On Research

مقالات تحليلية

من حالة الطبيعة إلى الدولة الحديثة: المجتمع، السلطة، والعقد الاجتماعي

Email :2267

إعداد

عبد الرحمن محمد محمد غزالة

كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية

جمهورية مصر العربية

 

المقدمة:

“الإنسان والمجتمع والدولة جميعها ظواهر متلازمة”

ولقد أدرك الفلاسفة هذه المتتالية؛ فنرى أرسطو يقول: “الإنسان حيوان اجتماعي بطبيعته”، وابن خلدون أيضاً كانت له مقولة في كتابه (مقدمة ابن خلدون) تقول: “الإنسان كائن مدني بطبيعته”، حتى إنه في خصائص الدول ومكوناتها يوجد الشعب والإقليم والسلطة السياسية كأساس يؤكد على الترابط الوثيق بين هذا الشعب (المجتمع) والنظام السياسي والسياسة ككل. وسوف نتناول في هذا المقال العلاقة بين المجتمع والنظام السياسي.

في البداية، عندما يأتي الأمر لتفسير كيف نشأ المجتمع، يطفو لنا على السطح اتجاهان رئيسيان:

الأول:أن التجمع هو غريزة فطرية يولد بها كل البشر، ويعد أرسطو من أبرز داعمي هذا الاتجاه؛ حيث إن الأسرة هي النواة التي بني عليها كل شيء، ثم تجمعت مجموعة من الأسر لتشكل القرية، ثم تجمعت القرى لتخلق المدينة أو دولة المدينة. وللمعلومية، فإن المدينة كان يطلق عليها باليونانية (Polis)، وهذه اللفظة هي التي جاءت منها كلمة السياسة (Politics)، وكأن الفلاسفة قديماً كانوا يدركون هذه الحقيقة؛ وهي أن المجتمع والدولة لا ينفصلان، وأينما وجد المجتمع وجد النظام الاجتماعي، ووجدت معه السلطة كمعيار لتحقيق الضبط الاجتماعي.

أما الاتجاه الثاني:فيرى أن المجتمع نشأ لسبب نفعي بحت لإشباع رغباته؛ فقد أدرك الإنسان أنه لا يمكنه تعظيم منافعه إلا عن طريق المجتمع، ويُغرس ذلك في ذهنه منذ صغره وهو رضيع، فنجده يعتمد بشكل شبه كامل على من حوله لتلبية احتياجاته. ومن هنا ظهرت الفلسفة التعاقدية (فلاسفة العقد الاجتماعي). وفي الحقيقة، إن الفلسفة التعاقدية أو الاتجاه الثاني يؤكد على أهمية وجود السلطة والنظام الاجتماعي، حتى إن فلاسفة العقد الاجتماعي يطلق عليهم في بعض الأحيان “فلاسفة العقد السياسي”؛ لأنهم جاؤوا بأفكار للتنظيم السياسي. ومن هنا ظهرت فكرة “اليد الخفية” لآدم سميث، وأن تحقيق المصلحة الخاصة للفرد سوف تؤدي بالنهاية إلى تحقيق المصلحة العامة.

ولكن، نحن نسمع لفظة “النظام” كثيراً، ولكن ما هو النظام؟ وما هو الغرض منه؟

دعونا أولاً نوضح الإجابة على الشق الثاني من السؤال: ما الغرض من النظام الاجتماعي؟ إن الإنسان رغم ذهابه ناحية التجمع، إلا أنه يظل متميزاً بمجموعة من الخصائص المختلفة التي تميزه عن باقي أفراد جماعته، وحتي المجتمع نفسه يندرج تحته عدد من الجماعات التي قد تنشأ بثقافة مضادة أو ثقافة فرعية. وكل هذه الجماعات إن تُركت للتفاعل بطرق عشوائية ستؤدي بالنهاية إلى تدمير المجتمع لنفسه؛ لذلك نرى الحروب الأهلية تطرق أبواب المجتمعات التي لم تستطع معالجة هذه الصراعات، أي أن هذه النظم قد فشلت في ضبط المجتمع ومنع تفاقم الصراعات بأساليب غير شرعية إلى حد كبير.

ولدينا هنا نوعان من الضبط الاجتماعي:

  • إيجابي: بمعنى أنه نابع من إلزام داخلي من الفرد نفسه بعيداً عن أية ضغوط خارجية، إما لأسباب تتعلق بالعقيدة أو المصلحة.
  • سلبي: يعتمد على الإكراه كأداة لتحقيق هذا الضبط الاجتماعي.

أما عن ماهية النظام الاجتماعي:

فكلمة النظام الاجتماعي ذاتها تعني القواعد المنظمة للمجتمع، والتي تهدف للوصول بالمجتمع إلى صورته المثلى وتحقيق التكامل الاجتماعي (Social Integration). ولكي ينشأ التكامل الاجتماعي نحتاج إلى الآتي:

  • احتكار الحاكمين لأدوات الإكراه المادي.
  • تصور للقيم التي يقوم عليها المجتمع.
  • المؤسسات التي تبث هذه القيم.

أي باختصار نحتاج إلى النظام السياسي: ويتكون النظام السياسي من ثلاثة أسس رئيسية:

أولاً: الأيدولوجية

(أي الأفكار المذهبية التي تسعى المؤسسات السياسية الرسمية واللا رسمية إلى تطبيقها، حيث يرون فيها الأفكار التي تنظم المجتمع). وتنشأ عادة نتيجة للثقافة السياسية الخاصة بالمجتمع؛ فجبريال ألموند يرى أن الثقافة السياسية تؤثر على الوظائف الخاصة بالأبنية والمؤسسات السياسية المختلفة، فنراه يقسمها إلى أربعة أنساق ثقافية أساسية:

  • الثقافة الأنجلوساكسونية: مثل الثقافة السياسية السائدة بدول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، حيث يوجد حزبان رئيسيان ويتفقان حول نفس الأيدولوجية ألا وهي الليبرالية، ويوجد بها تمايز في المؤسسات والأبنية السياسية المختلفة، حتى إن هنالك مقولة تقول: “إنه لا فرق بين الحزبين الكبيرين بالولايات المتحدة سوى الشعار”؛ لذلك لا نرى تغيراً جذرياً في السياسات الأمريكية.
  • الشمولية: توجد أيدولوجية أو ثقافة واحدة، المجتمع كله يتفق أو يضطر للتوافق معها، وخصوصاً إذا عرفنا أن الأبنية والمؤسسات السياسية تكون خاضعة لشخص أو لسلطة واحدة فقط. يمكن رؤية هذا الأمر في الأنظمة الشمولية التي ظهرت عقب الحرب العالمية الأولى (النازية بألمانيا والفاشية بإيطاليا).
  • الثقافات الأوروبية القارية: ترتبط مؤسساتها بالثقافات الفرعية، وتوجد بالمجتمعات ذات الثقافة اللاتينية التي يحتوي المجتمع فيها على انقسامات عميقة وعدم وجود اتفاق عام جامع حول الأيدولوجية، وتكون الأبنية والمؤسسات السياسية بها متأثرة بهذه الانقسامات (فرنسا وإيطاليا وألمانيا).
  • مجتمعات ما قبل الصناعة: وتتميز الثقافة بها بأنها مزدوجة وغير مستقرة؛ حيث إنها تجمع بين نقيضين: الأول هو الحداثة في الأبنية، والتقليدية بالثقافة العامة. يمكننا رؤية هذا النسق بالدول النامية.

ثانياً: وجود الدستور والمؤسسات

في الحقيقة يرتبط هذان العنصران بالسلطة السياسية، وتُعرف السلطة السياسية بأنها احتكار الحاكمين لأدوات الإكراه المادي مع تصور المحكومين بأنه تصور خير وشرعي. في الحقيقة إن السلطة السياسية قد استأثرت بالجزء الأكبر من تأملات الفلاسفة والمنظرين على مر العصور، فنرى أفلاطون يضع الفلاسفة كحكام لأنهم القادرون على العودة إلى عالم الميتافيزيقا أو “عالم المُثل” الذي يمكنهم عبره تحقيق الخير العام. وقد خصص ثلاث محاورات تحديدا لهذا الهدف، بدأها بـ”الجمهورية” وأنهاها بـ”القوانين”، حيث تراجع في الأخيرة عن بعض أفكاره فيما يطلق عليها “مشايعة أفلاطون” وعدم التزام الفلاسفة بالقوانين، حيث جاء في محاورة القوانين لكي يتراجع ويسمح بوجود القوانين شريطة أن يضعها الفلاسفة أنفسهم.

أرسطو: صنف الحكومات لثلاثة أزواج، أي ست حكومات، كل حكومة وما يقابلها، حيث:

  • الديموقراطية (حكم الكثرة): وهذا الشكل الصالح، يقابلها الديماجوجية (أي الفوضى) كنظام فاسد.
  • الأرستقراطية (حكم القلة): ويقابله الأوليغارشية (حكم القلة ولكن الفاسدة).
  • الملكية (حكم الفرد): ويقابلها الاستبداد. ويعتمد هذا التصنيف على أمرين: عدد الأفراد بالطبقة الحاكمة، ومدى التزامهم بتطبيق الصالح العام والقوانين.

