
إعداد
محسن الشوبكي
خبير أمنى واستراتيجي
المملكة الأردنية الهاشمية
1. الإطار الاستراتيجي العام: «المقايضة الكبرى»
تنتقل القضية اللبنانية في المرحلة الراهنة من منطق “إدارة النزاع” إلى مسار إعادة هيكلة شاملة لمنظومة السلاح خارج إطار الدولة، بما ينهي استقلاليتها العملياتية. تقود الولايات المتحدة مقاربة صارمة تقوم على مبدأ المقايضة: الشرعية والتمويل مقابل حصرية القرار الأمني. في هذا السياق، لا تنظر واشنطن إلى لبنان كساحة لتوازنات تقليدية أو تسويات مؤجلة، بل كفرصة لإنهاء نموذج “الفاعلين المسلحين من غير الدول” في شرق المتوسط، ضمن ترتيبات إقليمية أوسع؛ معتبرةً أن أي استقرار مالي أو سياسي مستدام للبنان يبقى مشروطاً بإعادة ضبط المسألة العسكرية ضمن أطر الدولة.
2. الإطار الزمني الضاغط: أفق الحسم لا الموعد المعلن
على الرغم من غياب إعلان رسمي أميركي يحدّد موعداً زمنياً نهائياً، إلا أن مجمل المؤشرات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية تشير إلى تشكّل أفق زمني ضاغط ينتهي مع نهاية عام 2025. يُستخدم هذا الأفق كأداة استراتيجية لدفع الأطراف اللبنانية نحو قرارات جرى تأجيلها لسنوات، وتحويل عامل الوقت إلى عنصر ضغط موازٍ للعقوبات والقيود المالية. لا يُفهم هذا الأفق بوصفه إنذاراً زمنياً مباشراً، بل كسقف عملي يربط أي مسار دعم دولي أو إنقاذ اقتصادي بمدى التقدم في معالجة ملف السلاح، مما يجعل نهاية 2025 محطة فاصلة بين مسارين: تسوية قسرية أو تصعيد مفتوح.
3. مواقف القوى الفاعلة: ضغوط المهل والنتائج الملموسة
تعتمد الولايات المتحدة نهج “النتائج القابلة للتحقق”، مستخدمةً مزيجاً من أدوات الضغط والتحفيز، تشمل: دعم الجيش اللبناني، تسهيل القروض الدولية، والاستثمار في قطاع الطاقة؛ مقابل التلويح بعزلة مالية وسياسية متزايدة، ورفع الغطاء عن أي مؤسسة رسمية تتهاون في التنفيذ. في المقابل، يعمل الكيان الصهيوني وفق استراتيجية يمكن توصيفها بـ «الشرعية تحت الضرب»؛ إذ يعتبر أن أي تباطؤ في تحويل التعهدات السياسية إلى إجراءات ميدانية يمنحه هامشاً أوسع للتحرك العسكري، بهدف تغيير الوقائع الجغرافية وتحييد القدرات الصاروخية النوعية، مستنداً إلى غطاء دولي متزايد.
4. العامل الداخلي اللبناني: بين التسريع القسري والتعطيل البنيوي
لا يمكن فصل مسار الضغوط الخارجية عن الواقع الداخلي اللبناني، الذي يتحول بدوره إلى عامل حاسم في تسريع أو تعطيل أي تسوية محتملة. فالانهيار الاقتصادي المتواصل، وتآكل مؤسسات الدولة، واتساع الفجوة الاجتماعية؛ كلها عناصر تضغط باتجاه القبول بتسويات قاسية باعتبارها «أقل الأكلاف الممكنة». في المقابل، يشكّل الانقسام السياسي الحاد وغياب رؤية وطنية موحّدة حول مفهوم السيادة والأمن “عامل تعطيل بنيوي”، يحدّ من قدرة الدولة على تحويل الضغوط الخارجية إلى قرارات تنفيذية مستقرة، ويدفع باتجاه حلول جزئية أو انتقالية بدلاً من معالجات شاملة.
5. مؤسسة الجيش اللبناني: عمود الاستقرار وحدود الدور
في هذا المشهد المعقّد، يبرز الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة الوطنية الأكثر تماسكاً، والقادرة -نظرياً- على لعب دور جامع. غير أن تحوله إلى فاعل حاسم يبقى مشروطاً بقيود موضوعية، أبرزها: محدودية الموارد، الاعتماد الكبير على الدعم الخارجي، وحساسية التوازنات الداخلية التي تحكم انتشاره ودوره. من هنا، يُنظر إلى الجيش لا كأداة فرض قسري للحلول، بل كمرجعية وطنية جامعة ومنظِّمة لأي ترتيبات انتقالية تتعلق بضبط السلاح، بما يضمن تفادي الصدام الداخلي والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
6. رد الفعل الإيراني المتوقع: المناورة تحت الضغط الأقصى
تدرك طهران أن الولايات المتحدة مستعدة للذهاب بعيداً في التصعيد السياسي والاقتصادي، مع ترك هامش واسع للضغط العسكري غير المباشر. وعليه، يُتوقع أن يتجه السلوك الإيراني نحو “إدارة الخسائر” والانحناء المرحلي للعاصفة، عبر دفع حزب الله إلى تقديم تنازلات ميدانية مؤلمة، مثل سحب السلاح الثقيل من مناطق الاحتكاك، مع السعي للحفاظ على بنيته التنظيمية والسياسية كلاعب محلي. في هذا الإطار، قد تطرح طهران مقايضة تقوم على تجميد الدور العسكري المستقل للحزب مقابل صفقات أوسع تتعلق بملفاتها الإقليمية والعقوبات، في محاولة لاستبدال النفوذ العسكري بنفوذ سياسي داخل بنية الدولة.
7. السيناريوهات التحليلية للمرحلة المقبلة
-
أ. سيناريو التسوية التكتيكية: القبول بوضع السلاح الثقيل تحت ترتيبات ضبط مركزية وآليات إشراف منسقة، مقابل بقاء الكوادر كقوة سياسية–اجتماعية فاعلة، مما يفتح الباب أمام تدفق المساعدات الدولية.
-
ب. سيناريو الانفجار الميداني: ينتج عن الإصرار على آليات تفتيش وتحقق ميدانية في مناطق العمق، وما يقابله من رفض، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تدخل عسكري واسع بغطاء دولي.
-
ج. سيناريو التفكيك التدريجي الهادئ: نجاح الدولة، عبر الجيش، في استيعاب القدرات الدفاعية ضمن استراتيجية وطنية موحدة، مقابل ضمانات دولية بعدم الملاحقة السياسية، وإنهاء الاستقلالية العسكرية الكاملة للحزب.
8. الخلاصة الاستراتيجية: مسارات التوافق المحتملة
يتجه المشهد اللبناني نحو أحد المسارات التوافقية التالية:
-
خيار الدمج المقيد: تحويل الترسانة القائمة إلى قدرات احتياطية خاضعة لقرار مركزي تحت مرجعية الجيش، مقابل حماية سياسية ومالية.
-
خيار اللامركزية الأمنية: إنشاء مناطق خالية من السلاح النوعي، مع رقابة تقنية تضمن نتائج ملموسة للمجتمع الدولي.
-
خيار التجميد الشامل مقابل الإعمار (الأكثر ترجيحاً): وقف كامل لأي نشاط عسكري مستقل لفترة زمنية طويلة، مقابل شطب جزء من ديون لبنان وجذب استثمارات كبرى، مع بقاء السلاح خارج الخدمة الفعلية تحت مراقبة دولية.
خلاصة نهائية: يقف لبنان أمام نافذة زمنية ضيقة تفرض خيارات صعبة؛ حيث بات الوقت أداة ضغط، وأصبح الداخل عاملاً لا يقل تأثيراً عن الخارج. وبين تسوية قسرية أو انفجار مؤجل، يبقى مصير البلاد رهناً بقدرة الدولة على إدارة هذا الانتقال بأقل الأكلاف الممكنة.


