
إعداد
د. خلف المفتاح
باحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية واليهودية
سوريا
في تأملٍ تاريخي لولادة مصطلح ومفهوم “المسألة اليهودية”، يطرح السؤال الاستكشافي: كيف كانت إرهاصاته الأولى؟ وما هي دلالات ذلك التوقيت التاريخي، أي القرن التاسع عشر؟ وفي التأصيل ونقطة البداية في ولادة المصطلح، تأتينا الإجابة التي تشير إلى أوروبا، ولاسيما ألمانيا وفرنسا وروسيا، وعلى وجه التحديد النصف الأول من ذلك القرن؛ حيث ألف عالم اللاهوت الألماني “برونو باور” كتاباً تحدث فيه عما أطلق عليه وللمرة الأولى في الأدبيات الفكرية والتاريخية “المسألة اليهودية”، حيث طالب اليهود بعدم وضع الدين في معادلة الدولة كي يعيشوا مواطنين ألمان في دولة قومية كغيرهم، وبين فيه أن مشكلة اليهود في أوروبا تكمن في دين الدولة وليس مع الدولة ذاتها؛ فاليهود يرون في أتباع الديانة المسيحية وغيرها من ديانات أقل شأناً ومرتبة منهم لجهة اعتبارهم “شعب الله المختار”، وفي المقابل يرى المسيحيون، ولاسيما الكاثوليك والأرثوذكس، في اليهود “قتلة يسوع المسيح”.
وهنا، ووفق ذلك الاشتباك اللاهوتي التاريخي، على اليهود لكي يتساووا مع الألمان أن يخرجوا عن دينهم، وهذه الدعوة تدخل في دائرة المحال في اليهودية. وبالإضافة إلى “باور”، تناول الفرنسي “جان بول سارتر” في كتاباته “تأملات في المسألة اليهودية” هذه القضية، ويرى الحل في اندماج اليهود في مجتمعاتهم بوصفهم مواطنين في دولة وطنية علمانية تفصل ما بين الدين والدولة، ويصبح الدين في الفضاء الخاص بوصفه حرية شخصية. وتناول القضية أيضاً كبير أدباء روسيا “ديستويفسكي”. وفي نفس الفترة، سنة 1843، رد “كارل ماركس” في كتابه “المسألة اليهودية” على “برونو باور” بالقول: إن طلبك لليهود بالتخلي عن دينهم لا معنى له، فالمشكلة ليست في دين الدولة، فالدين حالة تطور بشري يتم تجاوزه في المستقبل بحكم الصراع الطبقي؛ فالمشكلة تكمن في تحرير الدولة من الطبقة الحاكمة (البرجوازية) وجعلها في يد الطبقة العاملة، فالمشكلة اليهودية تُحل في سياق الصراع الطبقي وليس بالتخلي عن الدين!
وبالعودة للعنوان، نعود لطرح السؤال: لماذا غابت المسألة اليهودية عن ساحة النقاش الفكري في الفضاء العربي والإسلامي؟ ولماذا لم يتطرق الكتاب والمثقفون العرب ولم يدخلوا في ذلك الجدل والنقاش الساخن؟ علماً أن سياقات حل ما سُمي “المسألة اليهودية” كانت تتركز حول هجرة أو تهجير اليهود إلى ما سُمي “أرض الميعاد” وفق الرؤية الصهيونية وهي أرض فلسطين؟ وأن حل المشكلة اليهودية لا يخرج عن ذلك الإطار، الأمر الذي استدعى أن يتحدث أول رئيس لوزراء إسرائيل “ديفيد بن غوريون” في مؤتمر عقده ساسة ومفكرون علمانيون يهود سنة 1930 بالقول: إن المشكلة اليهودية يجب أن تصبح مشكلة عربية لأنه لا يوجد شيء اسمه فلسطين، فاليهود “شعب بلا أرض وفلسطين أرض بلا شعب”؛ لذلك تجد اليوم رفضاً قاطعاً من الصهاينة لفكرة حل الدولتين لأن في ذلك اعترافاً ضمنياً بوجود شعب فلسطيني وأرض لها شعب.
ولعل الذي يُعاد طرحه في ساحة النقاش، والإجابة على “لماذا لم يتطرق الكتاب والمثقفون العرب لمواجهة وتفنيد تلك الفكرة الخطيرة المتمثلة عند الحديث عن المسألة اليهودية؟” تكمن الإجابة في سياقات وتبريرات عدة؛ منها أنه لم يكن ثمة مشكلة يهودية في البلدان العربية والإسلامية، فاليهود كانوا يعيشون في تلك البلدان بوصفهم “أهل الذمة”، يمارسون شعائرهم في مجتمعات ودول ليست علمانية، انسجموا وتكيفوا مع مناخاتها السياسية والاجتماعية والدينية. يضاف إلى ذلك سبب جوهري وإشكالي في الوقت ذاته، هو غياب المثقفين العرب عن الساحة الثقافية في أوروبا في ذلك الوقت، وعدم رصد ما يحدث هناك، وأنه ليس في مصفوفة التحديات من سجالات فكرية وثقافية في مرحلة تحول هامة طرحت نفسها في أوروبا بعد الثورة الفرنسية وبروز الفكرة القومية والدولة الوطنية العلمانية، وربما كان طوفان القضية اليهودية على السطح هو ذلك التحول البنيوي؟ فاليهودية دين ودولة وأسلوب حياة، هذه الخاصية لا تنسجم بالضرورة مع فكرة الدولة القومية أو الوطنية العلمانية.
ولعل أول ملحظ هو أن الإنتاج العربي الإسلامي والفلسطيني في تلك القضية يكاد يكون منعدماً في القرن التاسع عشر، علماً أن عشرات الكتب قد أُلفت عن الصهيونية واليهودية في الغرب. والأكثر من ذلك، أن ما كُتب عن اليهودية في النصف الأول من القرن العشرين من كتاب عرب لم يُطبع أو يُنشر لجهة ما يمكن تسميته “محاكم التفتيش الفكري” أي تهمة “العداء للسامية”. ويشار هنا إلى ما كتبه المفكر العربي “مالك بن نبي” بداية الخمسينيات ولم يُنشر حتى مطلع القرن الواحد والعشرين بسبب تلك “الفوبيا”، أي الخوف من تهمة معاداة السامية؛ حيث بات العداء للصهيونية في السردية اليهودية عداءً لليهودية بوصفها ديناً، وهو الورقة أو البطاقة الحمراء التي لا تزال تُرفع بوجه كل من يتحدث أو ينتقد السياسات العنصرية والإجرامية للحكومة المتطرفة في إسرائيل في الوقت الحاضر.


