
إعداد
روان شعبان السيد
خريجة كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
جمهورية مصر العربية
مقدمة
ليست الفاشر مجرد مدينة في غرب السودان، بل هي قلب إقليم دارفور النابض، وعنوان حضارة عريقة قاومت عوادي الزمن والمحن؛ إذ كانت يوماً مقراً لسلطنة دارفور، إحدى أقدم وأقوى الممالك في المنطقة. لكن، وبكل أسف، استحال هذا الإرث ماضياً بعيداً، لتواجه الفاشر اليوم واقعاً شنيعاً بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. ولفهم أبعاد ما يحدث، يجب أن نتناول المشهد من زوايا ثلاث: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.
أولاً: الجانب السياسي (تفكيك الدولة وحصار الهوية)
بدأ حصار الفاشر تدريجياً في مايو 2024، حين شنت قوات الدعم السريع (وهي ميليشيا شبه عسكرية واسعة النفوذ) هجمات مكثفة على المدينة، باعتبارها آخر معقل استراتيجي للجيش السوداني في إقليم دارفور. وبعد اشتباكات مريرة وحصار خانق استمر نحو 18 شهراً، سقطت المدينة الباسلة عقب انسحاب القوات المسلحة، مما فتح الباب أمام انتهاكات جسيمة طالت المدنيين.
ولفهم جذور الصراع، يجب العودة إلى عام 2019؛ فبعد سقوط نظام عمر البشير، لاح أمل في تحول ديمقراطي، لكنه سرعان ما استحال صراعاً دامياً على السلطة بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). وحين رغب الجيش في دمج قوات الدعم السريع ضمن منظومة عسكرية موحدة، رفض الأخير، مما فجر حرباً أهلية أدت في نهايتها إلى انقسام فعلي للبلاد؛ شرق يسيطر عليه الجيش، وغرب تحت سطوة الدعم السريع.
اليوم، يعيش السودان حالة من “تعدد السلطات”؛ فرغم أن القوات المسلحة بقيادة البرهان تمثل الحكومة المعترف بها دولياً وتدير شؤون البلاد من بورتسودان (العاصمة الإدارية المؤقتة)، إلا أن قوات الدعم السريع تسيطر على مساحات شاسعة وتمتلك عتاداً متطوراً وتفرض أجندتها بقوة السلاح، بينما يدفع المدنيون ضريبة هذا النزاع الوجودي.
وتشير التقارير إلى استعانة قوات الدعم السريع بمرتزقة أجانب بتمويلات ضخمة، واستخدامهم في شن غارات على معسكرات النازحين، مثل “معسكر زمزم”، فضلاً عن جريمة التجنيد القسري للأطفال والمراهقين واستغلالهم في الأعمال القتالية واللوجستية. إن سقوط الفاشر ليس مجرد نكسة عسكرية، بل هو نذير بتقسيم السودان، وهو أمر قد يمتد أثره لتهديد الأمن القومي المصري وموارد النيل.
ثانياً: الجانب الاقتصادي (سياسة التجويع والأرض المحروقة)
تتمتع الفاشر بموقع استراتيجي فريد بين الجبال والوديان، وتمتاز بأراضٍ خصبة جعلت منها تاريخياً مركزاً تجارياً حيوياً، ومطمعاً للقوى المحلية والدولية لما تحويه باطنها من ثروات معدنية وذهب.
ومع اشتداد الحصار، انهار النشاط الاقتصادي تماماً؛ حيث قفزت أسعار السلع الغذائية إلى مستويات جنونية، فقد تجاوز سعر كيلو الأرز حاجز 50 دولاراً في بعض الأحيان، مما اضطر السكان المحاصرين إلى تناول “أعلاف الحيوانات” للبقاء على قيد الحياة. ولم تصل المساعدات الضئيلة إلا بشق الأنفس عبر عمليات الإسقاط الجوي، مما جعل المجاعة سلاحاً موازياً للرصاص.
ثالثاً: الجانب الاجتماعي (الاغتصاب كسلاح حرب)
يعد الملف الاجتماعي الجانب الأكثر إيلاماً في مأساة الفاشر؛ إذ استُخدم العنف الجنسي كأداة ممنهجة للإذلال والترهيب. وقد أدانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في النزاعات الهجمات الوحشية التي تعرضت لها النساء والفتيات، حيث أفادت التقارير بوقوع عمليات اغتصاب جماعي في الأماكن العامة وأثناء محاولات الفرار من المدينة.
لقد تسبب انهيار الأمن في تهجير قسري لأكثر من 470 ألف شخص من مخيمات النزوح، وسط تقارير مخيفة عن اختطاف نساء وأطفال واستغلالهم جنسياً قرب نقاط تفتيش قوات الدعم السريع. ووفقاً لمسؤولين أمميين، فإن حوالي 70% من النساء اللواتي غادرن الفاشر تعرضن لشكل من أشكال العنف الجنسي.
خاتمة
إن ما يحدث في الفاشر ليس مجرد صراع عابر على السلطة، بل هو أزمة وجودية شاملة تهدد مستقبل الدولة السودانية بأكملها. إن العنف الممنهج الذي استهدف الإنسان والموارد والنسيج الاجتماعي يمثل جريمة إنسانية مكتملة الأركان. لذا، فإن أي جهود دولية لإعادة الإعمار أو الحل السياسي يجب أن تنطلق من فهم عميق لهذه الأبعاد المعقدة، وضمان محاسبة المتورطين في هذه الفظائع التي يندى لها جبين البشرية.
المصادر
https://www.ungeneva.org/ar/news-media/news/2025/11/112772/hyyt-alamm-almthdt-llmrat-ajsad-alnsa-asbht-msrha-lljrymt-fy-alswdan?utm_source=chatgpt.com