أما عن سبب نشأة السلطة السياسية، فببساطة أن هنالك متلازمتين أساسيتين في عالمي السياسة الخارجية والداخلية:

أولاً: التمايز الخارجي:

مفهوم “نحن” في مقابل “هم”، وهذا ما يخلق لنا الدولة القومية ومفهوم التجانس القومي. ويتحقق التجانس إما بسبب (وحدة الأصل، أو اللغة، أو الدين، أو العرق) أو عن طريق المصلحة المشتركة، وهذه هي الغاية بالأصل لوجود أي مجتمع. نرى هذا النمط مثلاً بالولايات المتحدة أو المجتمعات التعاقدية. وفي الحقيقة إن الفلسفة التعاقدية تساهم في تفسير العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية، والذي يؤكد على الفكرة النفعية هو ما قاله آرثر بنتلي: “إن العلاقات داخل المجتمع ما هي سوى علاقات المصلحة”. ولعل هذا السبب الرئيس الذي أدى إلى تراجع فكرة الحق الإلهي للعروش في تقرير مصائر الشعوب ونشأة الفكر التعاقدي. ولقد لاحظ إيمانويل كانط هذا الأمر فقال إن السبب الأساسي للصراع داخل المجتمع هو الاستبداد، وكان ذلك الأمر رأياً مغايراً لما جاء به الفلاسفة في عصر النهضة؛ حيث كانوا يرون أنه يجب على الملوك استعادة السلطة الزمنية من البابا. فلاسفة ومفكرون مثل ميكيافيللي وجان بودان كانوا يرون أن السيادة مشخصة ومحلها هو الأمير ذاته، أو على حد تعبير لويس الرابع عشر: “أنا الدولة والدولة أنا”.

أما عن المستوى الداخلي:

فهو علاقة الأمر والطاعة، وانقسام المجتمع للحاكمين والمحكومين. والطبقة الحاكمة تصل إلى الهرم عن طريق المقدرة العالية على التنظيم والخصائص النفسية والثقافية التي تروج للقيم التي هي تحملها والمؤسسية الخاصة بها، ووصولها إلى قمة المؤسسات والبنى الاجتماعية، والقدرة على امتلاك وسائل الإنتاج والثروة؛ لذلك نرى هذا التزاوج الغريب بين المال والسياسة والقوة الإكراهية.

وانطلاقاً من الشق المعنوي، ألا وهو تصور المحكومين بأنه خير شرعي، ظهرت فكرة العقد الاجتماعي التي نشأت بسبب الصراع بين الملك والبرلمان في إنجلترا من ناحية، وبين الكاثوليك والبروتستانت. وإحقاقاً للحق، فإن النظام السياسي البريطاني هو أكثر نظام سياسي عالمي نشأ من رحم الواقع؛ حيث إن الدستور البريطاني حتى الآن ما زال عرفياً غير مدون في وثيقة واحدة، إنما هو مجموعة من الوثائق التي تم إبرامها مع الملك وأدت إلى تقلص صلاحياته، ابتداءً من وثيقة “الماجناكارتا” أو الميثاق الأعظم، الذي أسس لمجلس اللوردات الذي كان يراقب كيفية إنفاق الضرائب التي يجنيها الملك، ومن بعده مجلس العموم الذي نشأ نتيجة حاجة الملك لتمويل الحروب فاضطر إلى فرض ضرائب على الطبقة البرجوازية وكانت النتيجة إنشاء مجلس العموم، وانتهاءً بوثيقة الحقوق التي قيدت الحصانة كحق أصيل للنائب عن الأمة. ولذلك نرى مونتسكيو يأتي بمبدأ الفصل بين السلطات من النظام البريطاني، وقد وثق هذا الأمر في كتابه “روح القوانين” الذي استفاد فيه أيضاً من فلاسفة العقد السياسي إلى حد كبير.

العقد السياسي وتنظيم السلطة وعلاقته بالثورة:

ملحوظة: إن كل فيلسوف من فلاسفة العقد السياسي يختلف عن غيره في طبيعة العقد الناتج، ولكنهم يتفقون في فكرة “حالة الطبيعة”، ولكن أيضاً يختلفون حول ماهيتها. إضافة إلى ذلك، شكل المجتمع نفسه يختلف، وأيضاً العقد الاجتماعي ليس حقيقياً إنما هو شيء معنوي ويمكن التعبير عنه بصورة مادية في الدساتير. ولدينا هنا ثلاثة فلاسفة (توماس هوبز، جون لوك، جان جاك روسو).

أولاً: توماس هوبز:

ولد في عام “الأرمادا”، وعاصر الصراع بين الملك والبرلمان والصراع الديني كذلك. كما أنه جاء إلى العالم قبل موعده بشهر، فكان له مقولة شهيرة تقول: “وضعت أمي في عام الأرمادا توأمين: الخوف وأنا”. لذلك ليس مستغرباً أن حالة الطبيعة عنده هي حالة فوضوية، وأن الطبيعة البشرية أنانية بطبيعتها، وكان يرى أنه بسبب ذلك سوف يؤدي هذا الأمر إلى “حرب الكل ضد الكل”، وكان يقول: “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”. ولكن الإنسان كائن عاقل؛ لذلك سعى لأن ينهي هذه الحالة وينتقل من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع. فكان العقد هكذا: يتنازل الأفراد عن جميع حقوقهم الطبيعية لشخص ليس طرفاً بالعقد، أي أنه ليس له عليهم أي التزام، في مقابل ماذا؟ تحقيق الأمن. وقام بذكر هذا في كتابه “الليفياثان” (Leviathan)، وهو كائن أسطوري من الكتاب المقدس محصلته هو جميع أفراد الشعب، وكأن ظل الله يتجسد في الأمير ذاته، ولا يجوز المطالبة بأي حق. وهذا يشبه فلسفة بودان عن الأمير، وهيجل عن الدولة بصفة عامة؛ فالأطروحة وعكسها ستصل بنا إلى الشكل الأعظم والأمثل للتنظيم ألا وهو الدولة. وفي الحقيقة، هذا الأساس يشبه إلى حد كبير مبدأ الحق الإلهي للعروش في تقرير مصائر الشعوب، ويشبه النظم السلطوية والقمعية في عالمنا المعاصر، حيث إن الخط الفاصل بين الدولة والأمير (الحاكم) يختفي ويصل إلى مرحلة لويس الرابع عشر (أنا الدولة والدولة أنا).

ثانياً: جون لوك:

فقد عاصر أيضاً الصراع بين الملك والبرلمان، وكان داعماً شديداً للبرلمان على عكس هوبز. وكان يرى أن حالة الطبيعة هي حالة خيرة وأن الفرد خير بطبعه، ولكنه ومن أجل الحفاظ على حقوقه وضمان عدم التعدي على حقوق الآخرين، تنازل عن جزء من حقوقه لصاحب السلطة. وصاحب السلطة هذه المرة هو جزء من العقد، ويجب عليه الحفاظ على الحقوق الخاصة بالفرد وأهمها تحقيق السعادة والرفاهية، وأن السلطة الحقيقية تكون في يد من ينوب عن الأمة وهو من يراقب ويحاسب إن قصر القائم عليها. وهذا هو الشق الثاني من التنظيم الليبرالي السياسي أو الديموقراطية الليبرالية، ألا وهو مبدأ سيادة الأمة (بل في الحقيقة إن جون لوك تعتبر أفكاره هي الملهمة للثورة الأمريكية ١٧٧٦م وللثورة الفرنسية ١٧٨٩م) والمبادئ العامة لحقوق الإنسان. ولذلك نرى أن النظم الغربية وتحديداً التي تأخذ الديموقراطية الليبرالية كمنهج، تقدس الحقوق الطبيعية والنزعة الفردية، وكيف أن الدولة لا تتدخل إلا في أضيق الحدود (الدولة حارسة الليل). ويمكن تلخيص النظرة الليبرالية للدولة في المقولة الآتية: “الدولة تصنع الشر بأعظم شكل ممكن، وتصنع الخير بأسوأ شكل ممكن”. ولذلك يطلق على الولايات المتحدة “معقل الليبرالية” حيث ثقافة دافع الضرائب هي المسيطرة وسياسة الحلم الأمريكي، كل هذا يرتبط بالفلسفة الخاصة بجون لوك وفكرته عن النفعية والغائية من أجل تحقيق السعادة.

ثالثاً: جان جاك روسو:

إن لروسو مقولتين أساسيتين تلخص فكره، أولاهما: “إن الشعب الإنجليزي يظن نفسه حراً، ولكنه ليس كذلك سوى لحظة إدلاء صوته بالصندوق”؛ لذلك يرى أن السلطة تكون خاضعة للإرادة العامة وليس سواها، ويمكن عزل النائب بأي وقت، وذلك على عكس مبدأ سيادة الأمة الذي يقر بعدم عزل النائب إلا بعد انقضاء مدته ويجب أن يقدم كشف حساب لناخبيه، وهذا يا سادة ما يعرف باسم “مبدأ سيادة الشعب”. والمقولة الثانية: “الإنسان يولد خيراً ويلوثه المجتمع”. ولهذا نرى أن التنظير الماركسي قد تأثر بفكرة العقد الاجتماعي ولكن من منظور روسو، حيث إن الفكر الماركسي يقول إنه نتيجة للبنى الاجتماعية المختلة ينحو الإنسان ناحية الأنانية والانحرافات السلوكية. ونرى أن فكرة السوفييتات التي ضمت العمال معاً أو فكرة “يا عمال العالم اتحدوا” جاءت من نظرة روسو للمجتمع والسلطة، وأن السلطة ما هي إلا سيء وُضع لتضييق حرية الناس، وسوف تنتهي هذه المرحلة بالشيوعية التي نادى بها ماركس وإنجلز. وفي نفس الوقت نرى تنازل الكل عن جميع حقوقهم في التنظير الماركسي وذلك عن طريق مرحلة ديكتاتورية البروليتاريا التي تمثل تجسيداً للإرادة العامة. وفي الحقيقة، من وجهة نظري لا أرى اختلافاً بين هوبز وروسو، فكلاهما كما قال الدكتور طه بدوي: “كأنك اشتريت بكل مالك خزينة لتضع بها مالك”.

أما عن الثورة وسببها:

فبإيجاز شديد، الثورة هي عبارة عن تحول النظام السياسي والاجتماعي من النقيض إلى النقيض، وهذا تحت إرادة الشعب نفسه. نرى ذلك على سبيل المثال في الثورة الفرنسية؛ فكان لرجال الدين والطبقة الأرستقراطية ملكية أراضٍ وهم لا يشكلون سوى ١٪؜ من السكان، وبسبب الحروب التي خاضتها فرنسا لم يجد الفرنسيون ما يطعمهم، وكان الرد مريراً. وعلى الرغم من أنه لم يثبت تاريخياً، إلا أن أي إشاعة أو مقولة لابد أن يكون لها أساس واقعي، فعندما سألوا ماري أنطوانيت ماذا يفعلون؟ أخبرتهم: “فليأكلوا الكعك إذن”، في إشارة إلى حجم الانفصال عن الواقع لدى هذا النظام. وعلى رغم وجود مجلس الطبقات، إلا أن العوام لم يكن لهم أي صوت أو أي وزن يذكر، فالنتيجة ماذا؟ جاءت الثورة بشعار كان فرانسيس بيكون الكونت الثائر أول من سكه: “السلام في الأكواخ والحروب بالقصور”، في إشارة إلى فض العقد الاجتماعي بينهم وبين الملك.

ونفس الشيء مع الثورة البلشفية التي رفعت شعار (الخبز والأرض والسلام) وذلك نتيجة لنفس الانفصال عن الواقع وعدم القدرة على الحراك الاجتماعي، وإضافة إلى ذلك حجم الخسائر التي حدثت في الحرب العالمية الأولى، كما انتشرت شائعات عن علاقة زوجة القيصر نيقولا الثاني مع الراهب راسبوتين، الأمر الذي أدى إلى تدمير صورة القيصر وعائلته وأدى إلى إبادة أسرة رومانوف عن بكرة أبيها وإنهاء حكمها لعدة قرون.

إذن، اختصاراً، الثورة تمثل نهاية عقد اجتماعي وبداية آخر. وللمفارقة، الثورة والفوضى ظاهرتان متلازمتان ولا تنفصلان عن بعضهما؛ فمثلاً عقب الثورة الفرنسية دخلت فرنسا فيما يدعى باسم “عهد الإرهاب”، ونصبت المقاصل وقطعت الرؤوس لكلا من دعم الثورة ومن عارضها على حد سواء.

ختاماً:

يتبين لنا مما استعرضناه أن السلطة السياسية والنظام السياسي جميعهم يأتون كانعكاس لواقع المجتمع. ويتحقق لنا أيضاً من خلال هذا المقال أن الفلسفة التعاقدية تساهم في تفسير عدد من الظواهر الاجتماعية والسياسية، وأن الثورة في حد ذاتها ما هي سوى نهاية لعقد اجتماعي وظهور لعقد اجتماعي جديد. وإذا كان هناك شيء وحيد نستطيع أن نلخص به هذا المقال، فهو أن المجتمع والسياسة وجهان متكاملان وأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts