
إعداد
بسنت السيد
باحثة في الشؤون الاقتصادية والسياسية
جمهورية مصر العربية
حالة من الترقب الحذر يشهدها العالم منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي انعكست على حركة التجارة العالمية، وبالتالي على الشريان الاقتصادي المصري، ممثلاً في قناة السويس التي تعد من أهم الممرات الملاحية بعد مضيق هرمز.
ففي الوقت الذي تحاول فيه مصر بعد سنوات من المعاناة والضغوط الاقتصادية الطاحنة منذ عام 2019 وأزمة الكورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، مروراً بالحرب على قطاع غزة، أن تلتقط الأنفاس لتبدأ من جديد مرحلة التعافي بافتتاح المتحف المصري الكبير الذي لفت أنظار العالم ليستقبل الملايين من السائحين على مستوى العالم، فتأتي الحرب على إيران محطمة للآمال ومعرقلة للطموحات المصرية؛ ففي غضون يومين فقط، تبخرت مكاسب ثمانية أشهر للجنيه، وتبدلت حالة التفاؤل الحذر في الأسواق إلى موجة تخارجات وضغوط تمويلية، لتجد الحكومة نفسها أمام اختبار جديد، قبل أن تنتهي تداعيات الأزمات السابقة.
حقائق وأرقام
فالاقتصاد الذي كان يراهن على موسم سياحي رائج في 2026، وتدفقات استثمارية مستقرة، وتحسن تدريجي في سوق الصرف، بدأ يشهد تراجعاً في سعر صرف الجنيه بنحو 3.8% متجاوزاً 50 جنيهاً للدولار، وسط خروج استثمارات بالمليارات من أدوات الدين المحلية.
ووفقاً لتقارير حول أداء البورصة، منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فقد هبط المؤشر الرئيسي 2% متبوعاً بمبيعات من المستثمرين العرب والأجانب.
كما فقدت الأسهم منذ بداية الحرب نهاية فبراير الماضي، نحو 21.2 مليار جنيه من قيمتها السوقية، لتسجل 3.1 تريليون جنيه، مع تراجع نحو 64% من الأسهم المتداولة والبالغ عددها 216 سهماً. وسجل المستثمرون الأجانب صافي بيع بقيمة 753 مليون جنيه، وفقاً لتقرير نشرته “بلومبيرج”.
تداعيات الحرب على قناة السويس
أما على مستوى قناة السويس، فقد أوقفت غالبية الشركات المرور عبر القناة وكان آخرهم “ميرسك”؛ مما يطرح تساؤلات حول مصير قناة السويس وهل بحكم موقعها تصبح رهينة جغرافية لحرب إيران، في الوقت الذي تتبنى فيه مصر استراتيجية الحياد الإيجابي النشط لحماية أمنها القومي.
وفي هذا السياق، يعزو الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، أن قناة السويس أصبحت رهينة جغرافية للحرب الإيرانية-الأمريكية بسبب موقعها الاستراتيجي بين مضيق هرمز المغلق ومضيق باب المندب المهدد، موضحاً أن مصر تواجه تحدياً مزدوجاً يتطلب استراتيجية دقيقة لحماية مصالحها الحيوية دون الانجرار إلى الصراع المشتعل.
تداعيات غلق مضيق هرمز على قناة السويس
إن إغلاق مضيق هرمز لليوم الـ38 على التوالي يهدد قناة السويس من جهتين؛ موضحاً أن الجهة الأولى هي تحويل الخطوط الملاحية الآسيوية-الأوروبية من طريق السويس إلى رأس الرجاء الصالح تجنباً للمرور عبر منطقة الحرب. ففي الوقت الذي بدأت تتعافى فيه القناة من انتكاسة هجمات الحوثيين على البحر الأحمر وشهدت تحسناً ملموساً في النصف الأول من العام المالي 2025 – 2026، جاءت الحرب الإيرانية لتلقي بظلالها فأوقفت هذا التعافي وأعادت للقناة خسائر تقدر بمليارات الدولارات شهرياً، إضافة إلى ارتفاع تكلفة التأمين البحري على السفن العابرة للقناة بنسبة تصل إلى 300% بسبب المخاطر الأمنية.
حين تشتعل المنطقة… هل تدفع قناة السويس وحدها الثمن؟
ومن الناحية الاقتصادية يرى الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح أن “أخطر ما في التصعيد هو النفط الذي يضغط على الدولار والتضخم وإيرادات القناة في وقت واحد”.
وعلى الرغم من الهدنة المؤقتة والتي قد تشعل الصراع من جديد في أي لحظة، فالسؤال الذي يقلق صناع القرار والمستثمرين معاً: “هل أي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن تتحول من حدث سياسي إلى صدمة تضرب مصادر الدولار في مصر دفعة واحدة؟”. الواقع يشير إلى أن أول أثر للأزمة يظهر في الممرات البحرية، وتحديداً قناة السويس التي حققت إيرادات كبيرة خلال عام 2025 وفق تقديرات هيئة القناة.
الخسائر الاقتصادية لغلق المضيق
ومع تصاعد التوترات الجديدة منذ فبراير 2026، بدأت شركات الشحن في إعادة رسم مساراتها بشكل مؤقت، ما قد يؤدي إلى خسائر على القناة على مدى الشهور المقبلة، وفقاً لتقديرات غير رسمية؛ إذ إن إعادة سلاسل الإمداد لن تكون سريعة حتى مع هدوء التوتر.
أسعار النفط ارتفعت مجدداً في أبريل 2026 بسبب مخاطر الإمدادات في الخليج، وهو ما يرفع تكاليف استيراد الطاقة، في وقت يعاني فيه العجز التجاري من ضضغوط مستمرة، إضافة إلى التضخم الحضري الذي وصل إلى مستويات مرتفعة، مما يزيد الضغوط على القدرة الشرائية للمواطن.
وبالنسبة إلى الأسواق المالية، يؤكد الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح أنها أظهرت حساسية مفرطة، مع تخارج الأموال الساخنة وارتفاع سعر الصرف، وتكلفة التأمين على الديون السيادية، مما يعكس أن المخاطر يتم تسعيرها فعلياً في السوق.
وعلى الرغم من ذلك، توفر الاحتياطيات النقدية وتحويلات المصريين بالخارج وسادة مهمة لامتصاص الصدمات، لكنها ليست بلا حدود. أما السياحة، فقد شهدت تراجعاً جزئياً في الحجوزات والإيرادات في الربع الثاني من 2026.
ويرى أبو الفتوح أن التحدي الأكبر ليس في كل صدمة على حدة، بل في تزامن عدة صدمات معاً: تراجع محتمل في إيرادات القناة، ضغوط على سعر الصرف، وارتفاع أسعار الطاقة. البنك المركزي، الذي خفض الفائدة منذ أبريل 2025، قد يحتاج لإعادة تقييم المسار إذا استمرت الضغوط التضخمية، خاصة أن التضخم لا يزال أعلى من الهدف الرسمي عند 7% في نهاية 2026.
وحول انعكاسات الأزمة، يؤكد أبو الفتوح أن نبض الشارع يشير إلى أن أي ارتفاع في الوقود أو النقل ينعكس مباشرة على الأسعار اليومية للمواطنين، والفجوة بين المؤشرات الكلية والواقع اليومي ما زالت كبيرة، وهو أحد أخطر التحديات التي تواجه صانع القرار الآن.
الاستراتيجية المصرية في إدارة الأزمة
وسط كل هذه الصراعات المتصاعدة تقف الإدارة المصرية الرشيدة، حيث يؤكد الباحث السياسي عبد الغني الحايس على جاهزية القيادة السياسية فيما اتخذته من إجراءات تعتمد على الجهوزية والحشد العسكري؛ فمصر لم تكن يوماً ما دولة معتدية بل تحترم سيادة الشعوب واستقلالها، من خلال بناء جيش عصري قوي يحمي مصر ويصون كرامتها بين الأمم. فما شهده الجيش من طفرة كبيرة في التحديث والتطوير والتسليح وتنويع مصادر السلاح من فرنسا، وألمانيا، وروسيا، وإيطاليا، والصين، والولايات المتحدة الأمريكية، وإنشاء القواعد العسكرية كقاعدة محمد نجيب، وقاعدة برنيس، وسيدي براني.
كما تم إنشاء الأسطولين الشمالي والجنوبي لحماية سواحل مصر، وفي المجال الجوي تعاقدت مصر على طائرات الرافال الفرنسية ومروحيات روسية، والفرقاطة تحيا مصر، واستلام 4 غواصات ألمانية. كما تم دعم القوات البحرية بحاملتي المروحيات الميسترال (جمال عبد الناصر والسادات).
وتهتم الدولة متمثلة في وزارة الدفاع بالاهتمام بالفرد المقاتل لكل من الضباط وصف الضباط والجنود، وتدريبهم على أحدث أساليب التكنولوجيا في التدريب لمواكبة التحديثات العصرية للعالم الرقمي.
الخلاصة
الاقتصاد المصري يدخل منطقة اختبار حقيقية؛ فالاحتياطي النقدي والتحويلات المرتفعة يوفران وسادة، لكنها ليست بلا حدود. السؤال المفتوح: هل تبقى الأزمة عابرة، أم نكون أمام إعادة تشكيل طويلة لمسارات التجارة والتمويل في المنطقة؟


