On Research

وحدة الدراسة القانونية

عرض لرسالة ماجستير بعنوان: المسؤولية الجزائية عن جرائم التزييف العميق – دراسة مقارنة.

Email :197

إعداد

فريق عمل المركز

وحدة الدراسات القانونية

 

 

 

مقدمة

قدمت الباحثة صابرين جاسم مكطوف رسالة ماجستير بعنوان : المسؤولية الجزائية عن جرائم التزييف العميق – دراسة مقارنة لكلية القانون بجامعة ميسان بدولة العراق ، عام 2025،

حيث انبثقت هذه الأطروحة من رحم واقع تكنولوجي شديد التعقيد والخطورة، حيث لم تعد الجريمة في عصرنا الراهن مجرد فعل مادي ملموس يقع في حيز مكاني محدد، بل تطورت لتصبح “فعلاً خوارزمياً” يمارس تضليلاً يفوق قدرة الإدراك البشري على التمييز والاكتشاف. وفي هذا السياق، تضع الباحثة يدها على واحدة من أكثر القضايا إثارة للقلق والجدل في أروقة الفقه الجنائي المعاصر، ألا وهي تقنية “التزييف العميق” (Deepfake). إن الفلسفة العميقة التي تقوم عليها هذه الرسالة تتجاوز مجرد الرصد الوصفي للعقوبات، لتغوص في صميم مفهوم “الحقيقة القانونية” في عصر الزيف الرقمي. فإذا كان القانون الجنائي يهدف في غايته الأسمى إلى حماية المصالح المعتبرة للمجتمع والأفراد، فإن هذه التقنية المستحدثة قد وجهت ضربة مباشرة لأثمن تلك المصالح؛ وهي: السمعة، وحق الإنسان في التمتع بخصوصية هويته البيومترية، فضلاً عن تقويضها لـ “الثقة العامة” في الأدلة الجنائية. ومن هنا، تؤسس الدراسة قناعتها بأن التزييف العميق ليس مجرد أداة برمجية، بل هو سلاح إجرامي ناعم وقادر على هدم الكيانات، وتزييف الإرادات، والاعتداء على الحرمات الشخصية بأساليب لم تكن النصوص الجنائية الكلاسيكية، التي صيغت في عقود ماضية، قادرة على التنبؤ بها أو الإحاطة بآثارها المدمرة.

الإشكالية البحثية ومحاور القصور التشريعي

وانطلاقاً من هذا التأسيس الفلسفي، تتبلور الإشكالية المركزية للدراسة في حالة “القصور التشريعي” أو العجز النسبي الذي تعاني منه النصوص العقابية القائمة عند مواجهتها للطبيعة السيبرانية المارقة لجرائم التزييف العميق. ولا تقف هذه الإشكالية عند بعد واحد، بل تتفرع وتتشابك لتطال عدة مستويات جوهرية. فعلى مستوى التوصيف التجريمي، يثور تساؤل حرج حول إمكانية اعتبار مقطع الفيديو المزيف نوعاً من أنواع “التزوير”، خاصة وأن جريمة التزوير في صورتها التقليدية تشترط وقوع التلاعب على “محرر مادي”، وهو ما يتنافى مع الطبيعة اللامادية للمقاطع الرقمية. وتمتد الإشكالية لتشمل مستوى “المسؤولية الجنائية”، حيث تتعقد خيوط الجريمة في الفضاء الافتراضي لتثير الحيرة حول هوية الجاني الحقيقي؛ فهل يُسأل مبرمج الخوارزمية الذي أتاح الأداة للعموم، أم يقتصر العقاب على المستخدم النهائي، أم أن هناك مسؤولية مفترضة تقع على عاتق منصات التواصل الاجتماعي التي شكلت مسرحاً ومحركاً لانتشار الجريمة؟ وصولاً إلى المستوى الإجرائي المتمثل في “أزمة الإثبات”، حيث تواجه منصة القضاء تحدياً غير مسبوق في كيفية الركون إلى دليل رقمي (صوتي أو مرئي) في ظل وجود تقنيات تجعل من المستحيل تقريباً على العين البشرية أو الخبرة الفنية البسيطة اكتشاف الزيف.

الماهية التقنية والقانونية للظاهرة وتجلياتها الإجرامية

وقبل الخوض في غمار التجريم والعقاب، كان لزاماً على الباحثة أن تمهد لبحثها بتفكيك هذه الظاهرة من الزاويتين التقنية والقانونية لضبط المصطلحات وتوحيد المفاهيم. فمن الناحية التقنية، أوضحت الدراسة أن التزييف العميق يعتمد بشكل أساسي على ما يُعرف بـ “شبكات التوليد التنافسية” (GANs)، وهي بنية ذكاء اصطناعي تقوم على تدريب الآلة عبر تغذيتها بآلاف الصور والمقاطع الصوتية لشخص معين، لتقوم لاحقاً بإنتاج محتوى جديد يحاكي ملامح وجه الضحية ونبرة صوتها بصدق مخيف. وبناءً على هذا الفهم التقني، صاغت الباحثة تعريفاً قانونياً دقيقاً للظاهرة بوصفها “كل اعتداء غير مشروع، يقع على الحقوق والمصالح المحمية قانوناً، ويتم باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى زائف يوهم المتلقي بحقيقته”.

وهذا التعقيد التقني سرعان ما يترجم نفسه إلى صور إجرامية متعددة ومتنوعة الفداحة في الواقع العملي. فقد استعرضت الدراسة أبشع هذه التجليات، والتي يتصدرها “الابتزاز الرقمي وصناعة المحتوى الإباحي المفبرك”، حيث يتم تركيب وجوه الضحايا على مشاهد مسيئة لتدمير سمعتهم أو ابتزازهم مالياً. ولا يتوقف الأمر عند المساس بالشرف، بل يتعداه إلى جرائم “الاحتيال وانتحال الشخصية”، كأن يُستنسخ صوت مسؤول مالي للإيعاز بتحويل أموال طائلة، وصولاً إلى أخطر صور الاعتداء المتمثلة في “التضليل السياسي والأمني”، عبر تزييف خطابات لقادة ومسؤولين بهدف زعزعة الاستقرار المجتمعي أو التأثير على سير العمليات الديمقراطية.

البنيان القانوني للجريمة (الركنان المادي والمعنوي)

ولكي يستقيم البنيان القانوني لأي جريمة ويحق فيها العقاب، لا بد من توافر أركانها المستقرة في الفقه الجنائي. وفي هذا السياق، عمدت الباحثة إلى إسقاط الأركان الكلاسيكية على جريمة التزييف العميق المستحدثة لمعرفة مدى الملاءمة. بخصوص “الركن المادي”، أوضحت الدراسة أنه يتجسد في السلوك الإجرامي المتمثل في “فعل الإنشاء والتوليد الاصطناعي” للمحتوى، متبوعاً بالنتيجة الإجرامية وهي إحداث الضرر الفعلي المادي أو المعنوي للضحية. وقد سلطت الباحثة الضوء على خاصية فريدة لهذا الركن المادي، وهي كونه غالباً ما يكون “عابراً للحدود”، حيث قد يقبع الجاني في دولة خلف شاشته، بينما تتحقق النتيجة الإجرامية ويتضرر المجني عليه في دولة أخرى، مما يخلق إشكاليات معقدة حول تنازع الاختصاص المكاني للقوانين.

أما على صعيد “الركن المعنوي”، فقد أكدت الدراسة أن جرائم التزييف العميق هي جرائم عمدية بامتياز، تتطلب توافر القصد الجنائي العام بعنصريه: العلم والإرادة؛ أي أن يكون الجاني عالماً بخطورة ما يصنعه وبكون المحتوى زائفاً، وأن تتجه إرادته الحرة نحو استخدام هذا الزيف للإضرار بالغير. غير أن الباحثة لفتت الانتباه إلى نقطة قانونية دقيقة، وهي أن بعض صور هذه الجريمة، كجرائم الابتزاز المالي أو التشهير الانتقامي، تتطلب بالإضافة إلى القصد العام “قصداً جنائياً خاصاً”، يتمثل في نية تحقيق منفعة مادية غير مشروعة أو الرغبة المبيتة في إلحاق الأذى والإكراه.

تحديد النطاق الشخصي للمسؤولية الجنائية

ومتى ما اكتملت أركان الجريمة وتحددت معالمها، يثور التساؤل المنطقي والحيوي حول تحديد النطاق الشخصي للمسؤولية الجنائية. فالجريمة السيبرانية المعقدة نادراً ما تقع بجهد فردي معزول، بل هي غالباً ثمرة لبيئة تكنولوجية متداخلة الأطراف. من هذا المنطلق، فككت الباحثة مستويات المسؤولية ببراعة؛ فوضعت في صدارة المشهد “الفاعل الأصلي”، وهو الجاني الذي باشر بنفسه عملية التزييف والنشر. ثم انتقلت لمناقشة “مسؤولية الشريك”، لتفتح الباب أمام مساءلة مبرمجي أدوات الذكاء الاصطناعي متى ما ثبت علمهم اليقيني وتوافرت لديهم النية في تسهيل استخدام برامجهم لأغراض إجرامية.

ولم تكتفِ الدراسة بملاحقة الأشخاص الطبيعيين، بل اقتحمت منطقة بالغة الأهمية وهي “مسؤولية الأشخاص المعنوية”، وتحديداً شركات التكنولوجيا الكبرى ومنصات التواصل الاجتماعي. فقد أسست الباحثة لضرورة مساءلة هذه الكيانات جنائياً إذا ثبت تقاعسها المتعمد عن توفير أدوات الحماية التقنية، أو تباطؤها في حذف المحتوى المزيف فور تلقيها للإشعارات، استناداً إلى التوجهات القانونية الحديثة التي بدأت تنظر إلى هذه المنصات ليس فقط كمجرد وسائط ناقلة، بل كحراس بوابة يتحملون تبعات ما يُنشر عبر خوادمهم.

المقاربة التشريعية ورصد الفجوات

ولما كانت ظاهرة التزييف العميق لا تعترف بالحدود الجغرافية أو السيادية، لم يكن من المقبول علمياً الاكتفاء بالنطاق المحلي حصراً، بل اقتضت الضرورة المنهجية إجراء مقاربة تحليلية وتأصيلية مع أنظمة قانونية متباينة لرصد الفجوات واستلهام الحلول. وفي عرضها للموقف في “العراق”، شخصت الباحثة بدقة حالة الفراغ التشريعي الجزئي؛ حيث لا يزال القضاء يعتمد مرغماً على القواعد العامة المتناثرة في قانون العقوبات التقليدي وبعض النصوص ذات الصلة بجرائم الاتصالات، وهي نصوص تفتقر إلى التوصيف الدقيق وتؤدي إلى تفاوت في الاجتهادات القضائية وتضعف من فاعلية الردع.

وفي المقابل، انفتحت الدراسة على التجربة اللاتينية ممثلة في “المشرع الفرنسي”، الذي وُصف بالسبق واليقظة. فقد بادر بتعديل صريح لقانون العقوبات يجرم على نحو قاطع نشر أي تركيب أو توليف لصورة شخص أو صوته دون موافقته الصريحة، معتبراً ذلك استباحة للحياة الخاصة، مع إقرار ظروف مشددة متى ما ارتبط النشر بالشبكة المعلوماتية. كما توجت الباحثة مقاربتها بالوقوف على التجربة المؤسسية الرائدة لـ “الاتحاد الأوروبي” عبر استعراض قانون الذكاء الاصطناعي (AI Act)، الذي تجاوز فكرة العقاب اللاحق ليؤسس لنهج احترازي قائم على فرض التزامات قانونية بالشفافية المطلقة، تُلزم صُنّاع التزييف العميق بوضع علامات واضحة تفصح للمتلقي عن طبيعة المحتوى الاصطناعية، حمايةً للمجتمع من آفة التضليل الممنهج.

الخلاصات العلمية والرؤية الاستشرافية للإصلاح

وبعد هذه الرحلة العلمية الشاقة من التقصي والمقارنة والتحليل، تبلورت لدى الباحثة رؤية واضحة تجسدت في حزمة من الخلاصات العلمية القاطعة، والتي تلاها رسم خريطة طريق استشرافية للإصلاح. فقد أثبتت الدراسة أن تقنية التزييف العميق تمثل تهديداً وجودياً لمنظومة القيم التي يحميها القانون الجنائي، وأن محاولة استيعابها ضمن النصوص التقليدية للتزوير أو القذف هو مجرد معالجة ترقيعية لا تتناسب مع فداحة الأثر الناجم عنها.

وتأسيساً على ما سبق، أطلقت الباحثة “روشتة إصلاح متكاملة”. فعلى الصعيد التشريعي، أوصت بضرورة الإسراع في استصدار قوانين حديثة لمكافحة الجرائم المعلوماتية، تُفرد فصولاً خاصة للجرائم المرتكبة بواسطة الذكاء الاصطناعي، مع إقرار “ظرف مشدد” لكل جريمة كلاسيكية (كالاحتيال أو التشهير) إذا نُفذت باستخدام أدوات التزييف العميق. وعلى الصعيد الإجرائي والأمني، طالبت الدراسة بضرورة إحداث ثورة في منظومة الإثبات، عبر تأهيل الكوادر القضائية، وتزويد المختبرات الجنائية ببرمجيات “ذكاء اصطناعي مضاد” وتأسيس لجان خبرة رقمية متقدمة قادرة على كشف التلاعب الخوارزمي في الأدلة. وفي الختام، دعت إلى بناء شراكات مؤسسية صارمة مع مزودي خدمات الإنترنت لتفعيل آليات الرصد والحجب الفوري، مؤكدة أن المعركة مع الجريمة الرقمية لا تُحسم بالنصوص وحدها، بل بتكامل الإرادة التشريعية مع التفوق التكنولوجي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts