On Research

وحدة الدراسات الاقتصادية

إعادة تشكيل الاقتصاد السياسي في سوريا ما بعد 2024: الصندوق السيادي كأداة للهيمنة وإعادة التراكم

Email :29

إعداد

د. علي مطيع عيسى 

دكتوراه في الاقتصاد 

سوريا 

 

 

الملخص

تتناول هذه الدراسة التحول البنيوي في الاقتصاد السياسي السوري عقب التغيير السياسي في ديسمبر 2024، مع التركيز على “صندوق التنمية السوري” بوصفه أداة مركزية لإعادة توزيع الثروة وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة ورأس المال. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الصندوق لا يمثل مجرد أداة مالية لإعادة الإعمار، بل تشير المؤشرات إلى أنه قد يعكس نمطاً مركباً من رأسمالية الدولة السيادية التي تتقاطع فيها اعتبارات العدالة الانتقالية مع منطق إعادة إنتاج الهيمنة الاقتصادية. توظف الدراسة مقاربات نظرية من أدبيات الاقتصاد السياسي، خاصة مفاهيم التراكم عبر نزع الملكية، والدولة الريعية، والمؤسسات الاستخراجية، لتحليل آليات عمل الصندوق وتداعياته الداخلية والخارجية.

المقدمة

تشهد الدول الخارجة من النزاعات المسلحة عادةً لحظة مفصلية يُعاد فيها تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد. في الحالة السورية، لم يكن التحول بعد 2024 انتقالاً تدريجياً نحو اقتصاد سوق تقليدي، بل جاء في صورة إعادة مركزية مكثفة للموارد والثروات ضمن إطار سيادي جديد. يتجسد هذا التحول في إنشاء “صندوق التنمية السوري”، الذي بات يشكل البنية الناظمة لإعادة توزيع الأصول المصادرة، وإدارة الموارد السيادية، وتأطير عملية إعادة الإعمار.

تكتسب هذه الحالة أهمية تحليلية خاصة لأنها تقع عند تقاطع ثلاث عمليات متزامنة: تفكيك شبكات رأسمالية مرتبطة بالنظام السابق، إدماج موارد جغرافية كانت خارج سيطرة الدولة، وإعادة بناء الشرعية السياسية عبر أدوات اقتصادية. هنا، لا يمكن فهم الصندوق بمعزل عن سياق أوسع من “إعادة هندسة الاقتصاد السياسي”، حيث تتحول أدوات الاقتصاد إلى وسائل لإعادة تشكيل السلطة.

منهجية الدراسة وحدود البيانات

تنتمي هذه الدراسة إلى مقاربة الاقتصاد السياسي التحليلي  (Analytical Political Economy)، حيث تسعى إلى تفسير ديناميات إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة ورأس المال في سياق ما بعد النزاع، من خلال التركيز على البُنى المؤسسية وآليات توزيع الموارد، لا على المؤشرات الكمية المباشرة فقط.

تواجه الدراسة تحدياً منهجياً يرتبط بضعف الشفافية في البيئة السورية بعد عام 2024، وغياب قواعد بيانات مالية منشورة بشكل منتظم حول عمل “صندوق التنمية السوري”، سواء فيما يتعلق بحجم الأصول المُدارة، أو آليات التقييم، أو تفاصيل التدفقات المالية. وبناءً على ذلك، لا تعتمد الدراسة على تحليل إحصائي مباشر، بل على مزيج من الأدوات المنهجية البديلة.

تعتمد الدراسة على ثلاث أدوات رئيسية:

  • أولاً: التحليل المؤسسي  (Institutional Analysis)، من خلال قراءة البنية القانونية والتنظيمية للصندوق، وفهم موقعه ضمن هيكل الدولة، وطبيعة الصلاحيات الممنوحة له.
  • ثانياً:  تحليل الآليات (Mechanism-based Analysis) ، عبر تفكيك أنماط المصادرة، وإعادة التوظيف، وإدارة الأصول، بوصفها عمليات تعكس منطقاً اقتصادياً-سياسياً أوسع.
  • ثالثاً:  المقارنة البنيوية  (Comparative Structural Analysis)، من خلال مقاربة الحالة السورية مع تجارب دولية مشابهة (العراق، ليبيا، روسيا)؛ بهدف استخلاص الأنماط المشتركة والفوارق التفسيرية في سياقات إعادة التراكم ما بعد النزاع.

كما تستند الدراسة إلى مؤشرات غير مباشرة (Proxy Indicators)، مثل أنماط توزيع الاستثمارات، وطبيعة الشراكات الاقتصادية، واتجاهات السياسات العامة، بوصفها أدوات استدلالية على اتجاهات إعادة تشكيل الاقتصاد السياسي.

لا تهدف الدراسة إلى تقديم قياس كمي دقيق، بقدر ما تسعى إلى بناء تفسير نظري-تحليلي لطبيعة التحول الجاري، مع الإقرار بأن النتائج تظل مشروطة بحدود البيانات المتاحة، وقابلة للتطوير مع توفر معطيات أكثر تفصيلاً في المستقبل.

تطرح الدراسة سؤالاً مركزياً: هل يمثل الصندوق السيادي السوري أداة للانتقال نحو اقتصاد مؤسسي مستقر، أم أنه يعيد إنتاج نموذج مركزي قائم على السيطرة الريعية وإعادة توزيع النفوذ؟

وتسعى الدراسة للإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل الآليات المؤسسية والاقتصادية المرتبطة بعمل الصندوق، في ظل محدودية البيانات الكمية المتاحة.

أولاً: الإطار النظري – بين الدولة والتراكم وإعادة الهيمنة

.1  الدولة كفاعل اقتصادي في السياقات الانتقالية

تؤكد الأدبيات الكلاسيكية في علم الاجتماع السياسي أن الدولة تحتكر أدوات العنف المشروع، لكن في حالات ما بعد النزاع، يتوسع هذا الاحتكار ليشمل إعادة توزيع الموارد الاقتصادية. يرى فيبر أن احتكار الدولة للسلطة لا يقتصر على المجال الأمني، بل يمتد إلى تنظيم المجال الاقتصادي وإعادة تشكيله (Weber, 1922, p. 56).

في السياق ذاته، يذهب تيلي إلى أن الدولة الحديثة نشأت عبر عمليات الحرب والاستخراج، حيث تؤدي السيطرة على الموارد إلى تعزيز القدرة المؤسسية . (Tilly, 1990, p. 67) تنطبق هذه المقاربة على الحالة السورية، حيث يتحول الصندوق إلى أداة لاستخراج الموارد وإعادة توجيهها بما يخدم إعادة بناء الدولة.

.2  التراكم عبر نزع الملكية

يُعد مفهوم “التراكم عبر نزع الملكية” أحد المفاتيح التفسيرية الأساسية لفهم آليات عمل الصندوق. يعرّف هارفي هذا النمط بأنه عملية نقل للثروة من القطاع الخاص إلى الدولة أو إلى فاعلين جدد عبر أدوات قانونية أو شبه قانونية . (Harvey, 2003, p. 145)

في الحالة السورية، تشير المؤشرات المتاحة إلى أن هذه العملية قد تتجلى في:

  • مصادرة أصول “أوليغارشية الحرب”.
  • فرض تسويات مالية قسرية.
  • إعادة تشغيل الأصول تحت إدارة الدولة.

لكن ما يميز هذه الحالة هو أن التراكم لا يتم لصالح السوق، بل لصالح كيان سيادي مركزي، مما يعيد تعريف طبيعة الرأسمالية نفسها.

 .3 الدولة الريعية في صورتها الجديدة

تُعرّف الدولة الريعية بأنها تلك التي تعتمد على عوائد خارجية أو غير إنتاجية في تمويل نفسها (Beblawi, 1987, p. 51) ،غير أن الحالة السورية تقدم نموذجاً أكثر تعقيداً، حيث يتم إنتاج الريع داخلياً عبر المصادرة، إلى جانب الريع التقليدي من الموارد الطبيعية.

هذا النمط يمكن وصفه بـ”الريع المُعاد هيكلته”، حيث:

  • يتم توليد الريع عبر أدوات سياسية.
  • ثم إعادة توزيعه عبر قنوات سيادية.
  • بما يعزز مركزية الدولة.

 .4 المؤسسات الاستخراجية وإعادة إنتاج السلطة

يقدم أسيموغلو وروبنسون تمييزاً بين المؤسسات الشاملة والمؤسسات الاستخراجية، حيث تعمل الأخيرة على تركيز الثروة والسلطة في يد نخبة محدودة (Acemoglu & Robinson, 2012, p. 80).

في هذا الإطار، يثير الصندوق إشكالية جوهرية: هل يمثل خطوة نحو مؤسسات شاملة، أم أنه يعيد إنتاج بنية استخراجية جديدة؟

ثانياً: آليات عمل الصندوق – من المصادرة إلى إعادة التدوير

. 1 مصادر التمويل: اقتصاد المصادرة

تعتمد بنية الصندوق على ثلاثة مصادر رئيسية:

  • أ. الأصول المصادرة وتشمل : منشآت صناعية كبرى واستثمارات عقارية بالإضافة إلى سيولة نقدية ضخمة. هذه الأصول تمثل كتلة رأسمالية جاهزة لإعادة التوظيف، لكنها في الوقت ذاته تحمل إشكاليات قانونية معقدة.
  • ب. التسويات المالية :  وتُعد أحد أهم مصادر السيولة، حيث يتم فرض مبالغ مالية مقابل إسقاط الملاحقة، بالإضافة إلى تحويل هذه الأموال مباشرة إلى الصندوق. هذا النمط يعكس ما يمكن تسميته “الجباية السيادية غير التقليدية”.
  • ج. الموارد السيادية :  مع إدماج مناطق شمال شرق سوريا، أصبح الصندوق يتحكم في عوائد النفط والغاز، والإيرادات الجمركية، وهو ما يعزز طابعه الريعي.

  . 2آليات الإدارة: الدولة كمستثمر مركزي

لا يقتصر دور الصندوق على تجميع الأصول، بل يمتد إلى إدارتها وتشغيلها. بذلك تتحول الدولة إلى مالك مباشر، ومدير تنفيذي، وفاعل استثماري. هذا النموذج يقترب من “رأسمالية الدولة”، لكنه يفتقر إلى الأطر المؤسسية المستقرة التي تميز النماذج الناجحة.

 .3 الصندوق كأداة لإعادة هيكلة الاقتصاد

من خلال التحكم في الأصول، يقوم الصندوق بإعادة توجيه الاستثمارات، وتحديد أولويات القطاعات، بالإضافة للتحكم في تدفقات رأس المال. وهذا يمنحه دوراً يتجاوز وزارة المالية، ليصبح “العقل الاقتصادي” للدولة.

ثالثاً: إعادة تشكيل البنية الطبقية

.1  تفكيك النخب القديمة

تؤدي المصادرات إلى إضعاف النخب الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق. لكن وفق تحليل نورث، فإن النظم الانتقالية لا تلغي النخب، بل تعيد تشكيلها ضمن قواعد جديدة (North, 1990, p. 83). وبالتالي، ما يحدث ليس تفكيكاً كاملاً، بل إعادة ترتيب للنخبة الاقتصادية، وإعادة توزيع لمراكز النفوذ.

  .2نشوء نخبة جديدة مرتبطة بالدولة

مع توسع دور الصندوق، تظهر طبقة جديدة من مديرين حكوميين، وشركاء استثماريين، مع وسطاء اقتصاديين. هذه النخبة تستمد قوتها من قربها من الدولة، وليس من السوق.

 .3 إشكالية العدالة الاجتماعية

رغم استعادة الأموال، تظل مسألة توزيعها محل إشكال؛ وذلك لغياب آليات تعويض واضحة، مع تركيز الإنفاق في مشاريع كبرى وضعف الاستهداف الاجتماعي المباشر. وهذا يطرح سؤالاً حول مدى تحقق “العدالة الانتقالية الاقتصادية”.

رابعاً: الإشكاليات القانونية والمؤسسية

 .1 أزمة حقوق الملكية

تشير أدبيات التنمية إلى أن وضوح حقوق الملكية شرط أساسي للنمو (de Soto, 2000, p. 47). في المقابل، تؤدي المصادرات غير المحسومة قضائياً إلى زيادة المخاطر الاستثمارية، وتقويض الثقة في البيئة الاقتصادية.

.2  تداخل السلطات

يمارس الصندوق أدواراً متعددة من تحقيق ومصادرة إلى إدارة واستثمار؛ هذا التداخل يقوض مبدأ الفصل بين السلطات، ويخلق بيئة مؤسسية هشّة.

 .3 الشفافية والرقابة

رغم وجود آليات تدقيق، تظل هناك فجوات مثل غموض تقييم الأصول ومحدودية الرقابة البرلمانية، بالإضافة إلى تركز القرار، وهو ما يعزز مخاطر الفساد البنيوي.

خامساً: البعد الجيوسياسي للصندوق – من أداة مالية إلى رافعة نفوذ

 .1 الصندوق كأداة للاندماج الدولي المشروط

لا يمكن فهم الصندوق بمعزل عن تحولات البيئة الدولية المحيطة بسوريا بعد 2024. فرفع العقوبات الجزئي، والانفتاح الغربي الحذر، يشيران إلى إعادة إدماج تدريجية في الاقتصاد العالمي، لكن بشروط مؤسسية صارمة.

في هذا السياق، ينسجم دور الصندوق مع أطروحات Robert Keohane وJoseph Nye  حول “الاعتماد المتبادل المعقّد”، حيث تصبح الأدوات الاقتصادية وسيلة لإعادة دمج الدول ضمن النظام الدولي (Keohane & Nye, 1977, p. 24).

الصندوق هنا يؤدي ثلاث وظائف متداخلة:

  • قناة لتدفق الاستثمارات الخارجية.
  • أداة لضمان هذه الاستثمارات.
  • منصة للرقابة الدولية غير المباشرة.

.2  الاقتصاد كأداة قوة (Economic Statecraft)

في أدبيات الاقتصاد السياسي الدولي، يشير مفهوم “الاقتصاد كأداة قوة” إلى استخدام الموارد الاقتصادية لتحقيق أهداف جيوسياسية (Blackwill & Harris, 2016, p. 12).

ينطبق هذا المفهوم بوضوح على الحالة السورية، حيث تستخدم الدولة الصندوق لتوجيه الاستثمارات نحو شركاء محددين، وتمنح امتيازات اقتصادية مقابل دعم سياسي، وتعيد توزيع النفوذ الإقليمي عبر مشاريع البنية التحتية. وبالتالي، لا يُفهم الصندوق كأداة تنموية فقط، بل كجزء من استراتيجية إعادة التموضع الجيوسياسي.

 . 3التنافس الإقليمي عبر بوابة الصندوق

أدى إنشاء الصندوق إلى تحويله إلى نقطة ارتكاز للتنافس بين القوى الإقليمية:

  • دول الخليج تسعى للدخول عبر مشاريع الطاقة.
  • تركيا عبر البنية التحتية والتجارة.
  • روسيا والصين عبر مشاريع استراتيجية طويلة الأمد.

هذا النمط يعكس ما تسميه Susan Strange”: القوة البنيوية” التي تتحقق عبر التحكم في قواعد الاقتصاد (Strange, 1994, p. 25).

سادساً: الاقتصاد السياسي لإعادة الإعمار

.1  إعادة الإعمار كعملية سياسية

تُظهر تجارب ما بعد النزاعات أن إعادة الإعمار ليست عملية تقنية، بل عملية سياسية بامتياز. يشير Paul Collier  إلى أن تدفقات الأموال في الدول الخارجة من النزاع غالباً ما تعيد تشكيل شبكات السلطة (Collier, 2007, p. 102).

في الحالة السورية، الصندوق يحدد أولويات الإعمار، كما أنه يختار الشركاء ويوزع الموارد، وبالتالي، فهو يعيد رسم الخريطة الاقتصادية والاجتماعية.

. 2 مركزية القرار مقابل الكفاءة الاقتصادية

رغم أن المركزية قد تسرّع اتخاذ القرار، إلا أنها تخلق اختناقات بيروقراطية، وضعفاً في تخصيص الموارد، ومخاطر سوء الإدارة. التراتبية هذه تتناقض مع مقاربات التنمية المؤسسية التي تؤكد على اللامركزية والحوكمة الرشيدة (Rodrik, 2007, p. 17) .

.3  فجوة التنمية الاجتماعية

بالنظر إلى آلية عمل الصندوق نجد تركز الاستثمارات غالباً في البنية التحتية الكبرى، ومشاريع الطاقة، بالإضافة إلى القطاعات ذات العائد السريع. بينما يتم تهميش قطاعات خدمية ذات أهمية استراتيجية كالتعليم والصحة، وبرامج العدالة الاجتماعية، وهذا يعمّق ما يسميه Amartya Sen: “فجوة القدرات” (Capability Gap) (Sen, 1999, p. 87).

سابعاً: المقارنة الدولية – الصناديق السيادية وإعادة التراكم في الدول الخارجة من النزاع

. 1 الإطار المقارن: لماذا المقارنة؟

تُستخدم المقارنة في الاقتصاد السياسي لتحديد ما إذا كانت الحالة المدروسة تمثل:

  • انحرافا  (Deviation)
  • نمطاً متكرراً  (Pattern)

وفق منهجية  Giovanni Sartori، فإن المقارنة ليست وصفاً، بل أداة لتوليد التفسير (Sartori, 1991, p.  244)

 وفي هذا السياق، تُقارن الحالة السورية بثلاث حالات:

  • العراق بعد 2003.
  • ليبيا بعد 2011.
  • روسيا في تسعينيات القرن العشرين.

.2  العراق: تفكيك الدولة دون إعادة بناء سيادي

بعد 2003، تم تفكيك البنية الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق عبر حل مؤسسات الدولة وخصخصة واسعة، كما تم إعادة توزيع الأصول. ولكن، بخلاف الحالة السورية: لم يتم إنشاء كيان سيادي مركزي لإدارة الأصول، بل تم تفكيكها وإدخالها في اقتصاد مفتوح هش.

يشير Toby Dodge إلى أن هذا المسار أدى إلى: وصول العراق لـ “دولة ضعيفة واقتصاد ريعي غير منضبط (Dodge, 2013, p. 119) “.

الدلالة المقارنة:

  • سوريا: إعادة مركزية قوية.
  • العراق: تفكيك مفرط.

والنتيجة: النموذج السوري قد يكون أكثر قدرة على السيطرة، لكنه أكثر عرضة للاستبداد الاقتصادي.

.3  ليبيا: الريع بلا مؤسسات

في الحالة الليبية، تم الحفاظ على الموارد النفطية، لكن دون بناء مؤسسات مركزية فعالة، مع تعدد مراكز السلطة. وفق تحليل Wolfram Lacher: “الاقتصاد الليبي تحول إلى شبكة ريع موزعة بين الفصائل” (Lacher, 2020, p. 63).

الدلالة المقارنة:

  • سوريا: احتكار الدولة للريع.
  • ليبيا: تفكك الريع.

والنتيجة: النموذج السوري قد يمنع التفكك، لكنه يخلق احتكاراً عالياً.

 . 4روسيا: التراكم عبر الخصخصة العكسية

في تسعينيات القرن العشرين، شهدت روسيا خصخصة واسعة مع ظهور أوليغارشية قوية، لكن مع وصول فلاديمير بوتين، حدثت عملية إعادة استحواذ الدولة على الأصول الاستراتيجية، كما تم إعادة ضبط العلاقة مع الأوليغارشية. يصف Anders Åslund هذه العملية بأنها: “إعادة تأميم انتقائية تحت غطاء قانوني” (Åslund, 2007, p. 152).

الدلالة المقارنة:

  • سوريا: مصادرة مباشرة ثم إدارة سيادية.
  • روسيا: إعادة تفاوض مع النخب.

والنتيجة: النموذج السوري ربما يكون أكثر جذرية، لكنه أكثر هشاشة قانونياً.

 . 5استخلاص النموذج السوري

من خلال المقارنة، يمكن تحديد خصائص النموذج السوري:

  • أ. نموذج “إعادة التراكم السيادي” يجمع بين: مصادرة الأصول (روسيا)، وإدارة مركزية (عكس العراق)، واحتكار الريع (عكس ليبيا).
  • ب. مفارقة السيطرة والكفاءة: كلما زادت السيطرة زادت القدرة على إعادة البناء، لكن تراجعت الكفاءة والشفافية.
  • ج. إشكالية الشرعية: على عكس النماذج المقارنة، الشرعية في سوريا لم تُحسم مؤسسياً بعد، مما يجعل النموذج عرضة للطعن داخلياً وخارجياً.

 . 6خلاصة مقارنة

تكشف المقارنة أن “صندوق التنمية السوري” لا يمثل حالة فريدة، بل نموذجاً هجيناً يجمع بين إعادة التراكم القسري وإعادة بناء الدولة عبر أدوات اقتصادية مركزية. لكن ما يميزه هو: سرعة إعادة المركزية مع حجم المصادرة، وضعف الإطار القانوني الموازي. وهذا قد يجعله أكثر فعالية على المدى القصير، لكنه أكثر عرضة للاهتزاز على المدى الطويل.

ثامناً: المخاطر البنيوية – بين الاستقرار والهشاشة

.1  إعادة إنتاج الفساد

رغم الخطاب الإصلاحي، فإن تركز السلطة الاقتصادية في كيان واحد يخلق بيئة خصبة لإعادة إنتاج الفساد. تشير أدبيات الحوكمة إلى أن غياب التوازن المؤسسي يؤدي إلى “فساد مُمأسس” (Kaufmann et al., 2009).

 . 2أزمة الثقة الاستثمارية

تُعد الثقة عاملاً حاسماً في جذب الاستثمار. لكن المصادرات الواسعة، وغموض الإجراءات القانونية مع ضعف الضمانات القضائية، كلها عوامل ترفع ما يسمى بـ”مخاطر المصادرة”  (Expropriation Risk)، وهو أحد أهم محددات الاستثمار الأجنبي (North, 1990).

. 3 التوترات الاجتماعية والسياسية

تؤدي الانتقائية في المصادرة إلى تنامي الشعور بالاستهداف، وانقسامات مناطقية، وتسييس الاقتصاد. وهذا يهدد الاستقرار طويل الأمد.

تاسعاً: سيناريوهات المستقبل

.1  سيناريو التحول المؤسسي، وهو يقوم على:

  • دمج الصندوق في الموازنة العامة.
  • تعزيز الشفافية.
  • تطوير القضاء الاقتصادي.

النتيجة هنا: اقتصاد أكثر استقراراً قد يكون عامل جذب لاستثمارات مستدامة.

 .2 سيناريو الدولة الريعية الجديدة، يقوم على:

  • استمرار المركزية.
  • استخدام الموارد لضبط الولاءات.

وبالتالي النتيجة هي: استقرار قصير الأمد، ولكن هشاشة طويلة الأمد.

.3  سيناريو الانكشاف المؤسسي، يقوم على:

  • تصاعد الطعون القانونية.
  • تراجع الاستثمارات.
  • تفكك الثقة.

هنا تُخلق أزمة اقتصادية جديدة تكون أداة لتآكل الشرعية.

الخاتمة

تكشف دراسة “صندوق التنمية السوري” عن ديناميات معقدة تتجاوز الإطار المالي التقليدي، لتصل إلى قلب الاقتصاد السياسي للدولة. فالصندوق ليس مجرد أداة لإعادة الإعمار، بل يمثل محاولة لإعادة تأسيس العلاقة بين السلطة والثروة في سياق ما بعد النزاع.

من منظور نظري، يجمع الصندوق بين:

  • التراكم عبر نزع الملكية.
  • الدولة الريعية.
  • المؤسسات الاستخراجية.

أما عملياً، فهو يقف عند مفترق طرق: إما أن يتحول إلى أداة لبناء مؤسسات اقتصادية شاملة، أو أن يعيد إنتاج نموذج مركزي قائم على السيطرة وإعادة توزيع النفوذ.

السؤال الحاسم ليس في حجم الموارد التي يديرها الصندوق، بل في طبيعة القواعد التي تحكم هذه الموارد. ففي الاقتصاد السياسي، لا تحدد الثروة مسار الدول، بل تحدده المؤسسات التي تديرها.

قائمة المراجع

  1. Acemoglu, D., & Robinson, J. A. (2012). Why nations fail: The origins of power, prosperity, and poverty. Crown.
  2. Beblawi, H. (1987). The rentier state in the Arab world. In H. Beblawi & G. Luciani (Eds.), The rentier state (pp. 49–62). Croom Helm.
  3. Blackwill, R. D., & Harris, J. M. (2016). War by other means: Geoeconomics and statecraft. Harvard University Press.
  4. Collier, P. (2007). The bottom billion: Why the poorest countries are failing and what can be done about it. Oxford University Press.
  5. De Soto, H. (2000). The mystery of capital: Why capitalism triumphs in the West and fails everywhere else. Basic Books.
  6. Harvey, D. (2003). The new imperialism. Oxford University Press.
  7. Keohane, R. O., & Nye, J. S. (1977). Power and interdependence: World politics in transition. Little, Brown.
  8. Migdal, J. S. (1988). Strong societies and weak states: State-society relations and state capabilities in the Third World. Princeton University Press.
  9. North, D. C. (1990). Institutions, institutional change and economic performance. Cambridge University Press.
  10. Rodrik, D. (2007). One economics, many recipes: Globalization, institutions, and economic growth. Princeton University Press.
  11. Sen, A. (1999). Development as freedom. Oxford University Press.
  12. Strange, S. (1994). States and markets (2nd ed.). Continuum.
  13. Tilly, C. (1990). Coercion, capital, and European states, AD 990–1990. Blackwell.
  14. Weber, M. (1978). Economy and society: An outline of interpretive sociology (G. Roth & C. Wittich, Eds.). University of California Press. (Original work published 1922)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts