On Research

مقالات تحليلية

لماذا تَرتفع صادرات النِّفايات البلاستيكية البريطانية إلى الدُّول النَّامية؟

Email :1606

إعداد 

معمر السليمان 

باحث في الشؤون السياسية والاستراتجية

المملكة العربية السعودية

مقدمة
شَهِدت السِّنوات الأخيرة تَصاعُدًا غير مسبوق في الجدل حول النِّفايات البلاستيكية على المستوى العالمي، ولا سِيَّما بعد أن كَشفت تقارير حديثة – أبرزها تقرير صَحيفة الغارديان البريطانية ومَجموعة The Last Beach Cleanup – عن ارتِفاع صادرات بَريطانيا من النِّفايات البلاستيكية إلى الدُّول النَّامية بنسبة 84% خلال عام واحد فَحَسْب، لتَصِل إلى مُستويات قياسية لم تُسَجَّل من قَبْل. تُثير هذه الأَرْقام المُفزِعة تَساؤلات عَميقة حول الأسباب والدَّوافع الحقيقية وراء هذه الزِّيادة المُقلقة، والآثار البيئية والاقتصادية والأخلاقية المترتِّبة عليها، في ظلِّ نِظام تجاري عالمي يَسْمح بنَقْل الأزمات البيئية من الشَّمال الغَني إلى الجَنوب الفَقير.

أولًا- خلفيات الظاهرة :
تُعَدُّ المملكة المتحدة واحدة من أَكبر مُنتجي النِّفايات البلاستيكية في أوروبا، حيث تُنتج أَكثر من 2.5 مليون طن سَنويًا، بِمُعدل يُفوق 36 كيلوجرامًا للفَرد الواحد. ومع ذلك، فإن البنية التحتية لإعادة التدوير داخل بريطانيا تُعاني من قُصور مُزمن لا يُواكب هذا الحَجْم الهائل من النِّفايات، حيث لا تَتَجاوَز قُدرة المعالجة المحلية 40% من إجمالي النِّفايات البلاستيكية المُنتَجة، مما يَدفع الشَّركات والمصانع إلى تَصدير جُزء كبير من النِّفايات إلى الخارج تحت حُجَّة “إعادة التدوير”.

ويُعَدُّ إغلاق الصين أبوابها أمام واردات النِّفايات الأجنبية في عام 2018، ضمن سِياسة “السيف الوطني” التي هَدَفت إلى حماية البيئة الصينية، منعطفًا حاسمًا في هذه القضية، حيث تَحوَّل المسار التجاري للنِّفايات بشكل حاد نحو دول جنوب شرق آسيا مثل إندونيسيا وماليزيا وفيتنام، وبعض الدول الإفريقية مثل غانا ونيجيريا، التي أصبحت وجهات جديدة لاستقبال نفايات العالم المتقدم.

ثانيًا- الأسباب الاقتصادية والسياسية:

1. التكلفة المنخفضة والرِّبحية العالية :
يَتمثَّل أحد الأسباب الرئيسية في أن تَصدير النِّفايات إلى الدول النامية أرخص بكثير من معالجتها داخل بريطانيا. فَتَكلفة مَعالجة طن من البلاستيك مَحليًا قد تَصِل إلى 300-500 جنيه إسترليني، بينما لا تَتَجاوَز تكلفة التَّصدير والمَعالجة في الخارج 150 جنيهًا للطن، مما يُوفِّر للشركات ملايين الجنيهات سنويًا.

2. القوانين الصارمة في الداخل والثَّغرات القانونية :
تُفْرِض القوانين البيئية الأوروبية والبريطانية معايير عالية لإعادة التدوير وضوابط صارمة على المَكبات الصحية، مما يَدفع الشركات للبحث عن مَخرج قانوني عبر تَصدير النِّفايات باعتبارها “مواد قابلة لإعادة التدوير”، مُستغِلَّةً ثَغرات في اتفاقية بازل التي تُنظِّم تجارة النِّفايات الخطرة.

3. نقص الرقابة في الدول المستوردة ومشاكل الفساد :
لا تَمتلك العديد من الدول النامية أنظمة رقابية صارمة على واردات النِّفايات، كما أنَّ عَمليات الفساد الإداري تُسَهِّل دُخول شحنات النِّفايات تحت غطاء “المواد الخام القابلة لإعادة التدوير”، مما يَجعلها وجهة سَهلة لتفريغ البلاستيك دون معالجة حقيقية.

4. الضغوط التجارية في أعقاب بريكست :
فَتَح خُروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المجال أمام اتفاقيات تجارية جديدة، حيث أصبحت الصادرات البيئية أحد بنود التفاوض مع الدول النامية، في محاولة لتعويض الخسائر الاقتصادية الناتجة عن بريكست.

ثالثًا – الأبعاد البيئية والإنسانية :
تُؤَدِّي هذه الممارسات إلى كوارث متعددة الأبعاد ، ومنها :

• تلوث بيئي واسع النطاق : حيث تُحرق أو تُدفن النِّفايات في مناطق مفتوحة، مما يُؤَدِّي إلى انبعاث غازات سامة وتلوث الهواء والمياه الجوفية. وتُشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن 90% من النِّفايات البلاستيكية المصدرة لا يُعاد تدويرها بشكل فعلي.

• أضرار صحية خطيرة : تُصيب السكان المحليين نتيجة تسرب المواد السامة إلى التربة والمياه، مما يُسبِّب أمراضًا تنفسية وسرطانية. وقد سجلت مناطق في ماليزيا وإندونيسيا ارتفاعًا بنسبة 40% في أمراض الجهاز التنفسي بالقرب من مواقع حرق النِّفايات.

• تقويض مبدأ العدالة البيئية : حيث تتحمل الدول الفقيرة عبء نفايات الدول الغنية، في نموذج صارخ للتمييز البيئي؛ مما يَجعل المجتمعات الفقيرة تَدفع ثمن استهلاك المجتمعات الغنية.

رابعًا- البعد الأخلاقي والدبلوماسي :
تُكشِف هذه الظاهرة عن نَمط استعماري بيئي جديد، حيث تُصدِّر الدول المتقدمة أزماتها البيئية إلى العالم النامي، مُتجاهلة مبدأ المسؤولية المشتركة ولكن المُتباينة. كما تُولِّد هذه الممارسات توترًا دبلوماسيًا متصاعدًا بين بعض الدول الأوروبية والدول المستوردة التي بدأت تَرفض استقبال النِّفايات، كما حدث عندما أعادت ماليزيا 42 حاوية إلى بريطانيا، وأعادت إندونيسيا 547 حاوية إلى دول المصدر.

خامسًا- الحلول الممكنة :
• إعادة هيكلة سياسات إعادة التدوير: من خلال استثمار 500 مليون جنيه إسترليني في البنية التحتية المحلية لإعادة التدوير، وفرض ضرائب على البلاستيك أحادي الاستخدام.

• فرض قيود دولية صارمة: عبر تفعيل اتفاقية بازل المعدلة 2021 التي تفرض قيودًا على تجارة النِّفايات البلاستيكية، وإنشاء نظام رقابي دولي للملاحة البحرية الخاصة بنقل النِّفايات.

• دعم الدول النامية : من خلال برامج تمويلية بقيمة 100 مليون دولار لبناء قدراتها في إدارة النِّفايات والتخلص الآمن منها، ونقل التكنولوجيا النظيفة.

• تشجيع الاقتصاد الدائري : عن طريق حوافز ضريبية للشركات التي تتبنى نماذج إنتاج قائمة على إعادة الاستخدام وتقليل الإنتاج من الأساس، وخفض ضريبة القيمة المضافة على المنتجات المعاد تدويرها محليًا.

• تفعيل الرقابة والشفافية : mediante إنشاء نظام تتبع إلكتروني للشحنات البلاستيكية، وإلزام الشركات المصدرة بنشر تقارير دورية عن جهة التصدير ومصير النِّفايات.

خاتمة :
لا يُمثِّل ارتفاع صادرات النِّفايات البلاستيكية البريطانية بنسبة 84% مجرد رقم بيئي عابر، بل هو انعكاس لاختلال عميق في العدالة البيئية العالمية، حيث يتم استغلال ضعف البنية الاقتصادية في الدول النامية لتخفيف أعباء الدول الغنية. إن مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة تَتطلَّب تعاونًا دوليًا حقيقيًا، وإعادة نظر جذرية في منظومة القيم الاقتصادية التي تَضع الربح قصير الأجل قبل صحة الكوكب والإنسان، وتفعيل مبدأ “الملوث يدفع” بشكل عادل وشامل. فَالبيئة لا تَعرف حُدودًا جغرافية، والأضرار التي تُصيب أي جُزء من الكوكب سَتعود عاجلًا أم آجلًا على الجميع.

المصادر :
• صحيفة The Guardian (2025)
• تقرير مجموعة The Last Beach Cleanup (2025)
• منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD
• برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)
• وزارة البيئة والغذاء والشؤون القروية البريطانية (DEFRA)
• شبكة العمل العالمي لمكافحة النفايات (GAIA)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts