عرض وترجمة الكتاب الصادر عن اليونيسكو لعام 2025 بعنوان :
الذكاء الاصطناعي ومستقبل التعليم: تقاطعات فلسفية، وإشكاليات أخلاقية، وتوجهات مستقبلية
AI and the future of education: disruptions, dilemmas and directions
عرض وترجمة
وحدة دراسات الذكاء الاصطناعى بالمركز
نسخة الكتاب الأصلى من 165صفحة وتم ترجمته من اللغة الإنجليزية .
يمثل ظهور الذكاء الاصطناعي، وخاصة النماذج التوليدية، لحظة فارقة في تاريخ التعليم، لا تقل تأثيراً عن اختراع المطبعة أو ظهور الإنترنت. فهو لا يقتصر على كونه أداة تقنية جديدة فحسب، بل يشكل قوة تحويلية تعيد تشكيل مفاهيم التعلُّم، والتّدريس، والمعرفة، والعلاقات التربوية ذاتها. يناقش تقرير اليونسكو الموسوعي، الصادر بعنوان “الذكاء الاصطناعي ومستقبل التعليم: اختلالات، ومعضلات، وتوجهات”، هذه التحولات من خلال مجموعة من المقالات الفكرية التي تقدم قراءات متعددة، ومتقاطعة، وأحياناً متضاربة، لتأثير الذكاء الاصطناعي على المشهد التعليمي العالمي.
المعضلة الأساسية: الوعد بالتحول مقابل خطر تعميق الفوارق
يستهل التقرير بتسليط الضوء على التناقض الجوهري الذي يصاحب انتشار الذكاء الاصطناعي في التعليم. فبينما يعد بإمكانيات هائلة لتخصيص التعلُّم، وتوسيع نطاق الوصول إلى المعرفة، وتحرير وقت المعلمين من المهام الروتينية، فإنه يأتي محملاً بمخاطر جسيمة. فأكثر من ثلث سكان العالم لا يزالون غير متصلين بالإنترنت، مما يعني أن الوصول إلى أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي يظل حكراً على من يمتلكون البنية التحتية والامتياز اللغوي والمالي. هذه الفجوة لا تحدد فقط من يمكنه استخدام التكنولوجيا، بل تحدد أيضاً المعارف، والقيم، واللغات التي تهيمن على هذه الأنظمة، مما يهدد بتكريس التمركز الغربي للمعرفة وإقصاء المعارف المحلية واللغات المهمشة. وهكذا، يصبح الذكاء الاصطناعي ساحة جديدة للصراع بين الشمول والاستبعاد، وبين الرؤى التجارية الضيقة والغايات التربوية الإنسانية.
الاستفاقات الفلسفية: إعادة النظر في أسس التربية
يتعمق القسم الأول من التقرير في الأسئلة الفلسفية الجوهرية التي يثيرها الذكاء الاصطناعي. ففي محادثة مع الفيلسوف بايو أكومولافي، يتم تحدي المفاهيم الحديثة عن “الذات العاقلة” المستقلة. يرى أكومولافي الذكاء الاصطناعي ليس كأداة أو تهديد فقط، بل كـ “محاور أكثر-من-بشري” يزعزع اليقينيات الأنطولوجية والمعرفية التي تقوم عليها التربية الحديثة. يدعو إلى “تبنُّين” النماذج التربوية البالية و”استضافة” الاضطراب والانكسارات كمساحات للتولُّد المعرفي الجديد. يقترح تحولاً من “المنهج كبنية” إلى “المنهج كتجمُّع” حيوي، حيث يكون التعلُّم علائقياً، ناشئاً، وقابلاً للتأثر بالوكالات غير البشرية، بما فيها الذكاء الاصطناعي.
في مقالة مكملة، تستحضر بينغ سونغ التقاليد الفلسفية الآسيوية، وخاصة الكونفوشيوسية والطاوية، التي تركز على الانسجام، والعلائقية، والتوازن الداخلي. وتنتقد هيمنة “بارادايم الذكاء” الضيق، الذي يحاكي الذكاء الاصطناعي جوانب معينة من الذكاء البشري بينما يتجاهل الحكمة، والتأمل الذاتي، والأبعاد الأخلاقية. تدعو إلى إدماج “تربية الحكمة” في صلب المناهج، كمساحة للتأمل في ماهية الإنسان، والذات، والعقل، والواقع، لمواجهة خطر “أتمتة الإنسان” وفق معايير الآلة
باستعارة قوية، تقدم ماري رايس وخواكين أرجويلو الماء كمجاز لتداخل الذكاء الاصطناعي مع التعليم. فكما أن الماء كان المعلم الأول (من خلال الصبر والتحول البطيء)، والتكنولوجيا الأولى (من خلال اللعب والإبداع)، وأول ندرة (بسبب الاستغلال)، فإن الذكاء الاصطناعي يحمل هذه الوجوه المتعددة. يحذر المقال من الاستهلاك الجائر للموارد (مثل المياه والطاقة) لتشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ومن خطر تحويل التعليم إلى تجربة مجردة ومنفصلة عن الاحتكاك المادي المباشر بالعالم، مما يهدد بإعادة إنتاج أنماط الاستعمار واللامساواة.
جدلية القوى والمخاطر: بين التبني الحذر والرفض الجذري
ينقسم المفكرون حول مدى قبول الذكاء الاصطناعي في التعليم. فمن منظور صناعي، يقدم أندرياس هورن رؤية عملية، داعياً إلى تبني استراتيجية واضحة تضع “البيداغوجيا أولاً”. يؤكد على ضرورة استثمار قدرات المعلمين، وجعل معرفة القراءة والكتابة الرقمية والذكاء الاصطناعي أساسية، ووضع ضوابط أخلاقية صارمة، وإعداد الطلاب لقيادة عالم غني بالذكاء الاصطناعي، وليس لمجرد التكيف معه.
في المقابل، تقدم إيميلي إم. بندر نقداً لاذعاً وجذرياً. تصف النماذج اللغوية الكبيرة بأنها “خدعة بارلورية” تقوم على محاكاة الشكل اللغوي دون الفهم أو القصد. وتجادل بأن أي ذكاء نراه فيها هو مجرد إسقاط لإدراكنا البشري عليها. وتحذر من أن هذه الأنظمة تنتج “معلومات خاطئة مخصصة” لكل طالب، وتختزل التعليم إلى تراكم معرفي منفصل عن مجتمعات المعرفة، وتقوض العلاقات الأساسية بين الطلاب والمعلمين. وتخلص إلى أن تبني هذه التقنيات في الأنظمة التعليمية، خاصة ذات الموارد المحدودة، هو إهدار للتمويل العام وتحويل للتعليم من مرفق عام إلى سوق لشركات التكنولوجيا.
ويوسع ماركوس ديمان وروبرت فارو النقاش ليشمل “التخيلات الاجتماعية” المتضاربة حول الذكاء الاصطناعي. يقدمان جدولاً يوضح هذه التخيلات، من “اليوتوبيا التقنية-الحلولية” التي ترى في الذكاء الاصطناعي منقذاً للتعليم، إلى “الديستوبيا الليبرتارية-السيبرانية” التي تدفع نحو خصخصة التعليم وتحرره من الرقابة الديمقراطية، وصولاً إلى “الكارثة الإيكولوجية” الناجمة عن الاستهلاك الهائل للطاقة والبيانات. يؤكدان على ضرورة أن يشارك التربويون بنشاط في تشكيل هذه التخيلات، مستندين إلى قيم العدالة، والشمول، والاستدامة، والعناية.
البيداغوجيا والتقويم على محك الذكاء الاصطناعي
يستكشف القسم التالي التأثيرات المباشرة على الممارسة التعليمية. تحذر أبيبا بيرهان، مستندة إلى بيداغوجيا باولو فريري النقدية والعلوم المعرفية المتجسدة، من أن التعليم عملية علائقية، وديناميكية، وأخلاقية في جوهرها، لا يمكن اختزالها إلى أنماط احتمالية.
تشير إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي، المدربة على بيانات الماضي، تميل إلى تسطيح التعقيد البشري وإعادة إنتاج التحيزات واللامساواة المنهجية. وتدعو إلى مقاومة التبني غير النقدي للذكاء الاصطناعي في الفصول الدراسية حتى يتم وضع ضوابط رقابية مستقلة وآليات مشاركة مجتمعية ذات معنى.
تتناول كل من كارلا إيرتس وبول برينسلو إشكالية “التخصيص الفائق” للتعلم. بينما يعده البعض بوابة للتعلم الأمثل، ويحذران من عواقبه المعزولة، حيث يمكن أن يؤدي إلى عزل المتعلمين في “غرف صدى” معرفية، وتقويض الاستقلالية، وتهميش دور المعلم. بدلاً من ذلك، يقترحان نموذجاً “يعيد تَخليق” التعلم، حيث يعمل الذكاء الاصطناعي كحضور ثالث داعم في ذكاء جمعي، يثري التعاون، والتعاطف، والوكالة الطلابية.
أما في مجال التقويم، فيقدم مايك بيركنز وجاسبر رو نظرة متشائمة إلى حد ما، مجادلين بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعرض “نهاية التقويم كما نعرفه”. فمع تطور النماذج، لن تعود الاختبارات التقليدية، سواء كانت داخل القاعة أو خارجها، قادرة على قياس التعلم الحقيقي للطلاب بشكل موثوق. ويحذران من أن هذا الانهيار لن يكون متساوياً، بل سيعمق الفجوات العالمية، حيث ستتبنى السياقات المتمتعة بموارد رقمية تقويماً متقدماً ومتكاملاً مع الذكاء الاصطناعي، بينما تظل السياقات المهمشة رقمياً عالقة في نماذج تقييم تقليدية قائمة على الحفظ والاستظهار. حيث يقترحان إطاراً متدرجاً (مثل مقياس تقييم الذكاء الاصطناعي AIAS) لتوجيه المعلمين في تحديد متى يدعم استخدام الذكاء الاصطناعي التعلم ومتى يقوضه.
من ناحية أخرى، يقدم بيل كوب وماري كالانتزيس وأكاش كومار سايني رؤية أكثر تفاؤلاً وتوجهاً نحو المستقبل. ويرون في الذكاء الاصطناعي شريكاً محتملاً لإحداث تحول جذري في التقويم. ينقدون بشدة نماذج الاختيار من متعدد والاختبارات الموحدة، ويرون فيها أدوات بالية تقيس “التعلم السطحي”. وبدلاً من ذلك، يتصورون بيئات تعلم “اجتماعية-سيبرانية” حيث يذوب الفاصل بين التعليم والتقويم. في هذه البيئات، يوفر الذكاء الاصطناعي تغذية راجعة مستمرة، وغنية، وتكوينية، تعمل بناءً على “وكلاء المعايير” التي يصممها المعلم، ومعرفة موثوقة، وتتبع لمنطقة المعرفة التقريبية للطالب. في هذا النموذج، يصبح التقويم الختامي مجرد نظرة راجعة على التقدم المستمر، ويتم إعادة تركيز التعليم على “الأداء المعرفي المعقد” والمهارات الإنسانية الفريدة.
إعادة تقييم وتوسيط المعلم البشري
في خضم هذا التحول، يبرز سؤال جوهري عن دور المعلم. يتناول تشينغ سينغ تشاي وزملاؤه هذا التحدي من خلال عدسة نظرية غنية، مستندين إلى فلسفة مارتن بوبر (علاقة أنا-أنت) وجيرت بيستا (أهداف التعليم: التأهيل، والتنشئة الاجتماعية، والتذويب). يؤكدون على أن جوهر التعليم يكمن في اللقاء الإنساني الأصيل، حيث يعترف المعلم والطالب ببعضهما البعض ككائنات فريدة ذات قيمة جوهرية. بينما يمكن للذكاء الاصطناعي دعم “علاقة أنا-هو” (الأداتية) بشكل فعال، إلا أنه لا يمكنه أبداً المشاركة في “علاقة أنا-أنت”. فالمعلم هو من يقدم الرعاية، والتحدي الأخلاقي، والشهادة على نمو الطالب كإنسان – وهي أمور لا تستطيع الآلة محاكاتها حقاً. حيث يدعو المؤلفون إلى تصميم نماذج تعاونية ثلاثية (أنا-أنت-هو) تكمل فيها الآلة العلاقة البشرية الأساسية دون أن تحل محلها.
تترجم عارفة كريمي هذه المبادئ إلى خارطة طريق عملية، مقترحة “سبعة تحولات” لتصميم أنظمة ذكاء اصطناعي تركز على العناية. تشمل هذه التحولات المشاركة في التصميم مع المعلمين والطلاب، ومراجعات الثقة والرفاهية، وشرح القرارات الموجه بالإنصاف، وإشراف المعلمين على البيانات. وهدفها هو إعادة تموضع الذكاء الاصطناعي كمتعاون في نظام بيئي تربوي تُصان فيه الكرامة البيداغوجية والانتماء.
الحوكمة والأخلاقيات: نحو عدالة شاملة
مع تعمق اختراق الذكاء الاصطناعي في نسيج التعليم، تبرز إشكاليات الحوكمة والأخلاقيات بقوة. تقترح كاسكا بورايسكا-بومستا وإيساك إنتي أساري “أخلاقيات العناية بالتصميم”، مؤكدتين على أن الاعتبارات الأخلاقية يجب أن تُدمج في الأنظمة من البداية، وليس كترقيع لاحق، وذلك من خلال عمليات تصميم تشاركية تشمل جميع أصحاب المصلحة، وخاصة المهمشين.
بدوره، يحلل كاليرفو ن. غولسون وسام سيلار صعود “الحوكمة التركيبية”، حيث تصبح القرارات التعليمية متشكلة بشكل متزايد بواسطة المنطق الخوارزمي والأنظمة القائمة على البيانات. ويحذران من افتراض حياد هذه الأنظمة، ويدعوان إلى استجابات ديمقراطية نقدية تفضح علاقات القوة وتعيد التأكيد على التعليم كمنفعة عامة.
مواجهة اللامساواة المشفرة: رؤى من الجنوب العالمي والمجتمعات المهمشة
يقدم عدد من المقالات رؤى بديلة تركز على العدالة والإنصاف. يقدم فوكوسي ماريفان وزملاؤه رؤية لتكامل الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي الأفريقي، تكون متجذرة محلياً، وتحترم التعددية الثقافية واللغوية، وتعطي الأولوية للوكالة البشرية والعناية البيداغوجية. حيث يدعون إلى أنظمة ذكاء اصطناعي لا تترجم فحسب، بل تتحول لتكون قادرة على التعرف على الأساليب التواصلية المتنوعة ودعم اللغات المهمشة.
تتحدى كيران بهاتيا وبايل أرورا النماذج الحمائية التي تضع الشابات في الجنوب العالمي كـ “مخاطر” يجب إدارتها. وبدلاً من ذلك، تقدمان رؤية تضع في مركزها الفرح، والإبداع، والوكالة التحويلية، حيث تكون الشابات مشاركات في المشاركة بالإبداع لمستقبلهن الرقمي، قادرات على تحويل هياكل القوة غير المتكافئة.
تركز يوتشين وانغ على الوضوح المفاهيمي للإدماج، مؤكدة أنه يتعلق بالانتماء، والعلائقية، والتعلم الجماعي، وليس بالتخصيص الضيق. بينما تسلط مارلوس ويليامز الضوء على الواقع المعقد للمتعلمين الصم أو ضعاف السمع في السياقات محدودة الموارد، داعية إلى أنظمة ذكاء اصطناعي متعددة الوسائط مصممة بالشراكة مع مجتمعاتهم، ومقرونة بالدعم البشري، لأن “الإنصاف لا يمكن أتمتته”.
سياسات الذكاء الاصطناعي في التعليم: بين الجيوسياسية وصنع المعنى الجماعي
يختتم التقرير بمنظورين حول السياسات. يقدم جورج سيمنز تحليلاً جيوسياسياً، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة للدولة، حيث تستثمر دول مثل الولايات المتحدة والصين فيه بنفس الرؤية الاستراتيجية المخصصة للقوة العسكرية والاقتصادية. ويدعو إلى بناء أنظمة تعليمية تستفيد من إمكانات الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على الرفاهية البشرية.
أما إلكا توومي، فيدعو إلى إعادة تأطير سياسة التعليم كـ “صنع للمعنى الجماعي” و”تجريب تطوري”، وليس كتنفيذ خطي. ينتقد تسليع المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويؤكد على الوكالة البشرية، والغرض الاجتماعي، وتنمية القدرات كأهداف تعليمية مركزية.
خاتمة: نحو مستقبل مشترك للذكاء الاصطناعي في التعليم
يخلص التقرير إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم يتطلب أكثر من السياسات التقنية. فهي تتطلب حواراً أعمق، وتأملاً جماعياً، وخيالاً أخلاقياً. وإن القصص التي نحكيها عن الذكاء الاصطناعي ومستقبل التعليم لا تزال تُكتب، ولدينا مسؤولية جماعية لتشكيل هذه القصص بالعناية، والوضوح، والشجاعة. سواء من خلال التصميم البيداغوجي، أو الإصلاح السياسي، أو الحوكمة الأخلاقية، فيجب أن نفكر ونتحاور ونتعلم معاً لخلق مستقبل للذكاء الاصطناعي في التعليم يكون شاملاً، وأخلاقياً، وإنسانياً، ومستداماً إيكولوجياً.
الهدف ليس تبني الذكاء الاصطناعي بلا قيد أو رفضه جملة وتفصيلاً، بل ترويضه وتوجيهه لخدمة الرؤية الإنسانية الأوسع للتربية كحق أساسي ومنفعة عامة عالمية.
رابط الكتاب الأصلى :
AI and the future of education: disruptions, dilemmas and directions – UNESCO Digital Library








