
إعداد
الباحث الأكاديمي عمر الأعرجي
العراق
المقدمة
تُبيّن وثيقة استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية، الصادرة في نوفمبر 2025، آليات تصحيح الولايات المتحدة لأخطاء سياساتها السابقة تجاه العالم. وتبرز الوثيقة، التي تأتي في ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خطة استراتيجية لضمان بقاء الولايات المتحدة القوة المهيمنة الوحيدة في العالم. تطرقت الوثيقة، المكونة من 33 صفحة، إلى تشكيل السياسة الأمريكية تجاه مختلف الدول، بما في ذلك الدول المنافسة. حيث أكدت على الدول القائمة على الشراكة ضرورة تعزيز أدوارها لتقليل الأعباء الملقاة على عاتق الولايات المتحدة. كما أوضحت كيفية التعامل مع القوى المنافسة كالصين، عبر استبعاد نفوذها من المناطق التي شغلت فيها حيزاً كبيراً. وإلى جانب ذلك، ركزت الاستراتيجية على التطوير الداخلي، مستهدفة رفع حجم الاقتصاد إلى 40 تريليون دولار، وتعزيز قطاعات الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الرقمية.
- الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
أ- تصحيح انحراف المسار الاستراتيجي: على مدى العقود الماضية، وتحديداً منذ نهاية الحرب الباردة، عانت الاستراتيجيات الأمريكية من قصور واضح، حيث لم تكن هناك رؤية تصب بشكل مباشر في المصلحة الوطنية العليا. فبعد الحرب الباردة، أقنع القادة الأمريكيون أنفسهم بأن الهيمنة الدائمة تخدم مصلحة البلاد، مما حمل المواطن الأمريكي أعباءً عالمية لم تكن في صالحه، وأقحمت السياسة الخارجية البلاد في خلافات وصراعات لا تخدم “المصلحة القومية”.
ب- التصحيح في عهد الرئيس ترامب: تهدف السياسة الحالية إلى إجراء تصحيحات تصب في مصلحة الولايات المتحدة والمواطن الأمريكي، وحماية حقوقه وحريته. يبدأ هذا النهج من الداخل الأمريكي ويمتد للعالم، ويشمل:
- ضبط الحدود: وضع حد للهجرة غير الشرعية التي تزعزع الاستقرار.
- البنية التحتية والدفاع: بناء بنية تحتية قادرة على الصمود أمام الكوارث الطبيعية والتهديدات الأجنبية، وتجنيد وتسليح ونشر أقوى جيش في العالم.
- التحديث النووي: امتلاك القوة النووية الأكثر حداثة وموثوقية في العالم.
- الاقتصاد: العمل على بناء اقتصاد أكثر ديناميكية وتطوراً.
- السياسة الأمريكية تجاه العالم
تسعى الاستراتيجية لضمان بقاء نصف الكرة الغربي مستقراً بشكل كامل، من خلال ضبط الهجرات غير الشرعية، ومكافحة إرهاب المخدرات والكارتيلات والمنظمات الإجرامية العابرة للحدود. تعيد هذه السياسة تطبيق “مبدأ مونرو”، مع الحفاظ على النفوذ في المحيطين الهندي والهادئ، وصون حرية الملاحة في الممرات البحرية. كما تؤكد على الحفاظ على هوية ووحدة أوروبا بصفتها مصدراً أساسياً لنهوض وسيطرة الولايات المتحدة. وفي الشرق الأوسط، تركز على حماية موارد الطاقة (النفط والغاز) من القوى المعادية. تكنولوجياً، تضمن الاستراتيجية التفوق الأمريكي، خاصة في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والقدرات النووية.
- الوسائل المهمة لتحقيق الاستراتيجية
- أ- اعتماد نظام قابل للتصحيح والتعديل المستمر.
- ب- بناء شراكات حقيقية تضمن مصالح المواطن الأمريكي.
- ج- تأسيس شبكة تحالفات استراتيجية واسعة في مناطق الحلفاء.
- د- منع وجود أي قوى منافسة في نصف الكرة الغربي، ومواجهة التحديات والتهديدات.
- هـ- ترسيخ نظام اقتصادي عالمي تكون فيه الرأسمالية الأمريكية هي الرائدة والوحيدة.
- أساسيات اعتماد السياسة الجديدة
السياسة الخارجية التي اعتمدها الرئيس دونالد ترامب ليست تقليدية، أو مثالية، أو مجرد واقعية، بل هي سياسة براغماتية بحتة تتلخص في شعار “أمريكا أولاً”. في ولايته الثانية، يركز الرئيس على إحلال السلام وإنهاء الصراعات (حوالي ثمانية صراعات حول العالم)، مثل التوترات بين الهند وباكستان، ومصر وإثيوبيا، وإنهاء حرب غزة مع عودة الرهائن. ويولي اهتماماً خاصاً بالصراعات الإقليمية التي قد تصل تداعياتها إلى السواحل الأمريكية وتضر بمصالحها.
- مبادئ عمل السياسة الأمريكية
تعتمد السياسة الخارجية، داخلياً وخارجياً، على عدة مبادئ:
- أ- المصلحة الوطنية: التركيز عليها كمحور أساسي، وتصحيح مسار ما بعد الحرب الباردة.
- ب- السلام من خلال القوة: لا تعتمد القوة لفرض الهيمنة فحسب، بل تُستخدم لتحقيق السلام. حيث تتقبل العديد من الدول الدور الأمريكي في حل النزاعات، مع اعتبار تطوير التعليم والصحة والثقافة أولوية.
- ج- الواقعية السياسية: تتصف السياسة بالمرونة في التعامل مع الدول الأخرى، وإقامة شراكات حقيقية، واحترام التبادل التجاري وفق المسار الديمقراطي والاحترام المتبادل.
- د- المصلحة فوق كل اعتبار: التعاون الدولي مرهون بخدمة المصلحة الأمريكية أولاً، مع تشجيع الدول المتعاونة على تعزيز مصالحها الوطنية أيضاً.
- هـ- توازن القوى العالمي: الحفاظ على توازن قوى إقليمي ودولي يمنع صعود أي قوة تتجاوز الولايات المتحدة اقتصادياً أو عسكرياً.
- و- العامل الأمريكي: الأولوية للعنصر الأمريكي في أي استثمار.
- ز- عدم الاعتمادية: تهدف السياسة الجديدة إلى تقليل اعتماد الدول الأخرى كلياً على الولايات المتحدة تجارياً واقتصادياً، وتشجيعها على تعزيز إنتاجها المحلي القومي، لتجنب تراكم الأعباء على الولايات المتحدة.
- الخلاصة
أوضحت دراستنا للجزء الأول من وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي تغييراً جذرياً في تعامل واشنطن مع دول العالم مقارنة بالسابق. هذا التغيير مدفوع كلياً بالمصلحة الوطنية وخدمة المواطن الأمريكي، وفق نهج رأسمالي صريح. ورغم ذلك، يتم هذا التعامل بأسلوب يسعى للتعاون المشترك لتحقيق “السلام العالمي”، شريطة أن يضمن ذلك بقاء الولايات المتحدة الدولة الوحيدة المهيمنة في العالم.


