On Research

مقالات تحليلية

هل من الممكن أن يشكل الإطار الإقليمي بديلًا للتدخل فوق الإقليمي في علاقات إيران بجيرانها؟

Email :1177

إعداد

د. محمد حسن الزيبق 

كاتب أكاديمي متخصص في الشأن الإيراني
كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر
جمهورية مصر العربية

 

مقدمة: من أمن مستورد إلى أمن مُنتَج إقليميًا

شهد النظام الإقليمي في غرب آسيا خلال العقود الأربعة الماضية حالة مزمنة من الاعتماد على الفواعل فوق الإقليمية، سواء في إدارة الأزمات أو في إنتاج منظومات الأمن والاستقرار. وقد تكرس هذا النمط بعد الحرب الباردة، وتحديدًا عقب الغزو الأمريكي لأفغانستان (2001) والعراق (2003)، حيث جرى تقديم التدخل العسكري الغربي بوصفه «ضامنًا للأمن» و«حاملًا للاستقرار». غير أن التجارب المتراكمة أثبتت أن هذا النموذج لم يؤدِّ إلى استقرار مستدام، بل أسهم في تفكيك الدول، وإعادة إنتاج الصراعات، وتعميق هشاشة البنى السياسية والاجتماعية.

في هذا السياق، يأتي انعقاد قمة ممثلي دول جوار أفغانستان في طهران، في الرابع عشر من شهر ديسمبر 2025م، كمؤشر دال على تحول تدريجي في التفكير الإقليمي، وتعبير عن محاولة واعية لإعادة الاعتبار إلى الإطار الإقليمي بوصفه بديلًا – أو على الأقل منافسًا – للتدخلات فوق الإقليمية. لا يقتصر هذا التحول على الملف الأفغاني وحده، بل يفتح بابًا أوسع للتساؤل حول مستقبل علاقات إيران بجوارها الإقليمي، ولا سيما في الخليج، وإمكانية تعميم هذا النموذج على دول مجلس التعاون الخليجي.

تنطلق هذه الدراسة من سؤالين مركزيين:

  1. هل يمتلك الإطار الإقليمي المقومات الواقعية ليكون بديلًا للتدخل فوق الإقليمي في علاقات إيران بجيرانها؟

  2. وهل يمكن إسقاط هذا النموذج – أو تكييفه – على علاقات إيران بدول مجلس التعاون الخليجي؟

للإجابة، تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية–بنائية، تدمج بين القراءة الجيوسياسية والاقتصاد السياسي الإقليمي، انطلاقاً مما ورد في الصحافة الإيرانية من مقالات ودراسات في هذا الصدد بوصفها نصوصًا كاشفة عن تحولات في الخطاب الدبلوماسي الإيراني.

أولًا: الإطار الإقليمي كتحول في العقيدة الدبلوماسية الإيرانية

1. من «توازن الردع» إلى «هندسة الأمن الإقليمي» لطالما ارتكزت السياسة الخارجية الإيرانية، خصوصًا بعد عام 1979، على معادلة مزدوجة: الردع الأمني في مواجهة التهديدات، والانفتاح الانتقائي في التعامل مع الجوار. إلا أن السنوات الأخيرة تشهد تبلور خطاب مختلف، لا يلغي الردع، لكنه يسعى إلى تحييده ضمن إطار أوسع من التعاون الإقليمي.

كلمات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقچي في اجتماع طهران بشأن أفغانستان تعبر بوضوح عن هذا التحول؛ إذ شدد على أن الأمن لا يمكن استيراده من الخارج، وأن التجربة الأطلسية في أفغانستان أثبتت فشل الحلول المفروضة من قوى غير مندمجة في النسيج الاجتماعي–الثقافي للمنطقة. هذا الطرح لا يُعد مجرد موقف ظرفي، بل يعكس إعادة صياغة لمفهوم الأمن في العقل الاستراتيجي الإيراني؛ الأمن بوصفه نتاجًا للتكامل الإقليمي لا نتيجة للهيمنة العسكرية.

2. الإطار الإقليمي كآلية لاستعادة «الملكية السياسية» للأزمات أحد المفاهيم الضمنية في الصحافة الفارسية هو أن التدخل فوق الإقليمي لا يسلب الدول سيادتها الفردية فحسب، بل يسلب المنطقة سيادتها الجماعية على أزماتها. فحين تُدار الملفات الأمنية من واشنطن أو بروكسل، تتحول دول الجوار إلى أطراف هامشية في قضايا تمس أمنها الوجودي.

وتؤكد الصحافة الإيرانية بشكل متكرر على فكرة «استعادة المبادرة» من الفواعل فوق الإقليمية. هذه الفكرة تمس جوهر الصراع في غرب آسيا: من يمتلك حق تعريف المشكلة؟ ومن يمتلك أدوات حلها؟ في الحالة الأفغانية، أدى تدخل الناتو إلى إقصاء دول الجوار من عملية صناعة القرار، وتحويلها إلى متلقٍ للارتدادات الأمنية (لاجئون، مخدرات، إرهاب). أما الإطار الإقليمي الذي تسعى طهران إلى بلورته، فيقوم على إعادة هذه الدول إلى مركز الفعل، بوصفهم شركاء في «المصير الأمني».

ثانيًا: أفغانستان كنموذج اختباري للإطار الإقليمي

تشكل أفغانستان ساحة اختبار مثالية لفكرة الإطار الإقليمي لثلاثة أسباب رئيسية:

  • فشل التدخل فوق الإقليمي بشكل شبه كامل.

  • تشابك المصالح الأمنية والاقتصادية لدول الجوار (إيران، باكستان، آسيا الوسطى، روسيا، الصين).

  • استحالة الاستقرار دون تعاون إقليمي بسبب الطبيعة الجغرافية والسياسية للدولة الأفغانية.

غياب طالبان: عقبة أم مؤشر؟ شكل غياب حكومة طالبان عن اجتماع طهران عنصرًا إشكاليًا، لكنه في الوقت نفسه كان كاشفًا؛ فهو يعكس محدودية استعداد طالبان للانخراط في أطر متعددة الأطراف، ويكشف أن الإطار الإقليمي لا يُختزل في الفاعل الداخلي، بل يقوم على توافق الجوار أولًا، ثم الضغط الجماعي لاحقًا على الداخل.

ثالثًا: العراق – الحلقة المفصلية في اختبار الإطار الإقليمي

إذا كانت أفغانستان مثالًا على فشل التدخل الأطلسي، فإن العراق يمثل الجرح المفتوح في قلب الإقليم. الغزو الأمريكي عام 2003 لم يؤدِّ فقط إلى إسقاط نظام سياسي، بل فكك الدولة وأعاد تشكيل المجتمع على أسس طائفية وإثنية.

العراق كجسر بين إيران والخليج تكمن أهمية العراق في كونه ساحة تماس مباشر بين إيران والعالم العربي، ومختبرًا لإدارة النفوذ دون حرب شاملة، ومؤشرًا على إمكانية الانتقال من الصراع الصفري إلى التعايش التنافسي. فنجاح الإطار الإقليمي في العراق هو شرط أساسي لإقناع دول الخليج بإمكانية تقليص الاعتماد على الضامن الخارجي.

رابعًا: إيران ودول مجلس التعاون الخليجي – من الصراع إلى الشراكة

1. حدود النموذج الأمني الأمريكي في الخليج أثبتت التجربة أن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج لم يمنع الحروب الإقليمية أو الهجمات على منشآت الطاقة، بل ساهم في تعميق الاستقطاب وتحويل المنطقة إلى ساحة تماس بين واشنطن وطهران.

2. التقارب الإيراني–السعودي كنقطة انعطاف يمثل الاتفاق الإيراني–السعودي برعاية صينية مؤشرًا عمليًا على قابلية الانتقال إلى تسوية إقليمية مباشرة. هذا الاتفاق يعكس إدراكًا متبادلًا بأن كلفة الصراع تفوق كلفة التفاهم، وأن الإطار الإقليمي هو الخيار الأكثر استدامة.

خامسًا: الاقتصاد بوصفه رافعة الإطار الإقليمي

تسعى إيران إلى ربط الأمن بالاقتصاد من خلال التركيز على أمن الملاحة، واستقرار أسواق الطاقة، ومشاريع الربط الإقليمي. هذه المقاربة تحول الأمن من مسألة عسكرية صرفة إلى مصلحة اقتصادية مشتركة، ما يضعف مبررات التدخل الخارجي، ويحول الوجود الأجنبي تدريجيًا من «ضامن» إلى «شريك ثانوي».

سادساً: معوقات الإطار الإقليمي

رغم الإمكانات، يواجه هذا النموذج تحديات جدية، منها:

  • انعدام الثقة التاريخي وتفاوت القدرات.

  • الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

  • غياب مؤسسات إقليمية جامعة.

غير أن القراءة التحليلية للخطاب الإيراني تشير إلى أن بديل الإطار الإقليمي ليس الاستقرار، بل الفوضى المستدامة.

 

خاتمة: هل الإطار الإقليمي ممكن وواقعي؟

الإطار الإقليمي ليس حلًا سحريًا، لكنه الخيار الأقل كلفة. تجربة أفغانستان، كما عكستها قمة طهران، تظهر أن دول المنطقة بدأت تدرك أن الأمن لا يُمنح، بل يُصنع. بالنسبة لإيران، يمثل هذا النموذج أداة لإعادة تعريف دورها الإقليمي بعيدًا عن منطق الصراع الصفري. وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، قد يشكل فرصة للتحرر التدريجي من الارتهان الأمني، وبناء منظومة توازن قائمة على الحوار والمصالح المتبادلة.

في النهاية، السؤال لم يعد: هل يمكن الاستغناء عن التدخل فوق الإقليمي؟ بل: إلى متى تستطيع المنطقة تحمل كلفته؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts