
إعداد
زينب عبد الله سعد
عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة والقانون – جامعة IUM
باحث دكتوراه كلية الحقوق – جامعة عين شمس
جمهورية مصر العربية
تعتبر المقاصة طريقة مبسطة للوفاء بالديون إذ بها يوفي المدين بدينه ويستوفي الدائن حقه بمجرد القيام بعملية حسابية، ودون نقل نقود من مكان لآخر.
فإذا كان شخص مدينًا لآخر، ثم أصبح دائنًا له، فإذا كان الدينان متساويين تساقطا قصاصًا، فإن كان أحدهما أقل من الآخر تساقطا في حدود الأقل منهما.
لذا تتحقق طبيعة المقاصة، باعتبارها أداة وفاء وضمان، تقوم على تقابل دينين بين شخصين، يكون كل منهما دائنًا في أحدهما ومدينًا في الآخر. ومع ذلك، فإن مجرد هذا التقابل لا يكفي لتحقق المقاصة، إذ يلزم لتوافرها تحقق شروط محددة. وتُختزل هذه الشروط في فكرة محورية، وهي انطواء المقاصة على وفاء مزدوج، يتم فيه انقضاء الدينين المتقابلين في حدود الأقل منهما، بحيث يُوفى كل دين بالآخر. وبناءً عليه، لا يمكن أن تقع المقاصة قانونًا إلا بتوافر شروط تجعل من هذا الوفاء المزدوج أمرًا ممكنًا من الناحية القانونية.
فمن وجه كون المقاصة أداة وفاء وأداة ضمان: إذا أصبح المدين دائنًا لدائنه، وكان محل كل من الدينين المتقابلين –ما في ذمة المدين للدائن وما في ذمة الدائن للمدين– نقودًا أو مثليات في النوع والجودة، وكان كل من الدينين خاليًا من النزاع مستحق الأداء صالحًا للمطالبة به قضاءً، انقضى الدينان بقدر الأقل منهما عن طريق المقاصة. فالمقاصة إذن هي أداة وفاء، وهي في الوقت ذاته أداة ضمان.
ومن وجه أنها أداة وفاء، فذلك ظاهر مما قدمناه. فتقابل دينين توافرت فيهما شروط معينة يقضي كلا الدينين بقدر الأقل منهما، فيكون كل مدين قد وفى الدين الذي عليه بالدين الذي له، ومن هنا كانت المقاصة أداة وفاء أو سببًا من أسباب انقضاء الالتزام. بل هي أداة تبسيط في الوفاء، فهي تقضي دينين في وقت معًا دون أن يدفع أي مدين من المدينين إلى دائنه شيئًا، إلا من كان دينه أكبر فيدفع لدائنه ما يزيد به هذا الدين على الدين الآخر. وبذلك يقتصد المدين من نفقات الوفاء، ولا يتجشم عناء إخراج النقود أو غيرها من المثليات وإرسالها للدائن وما ينطوي عليه ذلك من مخاطر وتبعات. ومن ثم كان للمقاصة شأن كبير في المعاملات التجارية حيث الحاجة تشتد إلى السرعة في التعامل والاقتصاد في الإجراءات. وهذا الحساب الجاري، وهو من دعائم التجارة، يقوم على أساسين: المقاصة ثم التجديد. فتقع المقاصة أولًا بين الحساب الدائن والحساب المدين، ثم يتخلف عن المقاصة رصيد هو الذي يقع في شأنه التجديد. وهذه غرف المقاصة، تقوم عملياتها على إجراء المقاصة بين ما للمصارف وما عليها، فيستغنى بذلك عن نقل العملة من مصرف إلى مصرف ثم ردها بعد ذلك إلى المصرف الذي خرجت منه.
وأما أن المقاصة أداة ضمان، فذلك ظاهر أيضًا من أن الدائن الذي يستوفي حقه من الدين الذي في ذمته لمدينه إنما يختص بهذا الدين الذي في ذمته دون غيره من دائني المدين، فيستوفي حقه منه متقدمًا عليهم جميعًا. وهو، وإن كان دائنًا عاديًا، في حكم الدائن المرتهن أو الدائن ذي حق الامتياز، والدين الذي في ذمته في حكم المال المرهون المخصص لوفاء حقه. ومن ثم تكون المقاصة من شأنها أن تقدم للدائن تأمينًا، فهي من هذا الوجه أداة ضمان.
لذلك: للمقاصة فائدة مزدوجة: فهي تبسط الوفاء دون نقل النقود من مكان لآخر. إنه بها يستوفي الدائن حقه ويوفي المدين دينه بمجرد عملية حسابية. ولهذا أهمية كبرى في العلاقات التجارية على الخصوص إذ يغلب أن توجد بين التجار ديون متقابلة ثابتة في أوراق تجارية تقدم للبنوك، ولهذا أنشئت غرف المقاصة، وتعتبر ضمانًا للوفاء، إذ إن الدائن الذي يسقط حقه بالمقاصة مع دينه إنما يستوفي كامل حقه.
وتتمثل هذه الشروط فيما نصّت عليه المادة 362 من القانون المدني المصري، التي جاء فيها:
“1- للمدين حق المقاصة بين ما هو مستحق عليه لدائنه وما هو مستحق له قبل هذا الدائن، ولو اختلف سبب الدينين، إذا كان موضوع كل منهما نقودًا أو مثليات متحدة في النوع والجودة، وكان كل منهما خاليًا من النزاع، مستحق الأداء، صالحًا للمطالبة به قضاءً.
2- ولا يمنع المقاصة أن يتأخر ميعاد الوفاء لمهلة منحها القاضي أو تبرع بها الدائن.”
ويُلاحظ أن هذا التوجه لا يقتصر على القانون المصري فحسب، بل تتفق معه معظم التشريعات المدنية في دول الخليج العربي، سواء في المضمون أو الدلالة. فقد عبّرت عن هذه الشروط المادة 281 من نظام المعاملات المدنية السعودي، والمادة 425 من القانون المدني الكويتي، والمادة 370 من قانون المعاملات المدنية الإماراتي، والمادة 390 من القانون المدني القطري، والمادة 353 من القانون المدني البحريني، والمادة 248 من قانون المعاملات المدنية العُماني، حيث تُجمع هذه التشريعات على أن المقاصة ليست مجرد تقنية قانونية لانقضاء الدينين، بل هي تطبيق لمبدأ الوفاء المزدوج، في صورتها المتبادلة، وفق شروط موضوعية تجعل من هذا الانقضاء فعلًا متوازنًا يحقق التكافؤ بين الطرفين.
ويترتب على ذلك أن المقاصة القانونية لا تتحقق إلا بتوافر شروط محددة وهي أن المقاصة تُعد وفاءً للدين في مقابل الحق، يتم بحكم القانون دون حاجة إلى إرادة الطرفين. ومن هنا، عبّرت أحكام القضاء في مصر ودول الخليج عن هذا الطابع للمقاصة القانونية، ووصفتها بأنها شكل من أشكال الوفاء الجبري أو القهري، باعتبار أن انقضاء الالتزامين فيها يتم بقوة القانون، لا بطلب من أحد الطرفين.
كما أكدت محكمة النقض المصرية في حكمها (الطعن رقم 36 لسنة 60 ق) أن المقاصة القانونية تستلزم أن يكون الدين خاليًا من النزاع، محققًا، ومعلوم المقدار، باعتبارها وفاءً جبريًا لا يجبر المدين على أداء دين متنازع عليه أو غير محدد.
وفي ذات السياق، أكدت محاكم دول الخليج، ومنها محكمة التمييز الكويتية (الطعن رقم 799 لسنة 2005)، ومحكمة التمييز الإماراتية (الطعنان رقم 861، 905 لسنة 2022)، شروطًا مماثلة تحقق المقاصة، مشددة على توافر الدين المتقابل، تماثل نوعه، واستقلاليته عن النزاع، لضمان عدم الإضرار بحقوق الغير.
فتُظهر هذه الأحكام أن المقاصة القانونية ليست مجرد وسيلة لتسوية الديون، بل آلية وفاء جبري منضبطة، لا تتحقق إلا بتوافر شروط دقيقة، تضمن أن يكون كل من الطرفين دائنًا ومدينًا في آنٍ واحد، بحق مستحق وثابت وخالٍ من النزاع. كما تُبرز هذه الأحكام حرص القضاء على حماية حقوق الغير ومنع استغلال المقاصة بطريقة قد تخل بالتوازن في العلاقات القانونية.
ختامًا: يتبيّن مما سبق أن المقاصة هي طريقة من طرق انقضاء الالتزام، تتحقق عندما يتلاقى دينان في ذمة شخصين، كل منهما مدين ودائن للآخر، فينقضي الدينان بقوة القانون بقدر الأقل منهما، فتعتبر المقاصة القانونية تُجسد وفاءً مزدوجًا يتم بقوة القانون، شريطة توافر شروط صارمة تضمن التوازن بين الدينين المتقابلين، وهو ما أكده الفقه وأحكام القضاء.


