On Research

مقالات تحليلية

الحرب على الذاكرة.. لماذا تُستهدف دول الحضارات العريقة في الشرق الأوسط؟

Email :1191

كتابة وتحليل

 د. ريم أبو الخير

إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني

جمهورية مصر العربية 

 

 

لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على السيطرة على الأرض أو تغيير موازين القوى العسكرية، بل أصبحت تمتد إلى مستوى أعمق وأكثر خطورة، من خلال استهداف الذاكرة الحضارية للشعوب. فالدول التي تمتلك تاريخاً عريقاً وحضارات ضاربة في القدم غالباً ما تتحول في زمن الصراعات إلى ساحاتٍ لمعركة أخرى غير مرئية، هي معركة طمس الهوية التاريخية وتفكيك الذاكرة الجماعية.

وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، التي تُعد أحد أهم مراكز الحضارة الإنسانية عبر آلاف السنين، يصبح التراث الثقافي والتاريخي جزءاً من هذا الصراع. فالمتاحف والمواقع الأثرية والقصور التاريخية لم تعد مجرد معالم ثقافية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى رموز للهوية الوطنية وذاكرة الشعوب، مما يجعلها عرضة للاستهداف المباشر أو غير المباشر خلال النزاعات.

الشرق الأوسط.. مهد الحضارات وهدف الصراعات

تتميز منطقة الشرق الأوسط بكونها واحدة من أقدم المناطق التي شهدت نشوء الحضارات البشرية؛ ففي هذه المنطقة ظهرت أولى المدن، وأول أنظمة الكتابة، وأقدم القوانين المنظمة للحياة الاجتماعية.

من أرض بلاد الرافدين في العراق خرجت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور، حيث كُتبت أولى النصوص المسمارية وسُنَّت أولى القوانين في التاريخ. وفي مصر قامت واحدة من أعظم الحضارات القديمة التي تركت آثاراً معمارية وفنية لا تزال تبهر العالم حتى اليوم. أما إيران، فكانت مركزاً للحضارة الفارسية التي امتد تأثيرها الثقافي والسياسي من آسيا الوسطى حتى البحر المتوسط. هذه الخلفية الحضارية جعلت المنطقة ليست فقط محوراً للصراعات الجيوسياسية، بل أيضاً ساحة لمعركة على الذاكرة التاريخية.

العراق: نهب التاريخ بعد الغزو

يمثل العراق أحد أبرز الأمثلة على استهداف الذاكرة الحضارية في العصر الحديث. فبعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، شهدت العاصمة بغداد واحدة من أكبر الكوارث الثقافية في التاريخ الحديث.

تعرض المتحف الوطني العراقي لعمليات نهب واسعة، حيث سُرقت آلاف القطع الأثرية التي تعود إلى حضارات سومر وبابل وآشور. وقد شملت المسروقات ألواحاً طينية مكتوبة بالخط المسماري وتماثيل نادرة تعود إلى آلاف السنين. لم يكن المتحف مجرد مؤسسة ثقافية، بل كان مستودعاً لذاكرة الحضارة الإنسانية، إذ احتوى على آثار توثق بدايات الكتابة والتشريع والتنظيم الاجتماعي.

ويرى كثير من المؤرخين أن ما حدث في بغداد لم يكن مجرد نتيجة للفوضى الأمنية، بل كان ضربة موجعة للتراث العالمي؛ لأن العراق يمثل أحد أهم مراكز الحضارة القديمة في العالم. كما تعرضت مواقع أثرية عديدة في البلاد لعمليات نهب منظمة، خاصة في مناطق مثل بابل ونمرود، حيث فقدت مواقع كاملة قطعاً أثرية نادرة كانت تشكل جزءاً من تاريخ الإنسانية، فضلاً عن سرقة عدد كبير من القطع التاريخية التي لا تقدر بثمن.

أفغانستان.. تدمير التراث ونهب الذاكرة الثقافية

في قلب آسيا الوسطى، تعرضت أفغانستان أيضاً لفصول مأساوية من استهداف التراث الحضاري. ففي عام 2001 قامت حركة طالبان بتدمير تماثيل بوذا في “باميان”، وهي تماثيل عملاقة منحوتة في الجبال تعود إلى القرن السادس الميلادي.

كانت هذه التماثيل تمثل شاهداً على مرحلة تاريخية كانت فيها المنطقة مركزاً للتبادل الثقافي بين الحضارات على امتداد طريق الحرير، وكانت تعكس التعدد الديني والثقافي الذي عرفته أفغانستان عبر القرون. وقد أثار تدميرها موجة استنكار عالمية؛ لأن الحدث لم يكن مجرد تدمير لآثار دينية، بل كان محواً لجزء من الذاكرة الثقافية العالمية.

لكن استهداف التراث في أفغانستان لم يقتصر على تدمير التماثيل فقط، بل امتد إلى الكتب والمخطوطات والكنوز الثقافية. فقد تعرضت مكتبات تاريخية لعمليات نهب واسعة خلال سنوات الحرب، حيث سُرقت أو أُحرقت آلاف المخطوطات القديمة التي كانت توثق تاريخ المنطقة وثقافتها. كما تعرض المتحف الوطني الأفغاني في كابل لعمليات نهب متكررة خلال فترات الصراع، وفُقدت منه قطع أثرية نادرة تعود إلى الحضارات البوذية واليونانية والبكترية التي ازدهرت في المنطقة. لقد أدى ذلك إلى ضياع جزء كبير من الذاكرة الثقافية لأفغانستان، التي كانت عبر التاريخ نقطة التقاء للحضارات الآسيوية والشرق أوسطية.

إيران.. التراث في مرمى الصراع

مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، والضربات العسكرية المتتالية على إيران، عاد شبح استهداف المواقع التاريخية يلقي بظلاله عليها. تُعد إيران واحدة من أقدم المراكز الحضارية في العالم، حيث تعاقبت على أراضيها إمبراطوريات كبرى مثل الأخمينية والساسانية والقاجارية. وتضم إيران عشرات المواقع التاريخية المسجلة ضمن قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، مما يجعل أي تهديد لهذه المواقع تهديداً مباشراً للتراث الإنساني.

قصر “گلستان”: ذاكرة إيران القاجارية

يُعد قصر “گلستان” في طهران أحد أهم المعالم التاريخية في إيران. بُني القصر في العصر الصفوي ثم توسع بشكل كبير خلال حكم السلالة القاجارية في القرن التاسع عشر. يتميز القصر بزخارفه الفريدة التي تجمع بين الفن الفارسي التقليدي والتأثيرات الأوروبية، ويضم قاعات شهيرة مثل “قاعة المرايا” التي تُعد من أجمل القاعات الملكية في العمارة الإيرانية. كما يحتوي القصر على مجموعة نادرة من اللوحات والقطع الفنية والسجاد الملكي والمخطوطات التاريخية، مما يجعله أرشيفاً حياً لتاريخ إيران الحديث. وخلال الحرب الأخيرة على إيران، تعرض هذا القصر التاريخي لأضرار نتيجة الضربات العسكرية التي طالت مناطق قريبة من العاصمة الإيرانية. إن تدمير معلم مثل قصر “گلستان” لا يعني فقط فقدان مبنى تاريخي، بل يعني فقدان جزء من الذاكرة السياسية والثقافية لإيران التي تشكلت خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

استهداف المواقع التاريخية في إيران

لم تكن المخاوف حول التراث الإيراني جديدة؛ ففي السنوات الأخيرة، ظهرت تهديدات متكررة بإمكانية استهداف مواقع ثقافية إيرانية خلال فترات التوتر السياسي والعسكري. ومن بين أبرز المواقع التي يُخشى عليها:

برسبوليس: العاصمة الاحتفالية للإمبراطورية الأخمينية، والتي تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد وتُعد من أهم الآثار الفارسية القديمة.

ميدان “نقش جهان” في أصفهان: أحد أعظم الميادين التاريخية في العالم الإسلامي.

ضريح حافظ الشيرازي في شيراز: الذي يمثل رمزاً للهوية الأدبية والثقافية الإيرانية.

وغيرها من الأماكن والأضرحة الخاصة بالشعراء والأدباء والعلماء التي تمثل تاريخ وحضارة أمة، بل هي منارات حضارية أضاءت للعالم دروب المعرفة عبر العصور، وأسهمت في تشكيل وعي أجيال متعاقبة وتركت بصمتها في مسار الحضارات الإنسانية. وقد حذرت مؤسسات ثقافية دولية مراراً من أن استهداف مثل هذه المواقع يمثل انتهاكاً واضحاً للقوانين الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي أثناء الحروب.

لماذا أصبحت الذاكرة هدفاً في الحروب؟

يرى عدد من الباحثين أن استهداف التراث الثقافي في الحروب ليس مجرد نتيجة عرضية، بل قد يكون جزءاً من استراتيجية لإضعاف المجتمعات. فالتراث الثقافي يمثل عنصراً أساسياً في تشكيل الهوية الوطنية، ويمنح الشعوب إحساساً بالاستمرارية التاريخية. وعندما يتم تدمير هذا التراث أو نهبه، فإن النتيجة لا تكون فقدان آثار مادية فحسب، بل إضعاف الرابط بين الماضي والحاضر. كما أن السيطرة على الذاكرة التاريخية تمنح القوى المنتصرة القدرة على إعادة صياغة الرواية التاريخية بما يخدم مصالحها السياسية.

الحرب على الذاكرة.. خسارة للإنسانية كلها

إن استهداف الحضارات العريقة في الشرق الأوسط لا يمثل خسارة لدول المنطقة وحدها، ولكنه خسارة للبشرية جمعاء. فالآثار التاريخية لا تُعد مجرد بقايا من الماضي، بل هي شواهد على تطور الحضارة الإنسانية عبر آلاف السنين. ولهذا السبب تؤكد المؤسسات الثقافية الدولية باستمرار أن حماية التراث في زمن الحروب يجب أن تكون مسؤولية عالمية مشتركة.

ومع استمرار الصراعات في المنطقة، يبقى السؤال مفتوحاً:

هل يمكن للمجتمع الدولي أن يحمي ذاكرة الحضارة الإنسانية، أم أن الحروب ستظل قادرة على محو صفحات من التاريخ لا يمكن تعويضها؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts