
إعداد
أحمد حسين فتحي
باحث اقتصادى
جمهورية مصر العربية
يمثل فهم الأبعاد النفسية لقرارات استخدام رأس المال في المشاريع الناشئة مدخلاً ضرورياً لتحليل ديناميكيات ريادة الأعمال في الاقتصادات النامية؛ حيث تتداخل القيود التمويلية مع أنماط سلوكية ومعرفية معقدة. كما أن كثيراً من المشاريع ذات العائد المحتمل المرتفع لا تصل إلى حجمها الأمثل بسبب قرارات استثمارية متحفظة أو اندفاعية، تتأثر بعوامل نفسية أكثر من كونها نتاج تحليل عقلاني صارم.
ففي الاقتصادات النامية، تتكثف هذه العوامل النفسية بفعل بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين، وضعف المؤسسات التمويلية، ومحدودية نظم المعلومات، مما يجعل سلوك رائد الأعمال في إدارة رأس المال عاملاً حاسماً في بقاء المشروع واستدامة نموه.
ينطلق الاقتصاد التقليدي من فرضية العقلانية الكاملة، حيث يُفترض أن رائد الأعمال يعظم المنفعة أو الربح استناداً إلى معلومات كاملة وتحليل موضوعي للتكاليف والعوائد؛ غير أن الأبحاث المتعلقة بالاقتصاد السلوكي والمالية السلوكية أظهرت أن متخذي القرار -ومنهم رواد الأعمال- يتأثرون بعوامل معرفية وعاطفية تؤدي إلى انحراف سلوكهم عن النموذج العقلاني.
كما يركز علم النفس الاقتصادي على كيفية تأثير الإدراك والانفعال والسياق الاجتماعي في اتخاذ القرار الاقتصادي، مثل قرار الاقتراض، أو استثمار رأس المال في مشروع جديد، أو التوسع في مشروع قائم. أما في سياق ريادة الأعمال، فتشير دراسات متعددة في الاقتصادات النامية إلى أن رواد الأعمال وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة يتخذون قراراتهم الاستثمارية تحت تأثير الخوف من الخسارة، وسوء تقدير المخاطر، والثقة المفرطة في الحكم الشخصي، وضغط الأعراف الاجتماعية، إلى جانب قيود موضوعية في الوصول إلى المعلومات والتمويل.
وتبرز عدة عوامل نفسية مؤثرة في قرارات استخدام رأس المال، ويعد “نفور الخسارة” من أهمها؛ إذ يميل الأفراد إلى إعطاء وزن أكبر للخسارة مقارنة بمكاسب مساوية لها في القيمة، مما يدفعهم إلى تجنب المخاطر حتى عندما تكون التوقعات الإحصائية في صالحهم. وفي سياق المشاريع الناشئة في الاقتصادات النامية، يؤدي هذا النفور إلى الإحجام عن الاستثمار في التوسع أو إدخال تكنولوجيا جديدة رغم ارتفاع العائد المتوقع، خاصة عندما يرتبط رأس المال بالمدخرات الشخصية أو أموال الأسرة.
وينعكس هذا السلوك في تفضيل رواد الأعمال للاحتفاظ بالسيولة أو الاستثمار في أصول منخفضة المخاطر على حساب تعظيم النمو طويل الأجل للمشروع، وهو ما يفسر جزئياً ظاهرة استمرار المشروعات صغيرة الحجم رغم وجود فرص سوقية للتوسع. كما يؤدي الخوف من المخاطرة إلى الاعتماد المفرط على التمويل الذاتي وتجنب الاقتراض حتى عندما تكون شروط التمويل مقبولة نسبياً.
وتتجلى أيضاً التحيزات المعرفية في قرارات استخدام رأس المال بعدة صور؛ فـ “انحياز الرسو” (انحياز نقطة البداية) يجعل رائد الأعمال يثبت قراره حول مستويات معينة من الاستثمار أو التسعير اعتماداً على نقطة مرجعية سابقة، حتى لو تغيرت ظروف السوق بشكل جوهري. وهناك “انحياز التأكيد” الذي يدفعه للبحث عن المعلومات التي تؤيد قراره المسبق بشأن جدوى مشروع أو توسيع نشاط، وإهمال المعلومات التي قد تشير إلى مخاطره أو محدودية عوائده.
أما “المحاسبة الذهنية”، فتظهر في فصل رواد الأعمال للموارد المالية في أذهانهم إلى خانات منفصلة (مثل رأس مال الأسرة، الأرباح المحتجزة، القروض…)، مما يترتب عليه معاملة غير متسقة لهذه الموارد؛ كرفض المخاطرة بجزء من رأس المال الخاص مع قبول مخاطرة مماثلة بربح حديث، رغم أن الخسارة المالية النهائية واحدة. تؤدي هذه التحيزات إلى تخصيص غير كفء لرأس المال داخل المشروع، وإلى قرارات توسع أو انكماش لا تعكس بالضرورة أفضل استخدام اقتصادي للموارد.
كما تُظهر دراسات على رواد أعمال في اقتصادات نامية أن الثقة المفرطة في القدرة الشخصية والمعرفة بالسوق شائعة، مما يؤدي إلى تقدير مبالغ فيه للعوائد المستقبلية والاستخفاف بالمخاطر التنظيمية والتمويلية. وهذه الثقة المفرطة ترتبط غالباً بـ “وهم السيطرة”، أي الاعتقاد بأن رائد الأعمال قادر على التحكم في نتائج المشروع بدرجة أكبر مما تسمح به الظروف الحقيقية.
وتتجلى آثار الثقة المفرطة في سلوك رأسمالي متهور، مثل الإفراط في الاقتراض أو استثمار نسبة كبيرة من رأس المال في مشروع واحد، مع الاعتماد على سيناريو متفائل وحيد في دراسات الجدوى. وعندما تتراكم الصدمات الخارجية، مثل تقلبات سعر الصرف أو تغير السياسات، يصبح المشروع أكثر هشاشة نتيجة سوء تسعير المخاطر في المراحل الأولى.
وتلعب البيئة الاجتماعية والثقافة المحلية دوراً مهماً في تشكيل سلوك رواد الأعمال تجاه رأس المال، لاسيما في المجتمعات ذات الروابط العائلية القوية. ففي كثير من الاقتصادات النامية، يخضع رائد الأعمال لتوقعات الأسرة والمجتمع بشأن نوع النشاط المقبول، ومصادر التمويل الملائمة (مثل تفضيل التمويل العائلي على القروض المصرفية)، واستخدام الأرباح في الاستهلاك الاجتماعي (المناسبات، الدعم العائلي) بدلاً من إعادة استثمارها.
هذا الضغط الاجتماعي قد يدفع رائد الأعمال إلى اتخاذ قرارات استخدام رأس المال بهدف الحفاظ على السمعة أو الامتثال للأعراف أكثر من تعظيم الكفاءة الاقتصادية، مثل تجنب الشراكات مع مستثمرين أجانب، أو رفض الإفصاح المالي الكامل أمام الممولين، أو توزيع أرباح مبكرة لإظهار النجاح بدلاً من إعادة ضخها في التوسع.
كما يتخذ رواد الأعمال قراراتهم في بيئة تتسم غالباً بضعف شفافية الأسواق وغياب البيانات الدقيقة حول الطلب، والمنافسة، وتكلفة التمويل، مما يوسع فجوة المعلومات بين رائد الأعمال والجهات الممولة الرسمية وغير الرسمية. وفي ظل هذه المحدودية، يعتمد الكثيرون على الخبرة الشخصية والشبكات الاجتماعية كمصادر أساسية للمعلومات، مما يجعل القرارات عرضة للقصص الفردية والانطباعات أكثر من التحليل الكمي.
وتتسم الاقتصادات النامية بسمات هيكلية تزيد من حدة تأثير العوامل النفسية؛ فعدم الاستقرار الكلي الناتج عن تقلبات التضخم وأسعار الصرف والتشريعات يرفع مستوى عدم اليقين، مما يغذي نفور الخسارة ويبرر -من وجهة نظر رائد الأعمال- تفضيل السيولة والاحتياط على الاستثمار طويل الأجل.
كما يؤدي ضعف الأنظمة التمويلية وقيود الوصول إلى الائتمان -خاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة- إلى ميل رواد الأعمال للاعتماد على المدخرات الشخصية والشبكات العائلية، الأمر الذي يربط بين رأس المال والهوية الاجتماعية، ويزيد من العبء النفسي المترتب على احتمال الخسارة، ومن ثم يعمق سلوك تجنب المخاطرة، أو الإفراط فيها عندما يكون الضغط الاجتماعي نحو إثبات الذات قوياً.
من ناحية أخرى، تسود في العديد من الاقتصادات النامية ثقافة حذر تجاه الديون الرسمية، ودرجة محدودة من الثقة في المؤسسات المالية، مما يعزز الميل إلى ترتيبات غير رسمية، مثل “الجمعيات” أو التمويل بين الأقران، بكل ما تحمله من اعتبارات اجتماعية ونفسية في إدارة رأس المال. وتُفاقم المخاطر المؤسسية، مثل ضعف حماية حقوق الملكية وصعوبة إنفاذ العقود، من الإحساس بانعدام السيطرة، فتدفع بعض رواد الأعمال إلى استراتيجيات تسعى للتحايل على القواعد أو العمل في القطاع غير الرسمي لتقليل الاحتكاك بالمؤسسات، مع ما يحمله ذلك من آثار على استقرار التمويل واستدامة النمو.
ونرى ذلك يظهر جلياً في قطاع التجزئة الصغيرة في دول إفريقية وآسيوية نامية، حيث أظهرت دراسات للبنك الدولي أن العديد من أصحاب المحلات يرفضون استثمار مبالغ صغيرة في توسيع المخزون رغم وجود عائد مرتفع مثبت تجريبياً، بسبب نفور شديد من تحمل خسارة محتملة في المدى القصير، مما يحافظ على المشروعات عند حجم أقل من كفاءتها المثلى. وهذا يوضح كيف يقود الخوف من الخسارة إلى استخدام مفرط للتحفظ في رأس المال.
وعلى الجانب المقابل، بينت دراسات على رواد أعمال في بيئات نامية أن الثقة المفرطة والاعتماد على التوقعات التفاؤلية وحدها أديا إلى الإفراط في الاقتراض لتمويل التوسع، ثم التعثر عند أول صدمة خارجية، سواء كانت تراجعاً في الطلب أو تشديداً للسياسات النقدية؛ مما يبرز هشاشة البيئة الاقتصادية والمؤسسية.
كما توضح العديد من الأبحاث حول المشروعات الصغيرة والمتوسطة في دول شمال إفريقيا أن انحيازات مثل “الرسو” و”التأكيد” تؤثر في قرارات الاقتراض من البنوك؛ إذ يتشبث المديرون بتجارب سلبية سابقة أو قصص سمعية عن تعثر آخرين، فيرسخون موقفاً رافضاً للتمويل المصرفي حتى عندما تتحسن الشروط والمؤشرات الموضوعية، وهذا يؤدي إلى استمرار فجوة التمويل بين الاحتياجات الفعلية للمشروعات والموارد التي تحصل عليها.
يُظهر ما سبق أن قرارات رواد الأعمال تتشكل عند تقاطع ثلاثة أبعاد: الانحيازات النفسية الفردية، البيئة الاجتماعية والثقافية، والقيود الاقتصادية والمؤسسية الموضوعية. وتؤدي هذه التفاعلات إلى أنماط استخدام لرأس المال قد تكون دون المستوى الأمثل اقتصادياً، سواء في صورة تحفظ مفرط أو مجازفة غير محسوبة.
ومن منظور السياسات العامة، تبرز الحاجة إلى برامج تستهدف بناء القدرات السلوكية والمالية لرواد الأعمال، لا الاكتفاء بتوفير أدوات تمويل جديدة. فتعزيز الوعي بالانحيازات المعرفية، وتطوير مهارات إدارة المخاطر، وتحسين الثقافة المالية يمكن أن يقلل من أثر تلك الانحيازات على قرارات استخدام رأس المال. كما يمكن لمؤسسات التمويل والتنمية تبني تصميمات تمويلية تأخذ في الاعتبار هذه الأبعاد النفسية، مثل استخدام آليات التدرج في التمويل، وتقديم خدمات استشارية موازية، وتبسيط متطلبات المعلومات.
أما على مستوى رواد الأعمال أنفسهم، فيفضل اعتماد ممارسات أكثر منهجية في تحليل المخاطر والعوائد، مثل إعداد سيناريوهات متعددة، واللجوء إلى الخبرة المتخصصة بدلاً من الاعتماد الحصري على الحدس الشخصي، والسعي إلى فصل الاعتبارات الاجتماعية والعاطفية عن قرارات تخصيص رأس المال قدر الإمكان. ويسهم هذا النهج في بناء قرارات استثمارية أكثر توازنًا، تعظم فرص نجاح المشاريع الناشئة رغم القيود الهيكلية التي تميز الاقتصادات النامية.


