
إعداد
أ. د. سليم إبراهيم الحَسَنيّة
خبير في علوم الإدارة، متقاعد من جامعة دمشق، محاضر في الجامعة السورية الافتراضية.
سوريا
حين تصبح النجاة شرطًا للتفكير في المستقبل!
مرّ يوم المستقبل العالمي، في الأول من آذار، على المنطقة العربية والشرق الأوسط كما تمرّ الصواريخ العابرة للدول والحدود؛ من دون لحظة توقّف في بيت، أو مركز بحوث، أو وسيلة إعلامية، أو تصريح سياسي. وكأن الحديث عن المستقبل ترفٌ لا يليق بمن يعيش لحظةً مهدَّدة بالتشرّد أو بالموت الزؤام.
حقاً، كيف يمكن للإنسان أن ينظر إلى المستقبل بينما واقعه اليومي معلّق بين صفارات الإنذار، وخرائط النزوح، وطقوس البحث عن الجثث؟ وكيف يمكن لمجتمعٍ أن يفكّر في الغد فيما حاضرة اللحظي يتآكل تحت وطأة الحروب والصراعات؟
السلطة على حساب المستقبل: لماذا تجاهُل نداء النهضة؟
ليس اللوم كلّه يقع على هذا الجيل من الحكّام والمحكومين، بل إن اللوم الحقيقي يتوزّع على جهتين:
الجهة الأولى: هي الأجيال السياسية التي تولّت المسؤولية قبل نحو قرن من الزمان، ولم تُصغِ إلى نداء النهضويين الذين نبّهوا مبكراً إلى أن بناء المستقبل لا يقلّ أهمية عن إدارة الحاضر. فقد كان همُّ تلك النخب تثبيت السلطة الآنية، ولو دفعت الشعوب ثمن ذلك من استقرارها وازدهارها ومستقبل أجيالها.
الجهة الثانية: هي الدول الأوروبية التي قدّمت نفسها حاملةً لشعلة الحضارة ورسالة التنوير إلى العالم. غير أن التاريخ يكشف أن كثيراً من تلك الرسالة جاء محمولاً على سفن الاستعمار؛ فبدل أن يكون نشر المعرفة جسراً للتكافؤ بين الأمم، تحوّل في حالات كثيرة إلى وسيلة لتفتيت عرى المنطقة العربية والشرق الأوسط، ونهب خيراتها، وتنصيب حكّام تابعين لسياسات القوى الخارجية. وهكذا ضاع مستقبل الشعوب بين حضارة مشوهة ونهب احترافي.
المعادلات التاريخية: شعوب تدفع الثمن وأخرى تجني ثمار الحضارة
وهكذا تكرّست معادلتان مألوفتان في التاريخ الحديث، بين التنوير والتدمير:
المعادلة الأولى: حكّام يبحثون عن السلطة، وقوى استعمارية كبرى تبحث عن النفوذ، أما الأجيال المتعاقبة للشعوب، فبقيت وقوداً تدفع الثمن. هذا ما نقوله عن خلاصة تاريخ على مدى مئة عام، فماذا ستقول عنا الأجيال القادمة؟
المعادلة الثانية: منذ اللحظة التي أضاءت فيها الثورة الصناعية الأوروبية العالم بمحرّكها البخاري عام 1769م، بدأ التمدن الحديث يكتب إنجازاته بلغة مزدوجة: لغة المشعل الذي ينير الطريق، ولغة الصاروخ الذي يدمر، وينهب، ويهدد كل أشكال الحياة.
الشرق ينتظر: استعادة دورة الحضارة الطبيعية
لكن التاريخ، في منطقه العميق، لا يعرف احتكاراً دائماً للحضارة. فالحضارات، كما علّمنا التاريخ، تنتقل من مركز إلى آخر حين تختلّ موازين القوة أو تتجدّد منابع الإبداع، فهل يصدق التاريخ مرة أخرى؟
يرى علماء التاريخ الحضاري أن يوماً سيأتي، أقرب مما نتصوّر، حين ينتقل مشعل الحضارة -كما علمتنا حتميات التاريخ- من البلدان الغربية التي احتكرت العلوم والمعرفة والتكنولوجيا العسكرية المدمرة واستأثرت بخيرات الشعوب الأخرى، إلى الشرق من جديد؛ لا بوصفه انتقاماً من الماضي، بل بوصفه استعادةً لدورة الحضارة الطبيعية، حيث تتقاسم الأمم مسؤولية التقدّم الإنساني، بدل أن تحتكره قوة واحدة.
حينها فقط قد تنظر الأجيال القادمة إلى زمننا هذا وتتساءل: لماذا أهملتم بناء مستقبلٍ مشترك؟ لماذا لم تدركوا مبكراً أن المستقبل لا يُصنع بالقوة وحدها، بل بالمعرفة العادلة التي يشترك في بنائها ويستفيد من خيراتها جميع البشر؟
هل سيدرك الجيل الحالي أن المستقبل لا تصنعه القوة وحدها، بل المعرفة العادلة التي يتقاسمها كل البشر؟


