
إعداد
شيماء حسين اللامي
باحث في السياسة العراقية
العراق
أولاً: مقدمة
عند تحليل مسار الدولة في الأنظمة الديمقراطية الناشئة، وتحديداً في الحالة العراقية، نجد أنفسنا أمام ثنائية تحكم مشهد تشكيل السلطة التنفيذية؛ وهي ثنائية (المرجعية الدستورية) مقابل (العرف السياسي). ومن هنا يبرز مصطلح “التعثر” في تشكيل الحكومات كنتيجة للصراع بين هاتين المرجعيتين؛ حيث نشاهد حالة من الاشتباك والتعارض، فتنشأ حالة “السلطة المعطلة بالعرف”، فبينما يوفر الدستور الإطار العام، يملأ العرف السياسي التفاصيل الجوهرية. وبما أن العرف لا يعتمد على “المزاج العام” وتوازنات القوى المتغيرة فحسب، فإنه غالباً ما يكون السبب الرئيس في إطالة أمد الانسداد السياسي؛ لأن التنازل عن “عرف” يعتبر لدى القوى السياسية خسارة لمكتسبات تاريخية وطائفية.
ثانياً: المرجعية الدستورية (قواعد اللعبة المكتوبة)
تتمثل في الدستور الدائم بوصفه العقد الاجتماعي والقانون الأسمى، وهي المرجعية التي تمنح “الشرعية القانونية” لأن إجراءاتها مستمدة من النصوص، ومنها:
- المادة 76 من الدستور: التي تنظم آلية ترشيح “الكتلة النيابية الأكثر عدداً” وتحدد الأطر الزمنية والصلاحيات الحصرية لكل سلطة.
- المحكمة الاتحادية العليا: وهي الجهة الحامية للنص، والتي تتدخل لتفسير النصوص عند اشتداد الاختلاف، كما حدث في تفسير مفهوم “الكتلة الأكبر” أو نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية.
مثال: في ظل الانسداد الذي أعقب انتخابات 2021، لجأت القوى السياسية للمحكمة الاتحادية للاستفسار عن النصاب القانوني اللازم لانتخاب الرئيس (المادة 70)، حيث كانت القوى تحاول تمرير الرئيس بصيغة (النصف زائد واحد) لكسر الجمود، إلا أن قرار المحكمة أكد وجوب حضور ثلثي أعضاء البرلمان (220 نائباً من أصل 329) لعقد جلسة الانتخاب.
ثالثاً: العرف السياسي (قواعد اللعبة الواقعية)
وهو مجموعة القواعد غير المكتوبة التي استقرت عليها القوى السياسية منذ عام 2003، وهي التي تمنح “الشرعية السياسية” أو “المقبولية”. فالمحاصصة أو التوافقية هي المبدأ الحاكم لتوزيع الرئاسات الثلاث (الجمهورية، الوزراء، البرلمان)، مما جعل العرف في أحيان كثيرة أقوى من النص الدستوري، وهو ما يظهر في:
- الثلث المعطل: تحول النص الدستوري في يد القوى الرافضة للتوافق إلى أداة تسمى بـ “الثلث المعطل”، مما فرض العودة إلى طاولة المفاوضات لإثبات أن الدستور لا يطبق بمعزل عن العرف التوافقي.
- تفسير المادة 76: تدخلت المحكمة الاتحادية مراراً لتحديد مفهوم الكتلة الأكبر؛ ففي عام 2010 قررت المحكمة أن الكتلة الأكبر هي التي تتشكل داخل البرلمان بعد الانتخابات، وليس بالضرورة القائمة الفائزة بالمركز الأول، مما سمح للقوى الخاسرة بأن تجمع شتاتها وتنتزع الحق من القائمة الفائزة، وهو ما تكرر بصور مختلفة في الدورات اللاحقة.
- حكومة تصريف الأعمال: عندما طال أمد الانسداد السياسي في ظل حكومة مصطفى الكاظمي، تدخلت المحكمة الاتحادية لتقليص صلاحيات الحكومة ومنعها من تمرير القوانين المهمة، واصفة إياها بـ “حكومة تصريف أعمال يومية”، مما شكل ضغطاً هائلاً على القوى السياسية لإدراك أن الدولة تمر بحالة شلل كلي.
رابعاً: مميزات نظام الأغلبية السياسية (كحل بديل)
إن نظام الأغلبية قد يكون الأفضل في مآلاته قياساً بنظام التوافق المحاصصاتي، وذلك للأسباب التالية:
- تحقيق الاستقرار: يؤدي لنشوء حكومة قوية ومعارضة واضحة، مما يسهل على الناخب تحديد المسؤول عن الإخفاق أو النجاح ومحاسبته انتخابياً.
- الخروج من دوامة التوافق: ينهي حالة “الوزير الممثل لمكونه” بدلاً من الدولة، ويجعل القرار الحكومي مركزياً وفعالاً.
- سهولة التداول: يسمح بانتقال السلطة بين كتلتين رئيستين بيسر وسهولة.
خامسا: الاستنتاج والتوصيات
يمر العراق بحالة من الانسداد السياسي المزمن لكونه يمر بوضع استثنائي متأرجح بين ضغوط المحاور الإقليمية والدولية. إن استمرار الفشل في اختيار منهج سياسي قادر على إدارة الوضع في ظل الأزمات الاقتصادية والتهديدات الخارجية سيجعل العراق أمام مصير مجهول.
التوصيات:
- تفعيل الدور الرقابي والقانوني لكل ما من شأنه المساس بالسيادة العراقية، والعمل على إخراج العراق من حالة الاستلاب السياسي.
- العمل على إحداث تغيير في بعض مواد الدستور التي تقف عائقاً أمام تشكيل الحكومات، لضمان عدم تحول النصوص إلى أدوات للتعطيل السياسي تحت مسمى “العرف”.
- ضرورة تغليب مصلحة الوطن على المصالح الفئوية الضيقة لتجنب العودة إلى مربعات التدخل الخارجي الواضح التي سبقت عام 2003.


