاعر” للغاز عام 2013، إلا أن المشروع جُمّد عام 2015 نتيجة الظروف الأمنية.
- شركة نفط إيران(NIOC): لتطوير حقل “جحار” للغاز في العام ذاته.
وعلى الرغم من هذه الاتفاقيات، لم تتمكن إيران من ترجمة أي منها إلى واقع إنتاجي ملموس. ومع سقوط بشار الأسد بنهاية عام 2024، باتت هذه العقود بحاجة إلى تسويات قانونية وسياسية معقدة، بالنظر إلى طبيعة العلاقة السابقة بين طهران والنظام الساقط.
ثانياً: السيطرة على حقول الشمال الشرقي (مناطق قسد)
أدت الحرب ضد تنظيم “داعش” وتشكيل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة إلى نشوء واقع ميداني جديد؛ حيث تولت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) السيطرة على أهم حقول النفط والغاز في محافظتي دير الزور والحسكة، مدعومة بوجود عسكري للتحالف في نقاط استراتيجية مثل حقل العمر ومعمل كونيكو.
أبرز الحقول الواقعة تحت سيطرة “قسد“:
- النفط:حقول (العمر، التنك، الورد، الجفرة) في دير الزور، وحقول (رميلان، السويدية) في الحسكة.
- الغاز:معمل كونيكو (أكبر منشأة معالجة في سوريا)، وحقول الجبسة والشدادي.
ثالثاً: واقع الإنتاج والتحديات التقنية
شهد الإنتاج السوري تراجعاً حاداً مقارنة بمستويات ما قبل 2011 (التي كانت تبلغ 380-400 ألف برميل نفط و30 مليون م³ غاز يومياً)؛ إذ انخفض إنتاج النفط في مناطق “قسد” إلى أقل من 70 ألف برميل يومياً، والغاز إلى ما بين 10-15 مليون م³ يومياً. ويعود هذا الانهيار الإنتاجي لعدة عوامل:
- الاعتماد على عمليات ضخ عشوائية لافتقاد الخبرات التخصصية.
- تهالك البنية التحتية نتيجة التآكل والصدأ وغياب الصيانة.
- النضوب التدريجي الطبيعي للمخزون.
رابعاً: التسويق والعوائد الاقتصادية
يتم تصريف النفط المنتج في هذه المناطق عبر ثلاث قنوات رئيسية:
- بيع كميات للحكومة السورية عبر وسطاء محليين وشاحنات برية.
- التهريب نحو إقليم كردستان العراق.
- التكرير المحلي عبر “الحراقات البدائية“لتأمين احتياجات السكان، وهو ما يؤدي إلى هدر اقتصادي كبير وتلوث بيئي، حيث تُباع المشتقات بأسعار أقل بكثير من قيمتها العالمية.
واقع السيطرة على حقول الشمال الشرقي في عام 2025
شكلت الحرب ضد تنظيم “داعش” في شمال شرق سوريا نقطة تحول استراتيجية؛ حيث أدى التحالف بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة إلى سيطرة “قسد” على مراكز الثروة النفطية والغازية في محافظتي دير الزور والحسكة. وتدير هذه القوات حالياً أهم المنشآت الحيوية، ومن أبرزها حقول (العمر، التنك، الجفرة) في دير الزور، وحقول (الرميلان، السويدية، الشدادي) في الحسكة، بالإضافة إلى معمل “كونيكو” الذي يعد أكبر منشأة لمعالجة الغاز في البلاد.
خارطة الإنتاج والتحديات الراهنة:
سجلت مستويات الإنتاج تراجعاً حاداً مقارنة بما قبل عام 2011؛ فبعد أن كان الإنتاج يقارب 400 ألف برميل نفط و30 مليون م³ غاز يومياً، انخفض في مناطق السيطرة الحالية إلى أقل من 70 ألف برميل نفط، ونحو 10-15 مليون م³ من الغاز. ويعود هذا التدهور إلى غياب الخبرات التخصصية، والاعتماد على الضخ العشوائي، وتهالك البنية التحتية نتيجة الصدأ ونضوب الحقول.
آليات التسويق والعوائد:
تعتمد “قسد” في تمويل عملياتها وتأمين احتياجات السكان على:
- التكرير المحلي عبر “الحراقات” البدائية، مما يتسبب في هدر اقتصادي وتلوث بيئي.
- بيع كميات من النفط الخام للداخل السوري عبر وسطاء محليين.
- التصدير المحدود عبر قنوات غير رسمية.
وقد أثار توقيع “قسد” عقداً مع شركة Delta Crescent Energyالأمريكية احتجاجات واسعة من الحكومة السورية، نظراً لما يثيره من إشكالات قانونية مع الشركات الدولية صاحبة الامتيازات الأصلية التي توقفت بسبب القوة القاهرة.
المسار السياسي الجديد في 2025:
مع تغير المشهد السياسي في دمشق وسقوط النظام السابق، دخلت سوريا مرحلة جديدة من المفاوضات لتوحيد ملف الطاقة. وتبرز في هذا السياق النقاط الثمانية التي تم الاتفاق عليها في دمشق بتاريخ 10 آذار/مارس 2025، عقب المباحثات التي جرت بين رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع وقائد قوات “قسد” الجنرال مظلوم عبدي برعاية أمريكية.
يهدف هذا الاتفاق إلى وضع إطار عمل لاستعادة الدولة سيطرتها على الحقول وتأمين احتياجات البلاد من الطاقة، مع استمرار تواجد قاعدة أمريكية في حقل “العمر” لضمان الاستقرار الأمني ومراقبة السجون التي تضم عناصر التنظيم المتطرف. تأمل السلطات الجديدة أن يؤدي تنفيذ هذا الاتفاق إلى إنهاء الانقسام الاقتصادي وإعادة تأهيل القطاع النفطي بالتعاون مع الشركات العالمية الكبرى.
رابعاً: استثمار الموقع الاستراتيجي لسوريا في ترانزيت الطاقة (خطوط الغاز)
تعد سوريا حلقة وصل جيو-استراتيجية حيوية على حوض البحر الأبيض المتوسط، مما يمنحها ميزة استثنائية للاستفادة من عبور أنابيب الطاقة الدولية. وتتمثل أبرز الفرص والمشاريع في هذا السياق فيما يلي:
أ- خط الغاز العربي: شريان الربط الإقليمي
يُصنف “خط الغاز العربي” كأحد أضخم مشاريع البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط. تكمن أهميته في جعل سوريا ركيزة لاستقرار المنطقة عبر ربطها بسلاسل توريد الغاز المصري نحو الأردن ولبنان، وصولاً إلى إمكانية التصدير لأوروبا عبر البحر المتوسط أو الربط مع تركيا. وتبرز الجدوى الاقتصادية لهذا الخط في أن النقل عبر الأنابيب يظل الخيار الأقل تكلفة والأكثر أماناً مقارنة بالغاز المسال.
- المواصفات والجدوى:انطلق المشروع عام 2000 بتعاون رباعي (مصر، الأردن، سوريا، لبنان) بطول 1200 كم وقدرة تمريرية تصل إلى 10 مليارات متر مكعب سنوياً.
- المكاسب السورية:استفادت سوريا تاريخياً من رسوم العبور والحصول على غاز مصري لتشغيل محطات توليد الكهرباء الاستراتيجية (الدير علي، تشرين، حمص). ورغم تعرض الخط لعمليات تخريبية متكررة خلال سنوات الصراع، إلا أن إعادة تأهيله تظل أولوية قصوى لتغطية العجز المحلي في الطاقة الكهربائية.
ب- واقع العقود الدولية في ظل عدم الاستقرار (2011 – 2025)
شهدت مرحلة الصراع انهياراً في البنية التحتية وانسحاباً للشركات العالمية، مما دفع النظام السابق لمحاولة سد الفجوة عبر “عقود سياسية” مع حلفائه في روسيا وإيران، إلا أن معظمها ظل متعثراً تقنياً أو حبيس الأدراج بسبب العقوبات وتدهور الوضع الأمني.
- الاستثمارات الروسية المتعثرة:أبرمت عقود مع شركات مثل “نفتا غاز” (2013) و”كابيتال ليميتد” (2021) للتنقيب في البلوكات البحرية قبالة طرطوس وبانياس، بالإضافة إلى عقد شركة “ميركوري” (2019) في شمال شرق سوريا وريف دمشق، وعقود “ستروي ترانس غاز” لتطوير البنية التحتية.
- الوضع الراهن:مع سقوط نظام بشار الأسد في عام 2024 والتحولات السياسية في مطلع عام 2025، تسعى الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع إلى إعادة تقييم هذه العقود من منظور “السيادة والمصلحة الوطنية”. الهدف الحالي هو تحويل سوريا من ممر للطاقة إلى مركز إقليمي متكامل، مع فتح الباب مجدداً أمام الشركات الدولية الكبرى للعمل في بيئة قانونية مستقرة بعد رفع العقوبات، مما يمهد الطريق لاستكشاف الثروات الكامنة في البلوكات البحرية والبرية غير المستغلة.
إمكانيات نقل الغاز عبر الأراضي السورية: آفاق استراتيجية وتحديات الاستثمار
تُمثل سوريا حلقة وصل استراتيجية على حوض البحر الأبيض المتوسط، مما يمنحها ميزة تنافسية كمركزي إقليمي لنقل الطاقة. وتبرز هذه الأهمية من خلال محورين أساسيين:
أولاً: خط الغاز العربي وأبعاده الاقتصادية
يُعد خط الغاز العربي، الذي انطلق عام 2000 بتعاون مصري أردني سوري لبناني، أحد أبرز مشاريع البنية التحتية للطاقة في المنطقة. يمتد الخط عبر معبر الدبوسية من الحدود الأردنية وصولاً إلى حمص ومنها إلى لبنان، وكان يهدف لتصدير الغاز المصري نحو أوروبا مستقبلاً. وقد حققت سوريا من خلاله مكاسب مزدوجة؛ تمثلت في تحصيل رسوم العبور، والحصول على إمدادات غازية حيوية لتشغيل محطات توليد الكهرباء الكبرى مثل (الدير علي، تشرين، وحمص).
ثانياً: واقع الاستكشاف الروسي وعقود الباطن
يثير غياب الإعلانات الروسية عن اكتشافات تجارية كبرى تساؤلات حول جدية أعمالهم وإمكاناتهم الفنية. وتُشير المعطيات إلى أن شركة “ميركوري” الروسية لجأت للتعاقد من الباطن مع مجموعة “فاغنر” غير الرسمية، التي ركزت على الإنتاج المحدود من حقول مثل “قارة” لبيعه للحكومة السورية، مما يوحي بأن موسكو لم تكن تهدف لتنفيذ استثمارات استراتيجية طويلة الأمد خلال سنوات الأزمة، بل اكتفت بإدارة الموارد المتاحة.
ثالثاً: الإمكانات الواعدة والتحرك نحو الترسيم البحري في 2025
تؤكد شهادات فنية وجود إمكانات غازية ضخمة في حقل “قارة” والمنطقة الساحلية السورية، وهي إمكانات تتعزز منطقياً بالنظر إلى نجاحات دول الجوار؛ حيث تصدر إسرائيل الغاز من حقول قريبة، بينما باشرت لبنان التنقيب عبر شركة “توتال”.
التطورات الحالية (2025):
في ظل التحولات السياسية بعد سقوط النظام السابق، بدأت الحكومة السورية الانتقالية في عام 2025 خطوات عملية لترسيخ سيادتها الطاقية عبر:
- ترسيم الحدود البحرية:تجري مفاوضات جادة مع اليونان وقبرص لتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة، مما يفتح الباب أمام الشركات الدولية للتنقيب في الساحل السوري ببيئة قانونية آمنة.
- مراجعة العقود:إعادة تقييم الاتفاقيات الموقعة سابقاً مع الشركات الروسية لضمان تحويلها إلى مشاريع إنتاجية حقيقية تخدم الاقتصاد الوطني بعيداً عن أساليب التعاقد من الباطن.
