On Research

وحدة الدراسات السياسية

تقدير موقف حول انعكاسات وقف الدعم الإيراني على حزب الله والفصائل العراقية

Email :1236

إعداد

محسن الشوبكي

خبير أمني واستراتيجي

المملكة الأردنية الهاشمية

 

تشهد البيئة الإقليمية مرحلة دقيقة تتقاطع فيها مؤشرات التصعيد العسكري الأمريكي مع مسار تفاوضي غير مباشر بين واشنطن وطهران، في نمط بات مألوفًا في إدارة الأزمات الكبرى، حيث يُستخدم الضغط العسكري كأداة تفاوضية لا كمقدمة حتمية لحرب شاملة. وفي هذا السياق، تبرز الشروط الأمريكية الأربعة بوصفها إطارًا لإعادة صياغة السلوك الإيراني الإقليمي، ويأتي شرط وقف دعم الحلفاء في مقدمة الشروط الأكثر تأثيرًا على توازنات الشرق الأوسط، نظرًا لارتباط النفوذ الإيراني تاريخيًا باستخدام قوى غير دولية كأدوات ردع ومساومة.

يفترض هذا التقدير، على نحو افتراضي، موافقة إيران على شرط وقف دعم حلفائها الإقليميين، وتحديدًا حزب الله في لبنان والفصائل المسلحة العراقية الموالية لها. ولا يُفهم هذا القبول على أنه تخلٍّ فوري أو معلن، بل بوصفه عملية انكفاء تدريجية تشمل خفض التمويل، وتقليص التسليح النوعي، وتجميد الأدوار الإقليمية، بما يحوّل هذه القوى من أدوات هجومية إلى أعباء تفاوضية. وتكتسب هذه الفرضية قدرًا من المصداقية عند ربطها بسلوك إيراني حديث، تمثل في انكفاء طهران بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا العام الماضي دون ردات فعل ميدانية مباشرة، وهو ما عكس استعدادًا إيرانيًا لتقبّل خسارة ساحات نفوذ استراتيجية مقابل تجنّب مواجهة إقليمية شاملة تهدد بنية النظام ذاته.

في الحالة اللبنانية، سيؤدي وقف الدعم الإيراني إلى إعادة تعريف موقع حزب الله داخل المعادلة الوطنية. فالحزب، الذي بنى قوته على الجمع بين السلاح والتمويل والغطاء الإقليمي، سيواجه تآكلًا تدريجيًا في قدرته التشغيلية، لا سيما فيما يتعلق بالقدرة على خوض مواجهات طويلة أو فتح جبهات متعددة. وعلى المستوى الأمني، من المرجح بقاء السلاح كعامل ردع داخلي، لكن مع انخفاض واضح في قابلية استخدامه سياسيًا أو عسكريًا. أما داخليًا، فإن تقلص الموارد المالية والخدمات الاجتماعية سيضاعف الضغوط داخل البيئة الحاضنة، بالتوازي مع تصاعد الضغوط الدولية التي تربط أي دعم اقتصادي أو مسار تعافٍ مالي للبنان بمسألة حصر السلاح بيد الدولة. وفي هذا الإطار، يبدو تمسك قيادة الحزب بالسلاح أقرب إلى سلوك دفاعي يهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ، لا إلى فرض معادلات إقليمية جديدة.

في المقابل، تبدو الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران أكثر هشاشة أمام فرضية وقف الدعم. فهذه الفصائل تعتمد على طهران ليس فقط في التمويل والتسليح، بل أيضًا في الشرعية الأيديولوجية والغطاء السياسي الإقليمي. وأي تراجع إيراني سيؤدي إلى انكشاف مباشر أمام الولايات المتحدة، ويضع الحكومة العراقية أمام فرصة غير مسبوقة لإعادة فرض احتكار الدولة للسلاح، بدعم دولي وإقليمي. وتفسَّر التحركات السياسية المكثفة لبعض هذه الفصائل باتجاه الانتخابات ومحاولة التأثير في تشكيل الحكومة المقبلة بوصفها محاولة استباقية لتحصيل حصانة سياسية، أكثر من كونها تعبيرًا عن ثقة بالقدرة على الصمود. ومن المرجح أن تشهد الساحة العراقية انقسامات داخل هذه الفصائل بين تيارات براغماتية تسعى للاندماج السياسي، وأخرى متشددة قد تلجأ إلى تصعيد محدود يسرّع من استهدافها وتفكيكها.

على المستوى الاستشرافي، تشير المؤشرات إلى أن حزب الله يتجه نحو سيناريو التجميد الاستراتيجي، حيث يحتفظ بالسلاح دون استخدام فعلي، مع انكفاء تدريجي عن الأدوار الإقليمية وتحول متزايد نحو العمل السياسي الدفاعي داخل لبنان. أما سيناريو التصعيد، وإن ظل قائمًا نظريًا، إلا أن كلفته العالية في ظل تراجع الغطاء الإيراني تجعل احتمالاته محدودة. في العراق، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا هو التفكك الوظيفي للفصائل، سواء عبر الانقسام الداخلي أو الذوبان التدريجي داخل مؤسسات الدولة، مع بقاء خطر التصعيد المحدود من قبل مجموعات معزولة لا تملك قرارًا استراتيجيًا طويل الأمد.

تؤكد المقارنة بين الساحتين اللبنانية والعراقية أن مرحلة ما بعد وقف الدعم الإيراني، إن تحققت، لن تشهد انهيارًا فوريًا لحلفاء طهران، بل دخولهم في مسار تآكل بطيء يعيد تعريف أدوارهم ووظائفهم. كما تكشف سابقة الانكفاء الإيراني في سوريا أن طهران باتت أكثر استعدادًا للتضحية بأدوات النفوذ الخارجية عندما تتعارض مع أولوية بقاء النظام وتخفيف الضغوط الاستراتيجية. وعليه، يمكن القول إن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة انتقالية، تنتقل فيها إيران من إدارة الصراع عبر الوكلاء إلى إدارة الخسائر والتراجع المنضبط، بما يترك حلفاءها أمام خيارات صعبة بين الاندماج، أو التهميش، أو الدخول في مواجهات استنزافية غير مضمونة النتائج.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts