
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
(إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني)
جمهورية مصر العربية
تشهد إيران خلال الأشهر الأخيرة موجة متجددة من الاحتجاجات والإضرابات في مختلف المدن، من طهران إلى محافظات أخرى؛ مما يعكس حالة غليان داخلي نتيجة تراكم أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية. هذه الاحتجاجات، ورغم أنها لا تشكل انتفاضة شاملة حتى الآن، تكشف عن توتر داخلي متصاعد قد يكون مقدمة لتغيرات مهمة في المشهد الإيراني.
وفي آخر أيام عام 2025، بدأت موجة احتجاجات جديدة ومتفرقة عبر مدن عدة، في ظل تدهور متزايد للأوضاع الاقتصادية وتأثيرات عميقة على حياة المواطنين اليومية. هذه الاحتجاجات، التي بدأت بشكل واضح في الأيام الأخيرة من ديسمبر، تأتي في سياق أزمات متراكمة طيلة العام تشمل: انهيار العملة، وارتفاع التضخم، ونقص الخدمات الأساسية، وإضرابات واسعة لفئات متعددة من المجتمع الإيراني.
ماذا يحدث الآن؟
منذ أواخر ديسمبر، خرجت احتجاجات وإضرابات في العاصمة طهران بعد انخفاض قياسي في قيمة الريال الإيراني مقابل الدولار ؛ مما أثار غضب التجار وأصحاب المحلات الذين أغلقوا متاجرهم وخرجوا في تجمعات احتجاجية في وسط العاصمة، وتحديداً في شارع “سعدي” وقرب “بازار طهران الكبير” .
كما امتدت التحركات إلى أجزاء أخرى من البلاد، مع تسجيل احتجاجات في مناطق تجارية حيوية ورفع شعارات تنتقد الوضع الاقتصادي، بينما تسود حالة من الترقب في الشوارع وسط أجواء اقتصادية مشحونة واستنفار أمني مكثف. ورغم أن الأسابيع الماضية لم تشهد حركة مماثلة واسعة النطاق كما في موجات سابقة، إلا أن امتداد الاحتجاجات لفترة متواصلة (أكثر من يومين أو ثلاثة) يعتبر مؤشراً على تصاعد التوتر الشعبي.
أولاً: جذور الأزمة وأسباب الاحتجاجات
تعود جذور الاحتجاجات الحالية إلى تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين الإيرانيين، حيث يعاني المجتمع من:
-
انخفاض حاد في قيمة الريال الإيراني مقابل الدولار والعملات الأجنبية الأخرى؛ مما أثر سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين.
-
ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية بشكل يفوق القدرة المالية للعائلات.
-
تأخر صرف الرواتب والمعاشات، خصوصاً للعمال والمتقاعدين؛ مما أدى إلى حالة إحباط شعبي متزايد.
-
تراكم الديون وتوسع دائرة الفقر بين الفئات الوسطى والفقيرة، مع محدودية القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والخدمات الصحية.
بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية، هناك توترات سياسية واجتماعية تزيد من حدة الاحتقان، منها شعور بعض المواطنين بأن السياسات الداخلية والخارجية للنظام تُحمّل الناس تبعاتها دون حلول ملموسة، إضافة إلى ضعف الثقة بين الشارع ومؤسسات الدولة.
ثانياً: طبيعة الاحتجاجات
تتميز الاحتجاجات الإيرانية الحالية بعدة سمات:
-
احتجاجات فئوية ومحددة: يشترك فيها تجار، وعمال، ومتقاعدون، وطلاب، دون قيادة موحدة أو شعارات سياسية جامعة حتى الآن.
-
شكل الاحتجاجات: عادة ما تتخذ شكل إغلاق للمحال، وإضرابات، وتجمعات محدودة في الشوارع، وليس مسيرات جماهيرية ضخمة.
-
الانتشار الأمني: يرافق الاحتجاجات انتشار أمني مكثف، حيث تحاول السلطات منع أي تصعيد وتحجيم أي تجمع قد يتحول إلى موجة أكبر.
ثالثاً: التداعيات الداخلية
تترك الاحتجاجات الحالية عدة آثار على المستوى الداخلي:
-
ضغوط متزايدة على السلطات: دفعت الاحتجاجات بعض المسؤولين إلى الاعتراف بوجود أزمة؛ فقد أمر الرئيس الإيراني وزير الداخلية بإجراء حوار مع ممثلي المتظاهرين للاستماع إلى مطالبهم والعمل على حلول.
-
استقالة محافظ البنك المركزي: تزامناً مع الاحتجاجات وبسبب هبوط قيمة العملة، قدم محافظ البنك المركزي الإيراني استقالته، مما يعكس ضغطاً سياسياً داخلياً متزايداً على الإدارة الاقتصادية للدولة.
-
تحذيرات من تفاقم الغضب الشعبي: استمرار انخفاض قيمة الريال يزيد من تكاليف المعيشة والتضخم ويعمّق الإحباط بين أصحاب الدخل المحدود والمتوسط؛ مما يشكل خطراً على الاستقرار الاجتماعي إذا لم تُتخذ إجراءات ملموسة وجذرية.
رابعاً: التداعيات الإقليمية والدولية
يترقب العالم الخارجي المشهد الإيراني عن كثب، حيث يمكن أن تؤثر الاحتجاجات على:
-
السياسات الإقليمية لإيران، خصوصاً في ظل التوتر مع إسرائيل والغرب.
-
الاستثمارات والشركاء الاقتصاديين، إذ تُضعف حالة عدم الاستقرار ثقة المستثمرين وتزيد من صعوبة التعاون الدولي.
-
الضغط السياسي والدبلوماسي، حيث قد تستخدم الأطراف الخارجية الاحتجاجات كورقة ضغط إعلامية وسياسية على طهران.
خامساً: السيناريوهات المستقبلية
يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة لمسار الاحتجاجات في إيران:
-
السيناريو الأول (التهدئة التدريجية والاحتواء المرحلي): قد تعمل الحكومة على إجراءات جزئية لترميم الوضع الاقتصادي واستعادة بعض الاستقرار، فيظل الاحتجاج محدوداً أو يعود إلى الظهور بشكل دوري دون انفجار شامل.
-
السيناريو الثاني (التصعيد التدريجي): في حال تراكم الأزمات واستمرار المعضلة الاقتصادية دون حلول ملموسة، يمكن أن تتسع رقعة الاحتجاجات لتشمل قطاعات أوسع من المجتمع، مع تلاقي المطالب الاقتصادية مع المطالب السياسية، مما يزيد من تعقيد المشهد الداخلي.
-
السيناريو الثالث (اشتداد الاحتقان الاجتماعي): إذا استمر تدهور العملة وتراجع مستوى الخدمات، فقد تتحول الاحتجاجات إلى حراك أوسع يشارك فيه طيف أكبر من المواطنين، مما قد يؤدي إلى توترات اجتماعية وسياسية أكثر حدة.
ختاماً
تمثل الاحتجاجات الإيرانية الحالية أكثر من مجرد أحداث عابرة، وتشير إلى أزمة بنيوية طويلة الأمد تجمع بين أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية. ورغم قدرة النظام على إدارة الأزمة مؤقتاً، فإن استمرار الضغوط المعيشية دون إصلاحات حقيقية يضع المجتمع الإيراني على صفيح ساخن، ويجعل الشارع الإيراني أكثر تأثيراً على السياسة الداخلية والخارجية مما يبدو عليه الوضع حتى الآن.


