On Research

مقالات تحليلية

الرمزية الدينية في توقيت الحرب على إيران

Email :1107

إعداد

د. خلف المفتاح

باحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية واليهودية

سوريا

 

​ليس مصادفةً، في البعد الديني، توقيتُ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ حيث يأتي يوم السبت متزامناً مع مناسبة دينية ثابتة في السردية التاريخية اليهودية، تشير إلى أنه قبل أكثر من 2500 سنة انتقم اليهود من الفرس في العهد الأخميني، عندما حاول الوزير الأول عند ملك الفرس، وهو “هامان”، نصب مكيدة ومقتلة لليهود المتواجدين في بلاط الدولة الأخمينية، الذين استوطنوا بلاد فارس ولاسيما مدينة أصفهان عند السبي البابلي لليهود في فلسطين.

​وقد شكل هؤلاء قوة مهيمنة ومسيطر في البلاط الفارسي في عهد “كورش”، وعلى رأسهم الوزير “مردخاي”. فلما علم مردخاي بذلك، طلب من زوجة الملك الفارسي “أستير” (وباليهودية “هداسا”) -وهي يهودية متخفية الديانة وذات حسن وجمال- أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار؛ لأن موعد مكيدة قتل اليهود سيكون بعد 11 شهراً وفق ما تم توقيته عبر تنجيم الفرس. وفعلاً، عملت أستير على ذلك وأقنعت زوجها كورش بقتل هامان الفارسي، بعد أن أوهمته بأنه يتآمر على ملكه.

​وهذا ما حصل؛ حيث أُعطي مردخاي أمراً بقتل كل من هو ضد اليهود من الفرس، وتم حينها قتل 75 ألف فارسي، فأصبح ذلك اليوم عيداً دينياً يهودياً يحتفلون به كل عام، وهو “عيد البوريم” أو “المساخر”، احتفاءً بنجاتهم من مؤامرة هامان لإبادتهم، أي تخلص اليهود من أعدائهم الفرس. وأُطلق على كل عدو لليهود اسم “الأجاجي”، والأجاجي هو ملك لقبيلة “العماليق” الفلسطينية، وهي مذكورة في القرآن الكريم بأن فيها “قوماً جبارين”. وهي القبيلة التي تصدت لليهود حين محاولتهم دخول فلسطين بعد خروجهم من مصر وفق “سفر الخروج” بقيادة يشوع بن نون.

​وعندها، وفق التوراة، أمر الرب نبيه صموئيل أن يأمر الملك “شاؤول” (ملك اليهود) بإبادة العماليق بالكامل حتى حيواناتهم، ولكن شاؤول أبقى عدداً منهم، فغضب عليه الرب واستبدله بالملك داوود. فـأُكملت مهمة القتل من صموئيل النبي حتى رضي عنه الرب، فتم تقطيع زعيم العماليق “أجاج” قطعاً.

​وبالمناسبة، بعد معركة “الطوفان” سنة 2023، استحضر هذه القصة الدينية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مطالباً بالقضاء على الغزيين كما فعل النبي صموئيل بالعماليق قبل 2500 سنة. فالمعنى هو: أنكم إن لم تبيدوا الغزيين كما فعل نبيكم بالعماليق، فإنه سيغضب عليكم ويزيح عنكم الملك كما أزاحه عن الملك شاؤول، أول ملوك بني إسرائيل. لذلك سموا هامان الفارسي “بالأجاجي”، حيث بات يُطلق في السردية اليهودية على كل عدو صفة “العماليق”، أي رمز لعدو يجب أن يُباد.

​فتحول ذلك الخطاب الديني التوراتي إلى “لاهوت سياسي” يستعيده نتنياهو، قارعاً خزان الذاكرة الجمعية اليهودية، ومحفزاً تياره المتطرف العسكري والسياسي باستحضار تلك السردية وتوظيفها سياسياً؛ بمعنى أن “الله أعطانا الحق بإبادة العدو”، بل وجعل ذلك واجباً دينياً. وأصبحت فكرة “الحق الإلهي” تُتداول بدلاً من حق الشرعية الدولية أو القانون الدولي، أي أنها شرعية إلهية تسمو على ما عداها من شرعيات، وصولاً إلى “الحق الإبادي” والحق في الأرض.

​وهنا نعيد للأذهان ما جاء على لسان السفير الأمريكي في إسرائيل قبل أسبوعين بشأن “حق اليهود التاريخي” بالارض العربية، وهو من التيار المتطرف من “الصهيونية المسيحية” ومعروف بعنصريته، ولعله سفير أكبر دولة بالعالم؛ فهو بذلك يرى أن لليهود الحق الإلهي بالأرض، وهو حق أعلى مرتبة من القانون الدولي، وفيه تجاوز لكل مفاهيم حدود الدولة الوطنية المقرة منذ معاهدة “وستفاليا” عام 1648 والثابتة في ميثاق الأمم المتحدة على قاعدة ومبدأ سيادة الدول.

​فالحق الإلهي أصبح في الخطاب الصهيوني هو المرجع وليس الخطاب الدولي والدولة القطرية وحدودها، وهذه سابقة لم تحدث في التاريخ. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه في سنة 2023 ألقى مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، بمناسبة انعقادها السنوي، كلمة أشار فيها صراحة إلى أن إسرائيل تستمد شرعية وجودها من “التوراة والوعد الإلهي”، وليس من القرار رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1947. وفي هذا تأكيد وتكريس لما يسمى “الحق الإلهي” الذي يشتغل عليه الخطاب الصهيوني سياسياً وإعلامياً وفي كافة المحافل الدولية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts