On Research

وحدة الدراسات السياسية

تقدير موقف : تمكين الشباب في الشرق الأوسط في ظل النزاعات المسلحة وأثره على بناء المستقبل

Email :150

إعداد

محمد سعد محمد إبراهيم

كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية

جمهورية مصر العربية

 

 

 

مقدمة:

في منطقة تعاني من ويلات النزاعات المسلحة والتحولات السياسية العنيفة، لم يعد مفهوم تمكين الشباب في الشرق الأوسط مجرد شعار تجميلي تستخدمه المنظمات الدولية في تقاريرها السنوية، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية فرضتها وقائع الميدان. لقد تسببت الحروب في إعادة تعريف دور الشباب بشكل جذري، حيث لم يعد هؤلاء ينتظرون دورهم الطبيعي في تسلسل القيادة المجتمعية، بل قُذف بهم من هوامش صنع القرار إلى قلب الصراعات الكبرى من أجل البقاء، الصمود، وإعادة البناء. إن هذا التحول يمثل جوهر التغيير في المنطقة، حيث يتحول الشباب من ضحايا للسياسات الفاشلة إلى فاعلين أساسيين في رسم ملامح المرحلة القادمة.

واقع المنطقة: تدمير ممنهج للفرص التقليدية

شهدت المنطقة على مدار العقدين الأخيرين سلسلة من الصراعات الطويلة الأمد التي لم تترك جانباً من جوانب الحياة إلا وأصابته بالشلل؛ من المأساة السورية التي دخلت عامها الرابع عشر، إلى الحرب الأهلية في اليمن التي دمرت مقومات الدولة، وصولاً إلى الانقسامات في ليبيا والعراق. لم تقتصر آثار هذه الأزمات على الدمار المادي للبنية التحتية والاقتصادات فحسب، بل امتدت لتضرب العمق البشري من خلال تعطيل الأنظمة التعليمية بشكل كامل، وزيادة معدلات البطالة بين الخريجين إلى مستويات كارثية، وإجبار ملايين الشباب على النزوح واللجوء بحثاً عن الأمان.

للوهلة الأولى، يبدو أن البيئة التي تخلقها الحرب هي العدو الأول للتمكين، حيث تتضاءل الفرص وتسيطر الصدمات النفسية والفقر المدقع على المشهد؛ إلا أن نظرة أكثر عمقاً وتحليلاً تكشف عن مفارقة مذهلة؛ فالصراع، برغم كل ما يحمله من مآسٍ، قد دفع الشباب إلى تولي مسؤوليات قيادية في سن مبكرة جداً. في مناطق النزاع، نجد الشباب هم من يقودون المبادرات الإنسانية، وهم من يؤسسون المنظمات الشعبية، وهم من يوظفون الأدوات الرقمية ببراعة للدفاع عن السلام والعدالة الاجتماعية.

تحليل الحالة الفلسطينية: غزة كأنموذج للصمود الأسطوري

لا يمكن الحديث عن تمكين الشباب في ظل النزاعات دون الوقوف إجلالاً وتفكيكاً للحالة الفريدة في فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة. ففي غزة، يتخذ التمكين شكلاً مغايراً تماماً، حيث يواجه الشباب هناك أطول حصار في التاريخ الحديث مصحوباً بجولات متكررة من الدمار الشامل. التحليل الميداني يشير إلى أن شباب غزة استطاعوا تحويل “الحاجة” إلى “اختراع” بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

في غزة، برز الشباب كقادة في العمل الإغاثي والطبي والإعلامي. نرى قصص نجاح لشباب وشابات استطاعوا، رغم انقطاع الكهرباء وندرة المعدات، أن يديروا غرف عمليات إعلامية تنقل الحقيقة للعالم بلغات متعددة، كاسرين حاجز التعتيم. هؤلاء الشباب ليسوا مجرد ناقلين للخبر، بل هم باحثون ومحللون ومدافعون عن الحقوق الإنسانية في ظل ظروف تفتقر لأدنى مقومات الأمان.

علاوة على ذلك، أبدع الشباب الفلسطيني في غزة في مجال “الريادة الرقمية القسرية”؛ فبسبب إغلاق المعابر، توجه آلاف الشباب نحو العمل الحر عبر الإنترنت (Freelancing) والبرمجة والتصميم، ليصبح قطاع غزة من أكثر المناطق تصديراً للكفاءات الرقمية مقارنة بموارده المتاحة. هذا التمكين يمثل أعلى درجات المقاومة المدنية، حيث يرفض الشاب الغزي الاستسلام لواقع الفقر والبطالة، ويصنع لنفسه مكاناً في سوق العمل العالمي من داخل خيمته أو بيته المدمر جزئياً. إن قصة نجاح مهندس برمجيات من غزة يعمل مع شركة في أوروبا وهو تحت القصف ليست مجرد حكاية، بل هي نموذج للتمكين الذي يتجاوز حدود المستحيل.

تحليل الحالة السورية: الابتكار تحت الأنقاض

في الحالة السورية، نجد أن الشباب السوري قد استطاع خلق نظام موازٍ للحياة في المناطق الخارجة عن السيطرة أو في مخيمات اللجوء. لقد تحول الشباب إلى مسعفين، وصحفيين مواطنين، ومهندسين يحاولون استعادة الخدمات الأساسية بأقل الإمكانيات. التحليل هنا يشير إلى أن الحاجة الماسة للخدمات الطبية والتعليمية دفعت جيل الشباب إلى ابتكار حلول تقنية وإدارية لم تكن موجودة قبل الحرب. نرى قصص نجاح لشباب أسسوا منصات تعليمية عبر الإنترنت لتعويض الطلاب المنقطعين عن المدارس، واستخدموا تقنيات البرمجة لتتبع أماكن القصف وتنبيه المدنيين. هذا النوع من التمكين ليس نتاجاً لسياسة حكومية، بل هو تمكين عفوي فرضته غريزة البقاء وحب الوطن.

تحليل الحالة اليمنية: الصمود في وجه المجاعة والجهل

أما في اليمن، فقد أفرزت الحرب جيلاً من الشباب الذين وجدوا أنفسهم وسط أسوأ أزمة إنسانية في العالم. هنا، برز دور الشباب في قيادة مبادرات الإغاثة الغذائية وتوزيع المياه الصالحة للشرب. التحليل الاقتصادي للوضع اليمني يظهر أن ريادة الأعمال الشبابية الصغيرة أصبحت هي المحرك الوحيد لما تبقى من الاقتصاد المحلي. نجد قصص نجاح لمشاريع الطاقة الشمسية التي قادها شباب يمنيون لتوفير الكهرباء للمنازل والمستشفيات بعد انهيار الشبكة القومية. هؤلاء الشباب لم ينتظروا التغيير السياسي، بل صنعوا واقعاً ملموساً يساعد مجتمعاتهم على الصمود يومياً.

المفارقة الكبرى: تمكين من رحم الضرورة لا السياسة

يُسلّط هذا التحوّل الضوء على شكل جديد تماماً من أشكال التمكين، وهو التمكين النابع من الضرورة. إنه تمكين غير منظم، وغالباً ما يكون بلا أي دعم مادي أو لوجستي رسمي، ولكنه مع ذلك يمتلك تأثيراً بالغاً يفوق تأثير البرامج التقليدية. الشباب في مخيمات اللاجئين في الأردن ولبنان، على سبيل المثال، استطاعوا تحويل المخيمات من مجرد مراكز انتظار للمساعدات إلى مجتمعات حيوية تضم ورش عمل، ومدارس صغيرة، ومشاريع تجارية مبتكرة. هذا التحول يعكس مرونة وقدرة فائقة على التكيف، وهو ما يجب أن ينتبه إليه العالم.

الدعم المنظم: سد الفجوة بين الواقع والمأمول

مع كل هذه الإنجازات العفوية، لا يمكن لهذا التمكين غير الرسمي أن يحل محل الحاجة إلى الدعم المنظم والممنهج. يجب على الجهات الفاعلة الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة والمنظمات التنموية الكبرى، أن تعترف بهؤلاء القادة الشباب ليس كمتلقين للمساعدات، بل كشركاء في القرار. إن الاستثمار في هؤلاء الشباب يجب أن يتجاوز مجرد الكلام الإنشائي إلى برامج ملموسة توفر التعليم التقني والمهني الذي يتناسب مع متطلبات سوق العمل الرقمي الجديد، والتمويل الجريء للمشاريع الناشئة، والدعم النفسي المتخصص، والاندماج السياسي الحقيقي.

استراتيجيات التعافي: الشباب في الصميم

يجب أن تضع استراتيجيات التعافي بعد النزاعات الشباب في صميم خططها. إن الخطأ التاريخي الذي تقع فيه عمليات إعادة الإعمار هو التركيز على الحجر ونسيان البشر. بدون إشراك الشباب في تخطيط وتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، ستظل هذه الجهود غير مستدامة ومنفصلة عن الواقع اليومي للناس. الشباب هم من يعرفون احتياجات مناطقهم، وهم الأقدر على حماية المكتسبات التي تتحقق، لأنهم يرون فيها مستقبلهم الشخصي.

توصيات ختامية لصناع القرار والمجتمع الدولي

بناءً على ما تقدم، ومن أجل تحويل هذا التمكين العفوي إلى استدامة حقيقية، نضع التوصيات التالية أمام قادة الفكر وصناع القرار:

  • أولاً: ضرورة مراجعة القوانين والتشريعات المحلية في دول النزاع لتسهيل تسجيل المنظمات الشبابية والمبادرات الصغيرة، حيث إن البيروقراطية الحالية تعد عائقاً أمام الابتكار الشبابي. يجب خلق مسارات قانونية مرنة تسمح لهؤلاء الشباب بالعمل تحت مظلة الدولة دون تعقيدات تقتل طموحهم.
  • ثانياً: الاستثمار المكثف في البنية التحتية الرقمية، ففي زمن الحروب تصبح الإنترنت هي النافذة الوحيدة للتعليم والعمل. يجب اعتبار الوصول إلى الإنترنت حقاً أساسياً من حقوق الإنسان في مناطق النزاع، لتمكين الشباب من الالتحاق بمنصات التعليم المفتوحة والعمل عن بعد، مما يقلل من نسب البطالة والهجرة القسرية.
  • ثالثاً: تطوير صناديق تمويل سيادية وخاصة تركز على الاستثمار في المخاطر العالية داخل مناطق النزاع. إن تقديم القروض الصغيرة والمنح الذكية للشباب في فلسطين وسوريا واليمن وليبيا سيعيد تدوير العجلة الاقتصادية المحلية بشكل أسرع بكثير من قروض الدول الكبرى التي تذهب غالباً في مسارات معقدة.
  • رابعاً: إطلاق برامج دولية لحماية المبدعين والمفكرين الشباب في مناطق النزاع، وتوفير بيئة آمنة لهم للتعبير عن آرائهم والمشاركة في مفاوضات السلام. إن إقصاء الشباب عن طاولات الحوار السياسي يعني غياب الرؤية المستقبلية عن تلك الاتفاقيات، مما يجعلها هشة وقابلة للانهيار.
  • خامساً: تعزيز الشراكات بين القطاع الخاص والمنظمات الشبابية. يجب على الشركات الكبرى في المنطقة العربية أن تدرك أن استقرار السوق في المستقبل يعتمد على تمكين الشباب اليوم. لذا، فإن برامج المسؤولية الاجتماعية يجب أن تتحول إلى برامج تدريب وتوظيف حقيقية تستهدف المتضررين من النزاعات.

خاتمة: مفترق طرق ومسؤولية المؤسسات

يقف الشرق الأوسط اليوم على مفترق طرق تاريخي. إن شباب هذه المنطقة، من القدس وغزة إلى دمشق وصنعاء، ليسوا مجرد أرقام في قوائم الضحايا، بل هم أثمن مورد تمتلكه هذه البلاد للتعافي والنهوض من جديد. لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كان ينبغي علينا تمكين الشباب، بل أصبح السؤال هو: هل المؤسسات الدولية والمحلية مستعدة لمنحهم الثقة الحقيقية وترك المساحة لهم لقيادة المستقبل؟

في أوقات الحرب، لا يقتصر تمكين الشباب على توفير الفرص الاقتصادية فحسب، بل هو معركة من أجل الكرامة والأمل. إنه المسار الوحيد المتبقي للوصول إلى منطقة أكثر استقراراً وسلاماً. إن تجاهل هذه القوى الشبابية الصاعدة يعني الحكم على المنطقة بدوامات أخرى من الصراع، بينما الاستثمار فيهم هو الضمانة الوحيدة لتحويل رماد الحروب إلى منارات للبناء والتقدم. إن الشباب هم الجسر الذي سيعبر بالشرق الأوسط من الحاضر المثقل بالآلام إلى مستقبل مشرق يليق بطموحاتهم وتضحياتهم.

المصادر :

  1. https://www.unesco.org/gem-report/en/publication/2026youthreport
  2. https://www.iom.int/escalation-middle-east-and-beyond-growing-humanitarian-crisis
  3. https://www.undp.org/asia-pacific/press-releases/middle-east-military-escalation-could-cost-asia-pacific-us299-billion-undp
  4. https://www.undp.org/press-releases/military-escalation-middle-east-could-push-more-30-million-people-poverty-worldwide-un-development-programme-warns
  5. https://www.ilo.org/sites/default/files/2024-08/MENA%20GET%20Youth%20Brief%202024.pdf
  6. https://ilostat.ilo.org/data/arab-states/
  7. https://www.unicef.org/media/178911/file/Munich%20Security%20Conference_Ten%20alarming%20trends%20for%20children%20in%20armed%20conflict.pdf.pdf
  8. https://kpsrl.org/event/youth-entrepreneurship-development-in-conflict-affected-environments
  9. https://www.researchgate.net/publication/397957482_International_Organizations_and_Youth_Unemployment_in_the_MENA_Region_Challenges_Initiatives_and_Policy_Implications
  10. https://www.un.org/youthenvoy/
  11. https://www.worldbank.org/en/topic/youth
  12. https://www.unfpa.org/young-people
  13. https://www.oecd.org/en/topics/youth.html
  14. https://www.mercycorps.org/what-we-do/youth-empowerment
  15. https://www.unrefugees.org/refugee-facts/statistics/
  16. https://www.unescwa.org/our-work/youth
  17. https://www.youthpolicy.org/factsheets/
  18. https://www.usaid.gov/middle-east-regional/youth-empowerment
  19. https://www.youthpartnership.coe.int/
  20. https://www.britishcouncil.org/society/youth-voices

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts