On Research

وحدة الدراسات السياسية

انعكاسات “باجرام” في عصر العولمة والاعتماد المتبادل الصدع الجيوسياسي، والنظام المتوازن الإقليمي، وتغير الحسابات الدبلوماسية بقلم: مسعود کاظمیان

Email :1222

 

 

تحليل وترجمة من الفارسية للعربية

د. ريم أبو الخير

إعلامية ومترجمة متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني

جمهورية مصر العربية

 

مقدمة: باجرام عند تقاطع التوازن الكلاسيكي والنموذج الشبكي

قاعدة باجرام الجوية، بمدرجها الخرساني البالغ طوله 11,800 قدم وموقعها الفريد شمال كابل، تحولت اليوم إلى أكثر من مجرد أصل عسكري؛ لقد أصبحت مؤشرًا لقياس السلطة الأمريكية في النظام الأوراسي الناشئ. إصرار دونالد ترامب على استعادة هذه القاعدة يثير نقاشًا يتجاوز القرار التكتيكي، بل يكشف عن مواجهة بين مدرستين فكريتين كبيرتين في العلاقات الدولية في قلب آسيا الوسطى.

  • وفقًا لتعاليم هنري كيسنجر:باجرام “عنصر رئيسي في توازن القوى الكلاسيكي”. يمكن للقاعدة، بموقعها القريب من صدوع الصين (خاصة إقليم شينجيانغ ومنشآت هامي النووية) وإيران، أن تعيد الميزة الجغرافية لواشنطن؛ وهو توازن فُقد بعد الانسحاب المُكلف في عام 2021.
  • لكن من منظور نموذج الاعتماد المتبادل التكنولوجي:باجرام “أصل ثابت في بيئة عملياتية متغيرة”. في عصر تنتشر فيه التهديدات من خلال الطائرات المسيرة الرخيصة، والشبكات الاجتماعية، والتدفقات المالية المعولمة، فإن التركيز على “الحصون المنيعة” بدلاً من “البنى التحتية الشبكية” يشير إلى فشل استراتيجي لنموذج التدخل التقليدي.

هذه المواجهة النموذجية مهدت الطريق لظهور نظام متوازن إقليمي جديد، حيث يجعل الرد الموحد من الجيران عودة أمريكا الأحادية تحديًا جيوسياسيًا شبه مستحيل التغلب عليه.

2- النظام المتوازن الإقليمي: الإجماع المضاد في صيغة موسكو

تكمن أهم إشارة لتغير الموازنة في البيانات الإقليمية. لقد رفضت صيغة موسكو التشاورية بشأن أفغانستان، التي جمعت روسيا، والصين، وإيران، وباكستان، بشكل قاطع نشر “البنية التحتية العسكرية الأجنبية”. يمثل هذا الإجراء تنفيذًا لـ “توازن جماعي كلاسيكي” على طريقة كيسنجر، ويهدف إلى احتواء النفوذ الأمريكي في منطقة تعتبرها هذه القوى ضمن مجالات نفوذها أو مصالحها الحيوية.

أ. حسابات الصين: حماية الممرات الاقتصادية

بالنسبة لبكين، تعتبر عودة أمريكا إلى باجرام تهديدًا مباشرًا، وليس مجرد قلق دبلوماسي. يهدد باجرام مباشرة المصالح الاقتصادية الجوهرية للصين:

  • ممر(CPEC) وانعدام الأمن: قد يعرض الوجود العسكري الأمريكي على حدود الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC) البالغة قيمته 63 مليار دولار، ومشاريع التعدين الصينية في أفغانستان، لتهديدات بالوكالة أو زعزعة الاستقرار. ردًا على ذلك، عمقت الصين علاقاتها مع طالبان وبنت نفوذها على أساس الأدوات الجيواقتصادية (Geoeconomic Tools)؛ وهو ما يسميه الخبراء القوة في الشبكات التجارية.
  • تهديد شينجيانغ:يوفر قرب باجرام من شينجيانغ لواشنطن ميزة للمراقبة لرصد التحركات النووية، وكذلك ورقة ضغط محتملة على جماعات الأويغور المسلمة (المعارضة للحكومة الصينية) التي يجندها تنظيم داعش خراسان. تعتبر الصين هذا الأمر تعديًا على أمنها القومي وستعارضه بشدة.

ب. التحول الواقعي للهند

ربما تكون الهند هي المتغير الأكثر حسمًا في هذا النظام الجديد. أظهرت نيودلهي، على الرغم من شراكتها التقليدية مع واشنطن، بتوقيعها بيان موسكو أن أولويتها الاستراتيجية هي الحفاظ على الاستقلالية الإقليمية والتوازن مع الجيران. إن تحرك الهند لترقية بعثتها الفنية إلى سفارة كاملة في كابل والتقرب من طالبان هو خطوة واقعية (Realpolitik). هذا يشير إلى أن الهند تفضل تعزيز نفوذها مباشرة من خلال الدبلوماسية في كابل بدلاً من التحول إلى بيدق في لعبة احتواء الصين من قبل أمريكا. هذا التحول هو إشارة قوية لواشنطن مفادها أن عصر “النفوذ الأحادي” لأمريكا في المنطقة قد ولى.

3-  اللعب بورقة طالبان: استراتيجيات العودة بدون احتلال

تتطلب العودة العسكرية المباشرة عشرات الآلاف من الجنود ومليارات الدولارات، وهي مستحيلة بسبب مقاومة طالبان وتهديدات الحرب غير المتماثلة (خاصة الطائرات المسيرة الرخيصة والميليشيات في المنطقة). ونتيجة لذلك، إذا أرادت إدارة ترامب تحقيق هدفها، يجب عليها استخدام الدبلوماسية التبادلية (Transactional Diplomacy) والبراعة الشبكية (Networked Nuance):

أ. استغلال الانقسامات الداخلية لطالبان

إن أهم أوراق ضغط أمريكا ليست أسلحتها، بل الشقوق الداخلية لطالبان. الضعف الاقتصادي، والعزلة الدولية، والتهديد الوجودي لتنظيم داعش خراسان، يجبر الأجنحة الأكثر براغماتية في طالبان على التفاوض.

جدول استراتيجيات العودة إلى باجرام :

الاستراتيجية الدبلوماسية (التبادلية) ملاحظات محور التوازن ملاحظات محور الشبكة
اتفاق مباشر (حزمة البقاء) تبادل السيطرة على باجرام  مقابل الشرعية الدولية (مقعد في الأمم المتحدة) والحفاظ على توازن القوى الداخلي لطالبان (مواجهة المتشددين). ربط أفغانستان بالشبكات المالية العالمية من خلال تسهيل العقوبات؛ استخدام الاستثمار في الليثيوم كورقة ضغط للاندماج الجيواقتصادي.
ترتيب الطرف الثالث (الإمارات/أوزبكستان) استخدام شريك بالوكالة (مثل قطر أو الإمارات) للحفاظ على “التوازن في المنطقة” دون انتهاك السيادة الرسمية لطالبان. استغلال البنى التحتية الشبكية للإمارات (إدارة المطارات، الاتصالات) والوصول إلى المعلومات دون الحاجة إلى وجود مباشر.
الوجود الخفي أو شركة عسكرية خاصة (PMC) الإنكار الاستراتيجي عند الحاجة لعمليات عسكرية محدودة؛ خطوة تحافظ على التوازن الكلاسيكي دون بدء حرب جديدة. الاعتماد على الشبكات غير الحكومية وتقنيات المراقبة المتنقلة (الطائرات المسيرة بعيدة المدى وشبكات المخابرات التابعة لوكالة المخابرات المركزية) التي لا تتطلب قاعدة مادية كبيرة.

ب. تحديات الشركاء الوسيطين

إن استخدام الوسطاء مثل أوزبكستان أو الإمارات ينطوي على مخاطر بحد ذاتها. أوزبكستان مستعدة للتعاون بسبب التهديدات الجهادية وحاجتها إلى الدعم الأمريكي، ولكن يجب أن يتم ذلك بطريقة لا تخل بالتوازن مقابل روسيا. كما تتمتع الإمارات، من خلال إدارتها لمطارات أفغانستان، بنفوذ لوجستي واستخباراتي كبير؛ ولكن يجب أن يتم أي استغلال لهذا النفوذ مع مراعاة الحساسيات الإقليمية لإيران والصين.

4- الخلاصة: من الرمز إلى الواقع الاستراتيجي

تمثل باجرام  اليوم مواجهة بين الحنين إلى القوة الأحادية (نموذج كيسنجر 1970) والواقع المعقد للعولمة في عام 2025.

  • من منظور تعاليم هنري كيسنجر، تمثل العودة إلى باجرام  فرصة لتصحيح الموازنةضد التوسع النووي والاقتصادي للصين في منطقة حيوية. لكن هذا “التصحيح” ينجح فقط إذا كان مصحوبًا بفهم عميق لمصالح وخطوط حمر المنافسين الإقليميين، وإلا فإنه سيؤدي إلى تشكيل جبهة متعددة الأطراف موحدة ضد أمريكا.
  • من منظور خبراء مثل توماس فريدمان، تكمن القوة في العصر الحالي في البراعة الاستراتيجية والمرونة الشبكية. في مواجهة تهديد داعش خراسان، وهو فاعل شبكي وغير حكومي، يجب أن يكون الرد في نماذج ذكية لمكافحة الإرهاب، واستخدام بيانات الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة بعيدة المدى، وليس في قاعدة ثابتة تتحول بسرعة إلى عبء أمني.

الخلاصة بالنسبة لواشنطن واضحة: استعادة باجرام  لمجرد تحقيق “انتصار رمزي” ستؤدي إلى هزيمة استراتيجية. النفوذ المستدام في أوراسيا لا يكمن في طوب وخرسانة قاعدة قديمة، بل في عمق الدبلوماسية التبادلية، والبراعة الشبكية، والقدرة على الموازنة بين القوى الإقليمية والعالمية. يجب أن تتعامل واشنطن مع باجرام  ليس كغنيمة حرب، بل كـ ورقة مساومة تضمن من خلالها التعاون الإقليمي لمكافحة الإرهاب بأقل التكاليف وأعلى شرعية دبلوماسية.

 

المصدر :

رابط المقال الأصلى بالفارسية 

https://www.jamaran.news/%D8%A8%D8%AE%D8%B4-%D8%A8%DB%8C%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%84-15/1686690-%D8%A8%D8%A7%D8%B2%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A8%DA%AF%D8%B1%D8%A7%D9%85-%D8%AF%D8%B1-%D8%B9%D8%B5%D8%B1-%D8%AC%D9%87%D8%A7%D9%86%DB%8C-%D8%B4%D8%AF%D9%86-%D9%88%D8%A7%D8%A8%D8%B3%D8%AA%DA%AF%DB%8C-%D9%85%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%84-%DA%AF%D8%B3%D9%84-%DA%98%D8%A6%D9%88%D9%BE%D9%84%DB%8C%D8%AA%DB%8C%DA%A9%DB%8C-%D9%86%D8%B8%D9%85-%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%85%D9%86%D8%B7%D9%82%D9%87-%D8%A7%DB%8C-%D8%AA%D8%BA%DB%8C%DB%8C%D8%B1-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%AF%DB%8C%D9%BE%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AA%DB%8C%DA%A9

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts