
إعداد
د. محمد البدري عبدالراضي الوحش
باحث سياسي
دكتوراة الفلسفة في العلوم السياسية
جمهورية مصر العربية
تعد إيران القوة الإقليمية الأكثر محورية في قضايا الطاقة في الشرق الأوسط، حيث حبا الله إيران بموارد غازية كبيرة، كما تمتلك رابع احتياطات نفط في العالم، وهذا يعني بجلاء أن إيران هي مستقبل الطاقة الواعد في المنطقة، وبخاصة أنه مازالت تلك المصادر بكراً ولم تستنفد، بالإضافة إلى وجودها في قلب منطقة تمد العالم بما يقارب من 70% من احتياجاته من الطاقة. ومع تمتع إيران بجغرافية حيوية تجعلها في قلب المنطقة جيوسياسياً، حيث إنها هي الدولة المطلة على مضيق هرمز الذي يمر من خلاله ما يقارب من 35% من صادرات النفط عالمياً.
وإذا ما عدنا للغاز؛ فإيران تمتلك ثاني أكبر احتياطي للغاز، والذي يقدر بحوالي 34 تريليون قدم مكعبة، وهو ما جعلها في قلب الصراع حول مصادر الطاقة في العالم، وهو ما يؤهلها -في حالة لم تكن هناك عقوبات مفروضة عليها- أن تُعد المركز الإقليمي للطاقة في المنطقة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ؛ حيث إنه ومن وراء الستار يعد هدف الاستحواذ على مكامن الطاقة في إيران هدفاً غربياً كبيراً، حيث يمكن من خلال الاستحواذ والسيطرة على مفاتيح الثروة الطاقوية في إيران هو كبح جماح التفرد الروسي في مجال تصدير الغاز وغلق المحابس عن أوروبا، وأيضاً دخول الشركات الأمريكية والغربية للاستحواذ على عقود الاستكشاف والاستخراج والتي تضمن لها تحقيق مصالح متعددة ومتزامنة، مثل انخفاض تكاليف الاستخراج بإيران مما يحقق لها ربحية عالية، وثانيها حرمان الصين مستقبلاً من الاستفادة بتلك المصادر دون الرجوع لتلك الشركات والدول، وثالثها سهولة ربط الغاز الإيراني بأوروبا عبر تركيا ووجود جدوى اقتصادية مؤكدة من إنشاء خطوط أنابيب تنقل الغاز لأوروبا نظراً للوفرة الغازية لغاز إيران.
وفي السنوات الأخيرة بدأ تقدماً ملحوظاً في إنتاج النفط الإيراني، والذي صعد من 3,257 مليون برميل عام 2024 بعد أن كان 2,884 مليون برميل عام 2023، والملاحظ أنه في السنوات الأخيرة قد طورت طهران منصات وطنية للحفر والاستخراج، فخططت طهران لحفر 150 بئراً للنفط. وحالياً فإن توقف إمدادات النفط الإيراني يعني أن 1% من إمدادات العالم ستختفي، ولكن مع إغلاق مضيق هرمز فإن 30% من تأمين نفط العالم سيتوقف، وكذا 30% من إمدادات العالم بالغاز المسال سيتوقف أيضاً، وهو ما لا تستطيع معه الولايات المتحدة التكيف معه.
والعامل المهم في الصراع على مصادر الطاقة في إيران هو تلك الثروات الكبيرة والضخمة في بحر قزوين، باعتبار أن إيران واحدة من دول حوض بحر قزوين -إن جاز التعبير- فلقد اكتُشف النفط في بحر قزوين منذ القدم، حيث يوجد حوالي 250 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج و200 مليار برميل من الاحتياط المحتمل، ويوجد به احتياطات من الغاز تُقدر بتريليون متر مكعب من الغاز، واللافت للانتباه أن إيران ظلت مهملة للثروات في بحر قزوين حتى السنوات الأخيرة التي توقفت عام 1997. وتتجه أنظار دول أوروبا لبحر قزوين وبخاصة لإيران لتحجيم الدور الروسي، حيث فازت الصين وروسيا بأغلب موارد الطاقة في بحر قزوين في الدول الخمس المطلة عليه باستثناء إيران بسبب القيود المفروضة عليها، وبهذا تتجه الولايات المتحدة والغرب للفوز بجزء من كعكة الغاز في بحر قزوين.
وكما أنه من الملاحظ أيضاً التطور اللافت في صادرات النفط الإيراني، كما أن أوبك -وبالرغم من عضوية إيران بها- لكن هناك اختلافات مع المنظمة بسبب عدم اتباع إيران لقواعد المنظمة متعللة في ذلك بالعقوبات الأمريكية عليها، حيث زادت إنتاجها بشكل ملحوظ في العامين الأخيرين بنسبة زيادة 23%، وذهب أغلب الإنتاج للصين، كما تصدر إيران نفطها للهند معفى من الضرائب وفقاً لاتفاق التعاون بينهما منذ عام 2019 على أن تتم تسويات المعاملات بالعملة المحلية للهند؛ هروباً من العقوبات الموقعة من الولايات المتحدة على إيران.
والملاحظ أن إيران قد قامت وبوتيرة متسارعة منذ بداية العام 2025 إلى زيادة صادراتها من النفط في الأسواق العالمية، حيث قامت بملء مخزون النفط الخام في ميناء جزيرة خرج، وهي النقطة الرئيسية التي تصدر منها إيران نفطها إلى خارج البلاد، حيث زادت ما تم تصديره من الموانئ الإيرانية إلى 2,23 مليون برميل نفط يومياً. كما أنه ومع اشتداد ضراوة الضربات الإسرائيلية على إيران، نقلت إيران مخزون نفطها إلى موقع قريب من الصين، حيث إن إيران -باعتبارها أكبر ثالث المنتجين للنفط في منظمة أوبك- تتوجه بصادراتها إلى الصين، وعلى الرغم من العقوبات الأمريكية مازالت تنتج إيران 1,7 مليون برميل يومياً.
كما يلاحظ قيام إسرائيل بقصف حقل باريس الجنوبي، وهو أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم، مع بداية شن الهجمات الإسرائيلية على إيران في يونيو 2025، ويقع حقل باريس الجنوبي تحت مياه الخليج وتتقاسمه طهران مع قطر، مع العلم وبسبب العقوبات الأمريكية تدفع طهران بإنتاج حقل باريس للاستخدام المحلي، ويبلغ حالياً إنتاج إيران من الغاز الطبيعي حوالي 266,25 مليار متر مكعب في حين يصل الاستهلاك إلى 255,5 مليار متر مكعب، والغريب في الأمر أن الهجوم الإسرائيلي كان بالقرب من مشروعات مشتركة لشركات الطاقة العملاقة مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس الأمريكيتان بقطر. وجدير أيضاً بالذكر أن الصين لا تعترف بالعقوبات المفروضة على إيران، حيث أعطت الصين الضوء الأخضر لمصافي التكرير الصينية لاستيراد النفط الإيراني الخام.
ويبقى السؤال المحوري: لماذا تعاني إيران بالرغم من تلك الوفرة النفطية والغازية من أزمات الطاقة الحادة في الداخل؟ والتي تتمثل بالقطع في العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، كما تعود بالقطع إلى التسعير المتدني للنفط في إيران والذي يؤدي إلى الاستهلاك المفرط للنفط في الداخل وازدياد عمليات تهريبه خارج الحدود، حيث قدرت الكميات المهربة ما بين 10 لـ 20 مليون لتر يومياً وهو ما يمثل 20% من الإنتاج اليومي للنفط الإيراني، كما تقوم الحكومة بدعم للكهرباء يصل إلى 30 مليار دولار وتدعم المشتقات النفطية بحوالي 52 مليار دولار، وهو ما يجعل المواطن الإيراني يكاد لا يدفع شيئاً مقابل الحصول على مصادر الطاقة في مقابل وجود ضغوط كبيرة على ميزانية الدولة الإيرانية لسد الفجوة الدولارية.
ومع ذلك يمكن القول إن إيران بداية منذ عام 2020 استطاعت تجاوز العقوبات الأمريكية في تصدير النفط الخام بأنها ركزت على صناعات المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي مثل البيوتان والبروبان، وبالرغم أنها لا تحتسب ضمن عوائد النفط الخام لكنها ارتفعت بالحصيلة الدولارية التي تتحصل عليها إيران من صناعة النفط بصفة عامة، حيث بلغت صادرات الطاقة إجمالاً في إيران بنهاية عام 2024 ما يقارب من 78 مليار دولار مقارنة بـ 18 مليار دولار في عام 2020.
آفاق المستقبل للنفط الإيراني
- التوقع الأول: أن تستمر السياسات الإيرانية على ما هي عليه من العزلة الدولية في مجال تحديث قطاع النفط والغاز وعدم خروج إيران كواحدة من الدول المنتجة للغاز والنفط ولها حصتها الدولية والتي تستغلها في تحقيق وفورات مالية ضخمة مثل جاراتها في الخليج، أو أن تسعى لرفع العقوبات الموقعة عليها من أجل تحقيق انسيابية في تدفق موارد أجنبية لتحفيز الاستثمار في مجالي النفط والغاز، حيث يمكن النظر إلى حجم الضغوط التي قد تمارسها روسيا والصين من أجل وضع إيران في المكان الذي تستحقه في مجالي إنتاج النفط والغاز.
- التوقع الثاني: أن تسعى طهران نحو تفكيك العزلة الإقليمية بتحقيق جذب مزيد من الاستثمارات مع التخفيف من العقوبات ومحاولة بناء جدار من الثقة في محيطها الإقليمي والدولي، حيث من المتوقع أن تسعى إيران بعد الهزات الاقتصادية العنيفة التي أحدثتها الضربات الإسرائيلية إلى إصلاح مؤسسي شامل لمؤسسات الطاقة، والذي قد يستغرق فترة من 5 إلى 10 سنوات، وأهمها إصلاح البنية التحتية المتهالكة في مجال الطاقة.
- التوقع الثالث: سعي إيران للتعاون مع دول الجوار النفطية مثل السعودية والإمارات، حيث يمكن لهذه الدول في حال حدوث توافقات مع إيران أن تترك لها مجالاً في سباق تصدير النفط الخام كما يمكنها تقديم خبراتها في النهوض بالبنية التحتية النفطية لإيران مقابل انضوائها ضمن سياسة واحدة لمنظمة الأوبك لا تحيد عنها.