إن استكمال هذه الخطوات، بالتزامن مع استقرار الوضع الأمني، سيؤهل سوريا لتكون لاعباً رئيساً في سوق الغاز المتوسطي، ليس فقط كممر للأنابيب، بل كدولة منتجة ومصدرة قادرة على حل أزمات الطاقة المحلية والمساهمة في أمن الطاقة الإقليمي.
تُعد سوريا جغرافياً قلب مشاريع نقل الطاقة في الشرق الأوسط، إلا أن هذا الموقع الاستراتيجي تحول إلى عبء سياسي واقتصادي بسبب صراع “الأنابيب” والمصالح الدولية المتضاربة، كما يظهر في المحاور التالية:
- انحسار دور خط الغاز العربي:
انطلق المشروع عام 2000 بتعاون مصري أردني سوري لبناني، وكان يهدف لنقل الغاز المصري عبر سوريا إلى المشرق العربي وأوروبا. ورغم المكاسب السورية الأولية من رسوم العبور وتأمين وقود لمحطات التوليد (الدير علي وتشرين وحمص)، إلا أن أهميته تراجعت نتيجة:
- تراجع الإنتاج المصري والاعتماد على الغاز المستورد من شرق المتوسط.
- التحول نحو تقنيات تسييل الغاز والنقل البحري.
- التخريب المتكرر للبنية التحتية خلال الأزمة السورية بعد عام 2011م.
- الخط القطري والمواجهة الجيوسياسية:
درست قطر، التي تمتلك أضخم احتياطيات الغاز، مشروعاً لمد أنابيب عبر السعودية والأردن وسوريا نحو تركيا وأوروبا. كان هذا المشروع سيحول سوريا إلى مركز طاقة عالمي ويوفر لها إيرادات ضخمة وغازاً رخيصاً، لكنه اصطدم بـ:
- المصلحة الروسية:التي رأت في الغاز القطري تهديداً مباشراً لهيمنتها على السوق الأوروبية.
- الموقف الروسي الاستراتيجي:الذي هدف لعرقلة أي بديل للغاز الروسي، رغم عدم احترام موسكو الحقيقي لنظام الأسد الذي تدخلت لحمايته عام 2015م لمصالحها الخاصة.
- “الخط الإسلامي” الإيراني والانحياز الطائفي :
في عام 2011م، وقعت حكومة بشار الأسد مذكرة تفاهم مع إيران والعراق لإنشاء خط لنقل الغاز الإيراني (من حقل بارس الجنوبي) عبر العراق وسوريا إلى المتوسط. فضل الأسد هذا الخيار “الطائفي والسياسي” بدعم إيراني، رغم تعقيدات العقوبات الدولية، ورفض المشروع القطري؛ مما حول الخط القطري إلى عامل محفز للمواقف الدولية المطالبة بإسقاطه.
تحولات أمن الطاقة العالمي ومستقبل الغاز القطري في سوريا
رسخت دولة قطر مكانتها كلاعب لا غنى عنه في أمن الطاقة العالمي؛ فبعد تصدرها قائمة مصدري الغاز المسال (LNG) عالمياً، تعزز دورها كشريك رئيسي لأوروبا في أعقاب أزمة أوكرانيا عام 2022 وتراجع الإمدادات الروسية. ورغم تطور تقنيات تسييل الغاز، تظل الأنابيب الخيار الأجدى اقتصادياً نظراً لانخفاض تكلفتها مقارنة بالغاز المسال، مما يجعل مشروع مرور “الخط القطري” عبر الأراضي السورية مكسباً استراتيجياً بعيد المدى، خاصة في ظل التحولات السياسية التي أعقبت سقوط النظام السابق وانضمام سوريا للتحالف الدولي الساعي لتحقيق الاستقرار الإقليمي.
مشروع إعادة إعمار قطاع الكهرباء (مايو 2025):
في خطوة عملية لترجمة هذه التحولات، تم توقيع مذكرة تفاهم في أواخر مايو 2025 لإطلاق مشروع طموح يهدف لإعادة تشغيل قطاع الكهرباء السوري عبر “كونسورسيوم” ثلاثي يضم (قطر، تركيا، والولايات المتحدة). وتتمثل ملامح هذا المشروع فيما يلي:
- البنية التحتية:بناء محطات توليد غازية متكاملة، بالإضافة إلى إنشاء محطة للطاقة الشمسية هي الأكبر من نوعها لتغطية نصف احتياجات البلاد من الكهرباء.
- الجدول الزمني:يتوقع الانتهاء من التنفيذ خلال فترة تتراوح بين سنتين إلى ثلاث سنوات.
- الأثر الاقتصادي:سيسهم المشروع في دفع عجلة التنمية، وخلق آلاف فرص العمل، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود.
وعلى الرغم من أن المذكرة لم تشر صراحة إلى الاعتماد على الموارد المحلية، إلا أن هذا التحالف يفتح الباب أمام تكامل طاقي إقليمي ينهي عقوداً من الأزمات المعيشية في سوريا.
خامساً: الدراسة الميدانية (منهجية البحث)
اعتمدت الدراسة في شقها الميداني على استبيان صُمم خصيصاً ليشمل (12) سؤالاً محورياً، صيغت بدقة لتغطية واختبار فرضيات البحث الأساسية. وقد جرى استطلاع آراء (40) خبيراً من المتخصصين والممارسين في صناعة النفط والغاز، لضمان الحصول على بيانات ذات موثوقية عالية. وتستعرض الجداول التالية البيانات الوصفية لهؤلاء الخبراء، بالإضافة إلى تحليل تفصيلي لإجاباتهم وفقاً للمنهجية المتبعة:
- جدول المعلومات العامة:يوضح الخلفيات العلمية والعملية وسنوات الخبرة للعينة المستهدفة.
- جدول تحليل الإجابات:يعرض نتائج الاستجابات لكل سؤال من أسئلة الاستبيان ومقاييسها الإحصائية.
جدول المعلومات العامة حول عينة الخبراء الذين تم استجوابهم
| سنوات الخبرة في مجال النفط والغاز | مهندسون وفنيون | اقتصاديون وماليون | المجموع |
| بين 10 إلى 20 عاماً | 8 | 6 | 14 |
| بين 20 إلى 30 عاماً | 9 | 4 | 13 |
| أكثر من 30 عاماً | 5 | 8 | 13 |
| المجموع | 22 | 18 | 40 |
| الأسئلة | موافق بشدة | موافق | لا أعلم | غير موافق | أرفض بشدة |
| إن عدم وجود مسح جيولوجي شامل للأراضي السورية يجعل عمليات التنقيب أقل فعالية | 12 | 26 | 1 | 1 | |
| إن الضغوط السياسية أدت إلى عرقلة تمرير خطوط النفط والغاز عبر الأراضي السورية | 19 | 18 | 3 | ||
| إن تعقيد الفرارات الخاصة بنقل خطوط الطاقة عبر الأراضي السورية ضيع فرصاً اقتصادية على سورية | 26 | 13 | 1 | ||
| إن التعاون مع السوفييت ساهم في تأهيل كوادر وطنية في النفط والغاز في سورية | 2 | 17 | 4 | 16 | 1 |
| إن التعاون مع السوفييت لم يقدم نتائج اقتصادية فعالة في مجال النفط والغاز في سورية | 19 | 16 | 2 | 3 | |
| إن التعاون مع الشركات الدولية أدى إلى زيادة الإنتاج والعوائد الاقتصادية من النفط والغاز في سورية | 8 | 27 | 1 | 4 | |
| هناك أسباباً فنية أدت إلى تراجع القدرة الإنتاجية للطاقة الأحفورية في سورية | 6 | 21 | 5 | 8 | |
| أدت الحرب الأهلية إلى تدمير البنية التحتية لقطاع الطاقة الأحفورية في سورية | 36 | 4 | |||
| ما زال أمام سورية فرصاً واعدة لتمرير الغاز عبر أراضيها | 12 | 18 | 6 | 4 | |
| هناك فرصاً واعدة لزيادة إنتاج الغاز في سورية في المستقيل | 9 | 24 | 5 | 2 | |
| لا بد من إعادة النظر في كافة العقود التي أبرمت مع روسيا وإيران أثناء فترة الحرب | 18 | 22 | |||
| إن مرور خط الغاز القطري هو الفرصة الأكثر ملاءمة في الوقت الحاضر | 4 | 17 | 12 | 5 | 2 |
بناءً على استخدام مقياس “ليكرت” الخماسي (Likert Scale)، خلص التحليل الإحصائي لآراء الخبراء إلى النتائج التالية:
- تمثيل العينة ودقتها:
شملت الدراسة 40 خبيراً، وأظهرت النتائج توازناً مثالياً في توزيع سنوات الخبرة بين الفئات الثلاث (10-20 سنة، 20-30 سنة، وأكثر من 30 سنة) بنسب متقاربة جداً (حوالي 32.5% إلى 35% لكل فئة). كما حققت العينة تمثيلاً متوازناً بين الجانب التقني والاقتصادي، حيث بلغت نسبة المهندسين والفنيين 55%مقابل 45% من المتخصصين في الشؤون المالية والاقتصادية، مما يمنح النتائج شمولية فنية واقتصادية. - التحليل الوصفي(Descriptive Analysis):
كشف التوزيع التكراري عن توافقات متباينة بين الخبراء :
- الإجماع:حظي سؤال أثر الحرب في تدمير البنية التحتية باتفاق تام (100% موافق وموافق بشدة). كما حصد السؤال المتعلق بتضييع الفرص الاقتصادية نتيجة تعقيد القرارات إجماعاً قوياً بنسبة 5%.
- الجدل:انقسمت الآراء بشكل حاد حول دور التعاون مع الاتحاد السوفيتي في تأهيل الكوادر، حيث تعادلت كفة المؤيدين مع المعارضين بنسبة 5% لكل طرف.
- التحليل المقارن ومقاييس التشتت:
- المحور السياسي والمستقبلي:نال المحور السياسي (الضغوط والقرارات) ومحور المستقبل (فرص الغاز الواعدة) أعلى نسب اتفاق (تجاوزت 80% للأول و70% للثاني)، مع انحراف معياري منخفض (0.5 – 0.9)، مما يؤكد وحدة الرؤية لدى الخبراء تجاه هذه القضايا.
- المحور التاريخي:سجل الانحراف المعياري ارتفاعاً ملحوظاً (1.3 – 1.6) في الأسئلة الجدلية (كالدور السوفيتي)، مما يعكس تبايناً في التقييم المهني لتلك الحقبة.
- ثبات وأداء الأداة(Reliability):
أظهر معامل “كرونباخ ألفا“قيمة مرتفعة جداً بلغت 0.967، وهي نسبة تتجاوز المعايير القياسية (0.7) ، مما يبرهن على أن الاستبيان يتمتع باتساق داخلي ممتاز وموثوقية عالية جداً في قياس أهداف الدراسة.
الاستنتاج العام:
تؤكد الدراسة وجود رؤية موحدة بين الخبراء حول التأثير الكارثي للظروف السياسية والحرب على قطاع الطاقة، مع تحميل القرارات السياسية المعقدة مسؤولية إهدار الفرص التنموية. وفي الوقت الذي يسود فيه التفاؤل بمستقبل الغاز السوري، تظل التجربة السوفيتية السابقة نقطة خلاف مهنية بين المتخصصين.
التفسير النوعي لنتائج الدراسة الميدانية:
كشفت نتائج الاستبيان عن دلالات جوهرية تعكس رؤية مجتمع الخبراء لقطاع الطاقة السوري، ويمكن تلخيصها فيما يلي:
- اتفاق كلي على التبعات الكارثية:أجمع المشاركون (بنسبة 90% كإجماع مطلق) على أن النزاعات المسلحة كانت العامل الأساسي في تهالك وتدمير البنية التحتية للطاقة.
- نقد الإدارة السياسية:سادت قناعة راسخة (97.5%) بأن التخبط والتعقيد في اتخاذ القرارات السياسية شكّلا عائقاً بنيوياً أدى إلى هدر فرص اقتصادية وتنموية تاريخية.
- الجدلية السوفيتية:عكس الانقسام الحاد في الآراء حول جدوى التعاون مع الاتحاد السوفيتي وجود قراءة متباينة لتلك الحقبة؛ حيث يراها فريق كخطوة تأسيسية، بينما يعتبرها فريق آخر سبباً في تأخر التطور التكنولوجي مقارنة بالغرب.
- التفاؤل بمستقبل الغاز:أبدى نحو 75% من الخبراء تفاؤلاً كبيراً بمستقبل سوريا كدولة غازية، مما يعزز من فرضية وجود ثروات كامنة تستحق الاستثمار.
- التحفظ تجاه المشاريع العابرة للحدود:أظهرت الآراء توازناً بين التأييد والتحفظ حيال “خط الغاز القطري”، مما يشير إلى إدراك الخبراء لحجم التعقيدات الجيوسياسية التي تحيط بمشاريع الأنابيب الدولية.
الخاتمة:
خلصت هذه الدراسة التحليلية إلى أن سياسات الطاقة في سوريا ظلت رهينة للاعتبارات الأمنية الضيقة والمزايدات السياسية، مما أدى إلى إرباك القطاع وفقدان ميزات تنافسية كبرى. وتؤكد الدراسة أن تبني مبدأ “المصلحة الاقتصادية الوطنية” كبوصلة لصناعة القرار كان كفيلاً بتغيير الهيكل البنيوي للاقتصاد السوري وتحصينه ضد الأزمات.
إن الدروس المستفادة من الماضي تفرض على أي سلطة وطنية قادمة ضرورة الفصل بين الأيديولوجيا السياسية والمصلحة الاقتصادية، والحرص على بناء استراتيجيات طاقية مرنة تعتمد على الكفاءة الفنية والجدوى الاقتصادية، بعيداً عن سياسات المحاور، لضمان استدامة الموارد وتحويل سوريا إلى مركز إقليمي فاعل في خارطة الطاقة العالمية.
المراجع العربية
- إبراهيم، قصي عبد الكريم. (سنة غير محددة). موقع النفط في التجارة الدولية (مع الإشارة إلى حالة النفط السوري). رسالة ماجستير، جامعة دمشق.
- معروف، ثائر. (سنة غير محددة). دراسة تحليلية للقطاع النفطي السوري وأثره على الاقتصاد الوطني – الشركة السورية للنفط والغاز نموذجاً. رسالة ماجستير، جامعة دمشق.
- وقاص، بشير موسى. (2002). إجراءات مراجعة نفقات التطوير في شركات إنتاج النفط والغاز – تطبيق على شركة الفرات للنفط. رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد، جامعة دمشق.
- عثمان، إبراهيم خليل. (سنة غير محددة). أثر العقوبات الاقتصادية في قطاع النفط السوري (شركات عقود الخدمة نموذجاً). رسالة ماجستير، جامعة دمشق.
- المدور، زينب أحمد. (2014). آثار التغيّر في سعر النفط العالمي في الاقتصاد السوري(1970–2014). رسالة ماجستير، جامعة دمشق.
- الداهيك، أحمد. (سنة غير محددة). عائلات النفط الخام في حوض الفرات في سورية. رسالة دكتوراه، جامعة ألمانية.
المراجع الأجنبية
- Shell Petroleum Company. (1990s). Annual Reports on Syrian Oil Production Projects. The Hague: Shell.
- Total S.A. (2000s). Exploration and Production in Syria: Deir Ezzor Oil Company Reports. Paris: Total.
- Gulfsands Petroleum. (2003). Block 26 Production Sharing Contract, Syria. London: Gulfsands.
- (2005). Production Sharing Agreements in Syria: Oudeh & Kawkab Oil Fields. Beijing: Sinopec.
- Petropars Ltd. (2013). Exploration and Development of Shaer Gas Field in Syria. Tehran: Petropars.
- (2013). Exploration Contract in Offshore Syria (Tartous Basin). Moscow: Soyuzneftegaz.
- Capital Limited. (2021). Oil and Gas Exploration Contract – Block 2 Offshore Syria. MoscoBottom of Form
- Samantha Gross and David Dollar : How the Ukraine war is affected Oil and Gas markets Booking Institution 2022
- Jakop Feveile Andolfsen and Friderike Kuik, Eliza Maydalina and Tobias Schuler, The impact of the war in Ukraine on Euro Area Energy Europian central bank 2022


